في قرية دسيا.. خيوط من حرير على نول مكسور

في قرية دسيا.. خيوط من حرير على نول مكسور

في سبعينيات القرن الماضي، بدأ السجاد اليدوي المصنوع من خيوط الحرير والصوف ينتشر في محافظة الفيوم، عبر قرية دسيا “إحدى قرى مدينة الفيوم”.

أصحاب “الصنعة” الحاليين يرجعون الفضل لرواج الصناعة إلى صلاح كامل، صاحب أول ورشة بقرية دسيا، معتبرين إياه رائد صناعة السجاد في الفيوم.

يقول الحاج صلاح، أنوال السجاد كانت “فاتحة بيوت كتير”، وكان الإقبال على الحرفة ملفت، كنت أشتري خيوط الحرير ولوازم العمل من محافظة القاهرة، وأوزعه على عمال الورشة، ومن يعملون  فى بيوتهم، ولأن الإنتاج كان يسوّق كله، كنت أكرر رحلة شراء الخيوط مرتين خلال الأسبوع.

ويضيف راجت تاجرتنا كثيرًا لجودة صناعتها، وزاد عدد العمال المهرة، واستمر الحال هكذا حتى حدثت ثورة 25 يناير، وما تلاها من تغيرات سياسية، كان من نتائجها تراجع، حركة السياحة، وهو ما أدى بدوره إلى تراجع الصناعة.

تعرف على المزيد عن أول من أدخل صناعة النسيج إلى الفيوم من هنا:

عم صلاح”.. أول من أدخل صناعة السجاد اليدوي

معوض سيد، من أوائل من تعلموا السجاد على يد الحاج صلاح، أنشأ ورشته الخاصة، التي كان يعمل بها 35 فتاة، يعملن على عشرة أنوال كل نول تعمل عليه ثلاث فتيات، ومنهم نول كبير كان يعمل عليه ست فتيات، لم يتبق من هذه الورشة سوى نول وحيد، إذ بيع بعضها، وبعضها معطل أمام الورشة.

النسيج في قرية دسيا

يستكمل معوض سيد، حكايات قرية “دسيا”: بدأت عملي في صناعة السجاد منذ أربعين عامًا، فقد تعلمت وأنا في العاشرة من عمري، على يد الحاج صلاح عام 1978، لم يخل بيت فى القرية من نول يعمل عليه بعض أفراد الأسرة، وكانت القرية نموذجا للقرية المنتجة.

أدