في ذكرى رحيل بيرم.. يا بائع الفجل بالمليم واحدة

في ذكرى رحيل بيرم.. يا بائع الفجل بالمليم واحدة
كتب -

“أخشى على الفصحى من عامية بيرم”، هكذا يقول طه حسين عن الراحل بيرم التونسي.

في حي السيالة بالأنفوشي، إحدى مناطق الإسكندرية الشعبية، ولد محمود محمد بيرم التونسي، أو بيرم التونسي كما حفظ الناس اسمه، في 23 مارس عام 1893.

ما إن بلغ شاعرنا الرابعة حتى ألحقه والده بـ”الكُتّاب”، لكن قسوة الشيخ جعلت الطفل يهجر الدراسة، ليجد في دكان والده ملاذًا آمنا من “فلكة الشيخ”.

فشل الطفل في استكمال الدراسة في الكتاب، وانسلخ إلى القراءة، ومنها أحب الشعر، من هنا بدأت تتشكل موهبة بيرم الفذة.

انطلق بيرم في رحاب الأدب والشعر، لكن حلم العمامة الأزهرية ما زال يداعب مخيلة والده، الذي قرر أخيرًا إرساله إلى معهد ديني بمسجد المرسي أبو العباس، ليستكمل تعليمه وهو في سن 14.

لم يمر وقت طويل على التحاق بيرم بالمعهد الأزهري حتى رحل والده، واكتشف أنه قبل رحيله باع الدكان لأبناء عمومته، فاضطر بيرم للعمل صبيًا في محل بقالة، لكن حبه لسماع المواويل كان سببًا في غيابه عن الدكان ليُطرد في النهاية.

يلتقي بيرم بأحد البنائين، الذي يغني له بعض الأدوار والطقاطيق ليهيم بيرم بها عشقا، ويبدأ البحث عن الكتابات الشعرية، وتقع يده على كتاب لأشعار ابن الرومي، هذا الكتاب الذي ظل بيرم يعتبره أروع ما قرأ.

موهبة بيرم لديه بوتقة الكتابة الشعرية ليكتب عددًا من القصائد، منها قصيدته المعروفة المجلس البلدي، التي اشتملت على نقد سياسي لاذع للحكومة في تحصيل الرسوم والضرائب من الطبقات المعدومة من الشعب.

يا بائع الفجل بالمليم واحدة / كم للعيال وكم للمجلس البلدي

ومن الطريف أن سبب كتابة التونسي تلك القصيدة هو أن المجلس البلدي حجز على منزله لأنه، وقد نشرت القصيدة في جريدة الأهالي ونالت شهرة واسعة وحفظها الجميع، وترجمت إلى الإنجليزية حتى يفهمها الأجانب، كما كانت القصيدة سببًا في رفع مبيعات الجريدة، وكانت تلك القصيدة أول مكاسب بيرم من فنه.

بيرم والشيخ سيد

أنا المصري كريم العنصرين / بنيت المجد بين الاهرامين

كان من الطبيعي أن يلتقي بيرم في شبابه فنان الشعب سيد درويش، ليجمعهما حب الكلمة الراقية واللحن المعبر، فألف بيرم لسيد درويش عددا من الأغاني كان أشهرها أوبريت شهرزاد، الذي أثار حفيظة القصر في ذلك الوقت، لأنه كان يتحدث عن فساد العائلة المالكة ومجونها وكان العنوان الأصلي الذي استخدمه التونسي للاوبريت (شهوزاد)، واعترضت الرقابة على الاسم فعدل إلى شهرزاد، وعرض الأوبريت بعد نفيه للمرة الأولى.

ومن أشهر الأبيات التي قيلت في المسرحية:

أنا المصري كريم العنصرين/ بنيت المجد بين الاهرامين.

من المسلة إلى الخازوق

مع اندلاع ثورة 19 تنبه بيرم إلى ما يحدث من تواطئ بين القصر والإنجليز، فأسس أول جريدة له “المسلة”، ولجأ بيرم إلى حيلة ليتغلب على مشكلة تصريح إدارة المطبوعات، بأن وضع صورته على غلاف المجلة وكتب عليها الجزء الأول، بدلا من العدد الأول وطبع منها 5 آلاف نسخة.

كانت الجريدة تحمس الشعب على الثورة ضد الاحتلال، وبنجاح العدد الأول، انتقل بيرم إلى القاهرة ليوسع دائرة توزيعه ويستمر في نقد الحكومة والقصر والاحتلال، ويستمر بالجريدة حتى العدد 13، لكن بسبب نقد الملك فؤاد وابنه أغلقت الجريدة بمرسوم سلطاني، ليعود ويؤسسها من جديد تحت اسم الخازوق ويصدر منها عددًا واحدًا وتغلق وينفى بعدها إلى تونس .

البامية الملوكي والقرع السلطاني

سلطان بلدنا مرته جابت .. ولد وقال سموه فاروق

فاروق فارقنا بلا نيلة .. دي مصر مش عايزالها رذيلة

البامية فى البستان تهز القرون .. وجنبها الفرع الملوكى اللطيف

نازل يلعلط تحت برجة القمر .. ربك يبارك لك فى عمر الغلام

ياخسارة بس الشهر مش تمام

كانت هذه الأبيات التي جاءت في قصيدة بيرم “البامية الملوكي والقرع السلطاني” سببا في إغضاب الملك فؤاد، لأنه ببساطة تتطاول على ذات الملك وشكك في نسب ابنه فاروق.

وفي عام 1920 صدر المرسوم السلطاني بنفي بيرم إلى موطن أجداده تونس، وسبقته الدعاية السوداء هناك  وضيق البوليس عليه الخناق فقرر بعد أربعة أشهر أن يترك تونس إلى فرنسا، وهناك عانى أشد المعاناة.

غلبت اقطع تذاكر وشبعت يا رب غربة

وبعد عام ونصف العام اشتاق بيرم لوطنه وأسرته، فلجأ إلى تزوير جواز سفر بريطاني، وبالفعل ينجح في الحصول على التأشيرة ويدخل مصر.

وعبر بيرم عن رحلته تلك بأبيات مؤثرة:

الأوّلة آه.. والثانية آه.. والتالتة آه

الأوَّلة مصر.. قالوا تونسي ونفوني جِزاةِ الخير وإحساني

والثانية تونس.. وفيها الأهل جحدوني وحتى الغير ما صفاني

والتالتة باريس.. وفي باريس جهلوني وأنا موليير في زمان

سجين الدار

وتمر 3 أشهر وبيرم سجين في داره، دون أن يحصل على العفو، وبعد أن سأم من الاختباء، قرر أن يخرج إلى الشارع ليفتضح أمره، ويعود إلى منفاه مرة أخرى إلى فرنسا، وهناك يقضي تسع سنوات متنقلا ما بين أعمال عدة مرة كشيال ومرة موظف في مصانع الكيمياويات.

لكن خفف من حدة المنفى هذه المرة، التقائه عزيز عيد في فرنسا، الذي طلب منه تأليف مسرحية شعرية، مقابل 20 جنيها كمقدم، ويعثر بيرم على رواية أجنبية تحت عنوان “لو كنت ملكا” ويمصرها تحت عنوان “ليلة من ألف ليلة”.

بورسعيد تاني

وكان بيرم يراسل بعض الصحف في مصر لنشر أعماله، وبعد مرور 9 سنوات تصدر فرنسا مرسوما تطالب فيه جميع الأجانب مغادرة أراضيها ليعود مرة أخرى إلى تونس ومنها إلى سوريا، لينفى من سوريا إلى دولة أخرى، لكنه ينجح في الهرب أثناء ترحيله بمساعدة أحد البحارة المصريين، ويعود إلى مصر عبر ميناء بورسعيد عام 1938، مرة أخرى.

بيرم والست

القلب يعشق كل جميل، وكل الأحبة اتنين اتنين، وشمس الأصيل، وأنا وأنت، كانت تلك الأغاني ثمرة التعاون الفني بين بيرم والست في أربعينيات القرن الماضي، وكان همزة الوصل بينهما زكريا أحمد الملحن ذائع الصيت في ذلك الوقت، الذي ارتبط بعلاقة صداقة قوية مع بيرم، ولحن عددًا من الأغاني التي كتبها بيرم لكوكب الشرق أشهرها أغنية الآهات:

آه من لقاك في أول يوم ونظرتك لي بعنيك

خاصم عيوني ليلتها النوم وبت اسأل روحي عليك

يا هل ترى

راح يعطف على فؤاد متلهف

تقول لي روحي آه

وتعددت أغاني ببرم لأم كلثوم، وكان أشهرها القلب يعشق كل جميل:

القلب يعشق كل جميل

وياما شفتِ جمال يا عين

واللي صدق في الحب قليل

وإن دام يدوم يوم ولا يومين

واللي هويته اليوم

دايم وصاله دوم

لا يعاتب اللي يتوب

ولا بطبعه اللوم

واحد مافيش غيره

ملا الوجود نوره

دعاني لبيته

لحد باب بيته

واما تجلى لي

بالدمع ناجيته

عودة إلى الصحافة 1950

ويعود بيرم مرة أخرى إلى الصحافة متنقلا بين الأهرام والأخبار والمصري والجمهورية، لينشر قصائده الشهيرة، التي لم تخل من النقد السياسي، ويتفاعل بيرم مع ثورة 52 لينشد في الإذاعة المصرية قصيدة  قال فيها:

العيد ده أول عيد عليه القيمة

مافيهيشي تشريفه ولا تعظيمه

صابحين أقله وأعراضنا سليمة

نهاية المطاف

قال: إيه مراد ابن آدم؟

قلت له: طقه

قال: إيه يكفي منامه؟

قلت له: شقه

قال: إيه يعجّل بموته؟

قلت له: زقه

قال: حـد فيها مخلّد؟

قلت له: لأه

قال لي: ما دام ابن آدم بالصفات دي

نويت أحفظ صفات ابن آدم كل ما اترقى.

في 5 يناير 1961 رحل بيرم عن عمر ناهز 68 عامًا، بعد أن كتب آخر أغانيه لأم كلثوم “هوا صحيح الهوا غلاب”، وأذاعت أم كلثوم نبأ وفاته على الهواء مباشرة  قبل أن تصدح بكلماته.

رحل العبقري الذي وصف أحمد شوقي كلماته بقوله “هذا زجل فوق مستوى العبقرية”.


 

مراجع

1-قراءة في مذكرات بيرم التونسي- د فوزي الزمولي- مجلة الجسرة الثقافية-3 اغسطي 2013

2-بيرم التونسي .. عاصفة  من الحارة المصرية، كمال سعد- 1993

3- الأعمال الكاملة لبيرم التونسي- نسخة PDF

 

الوسوم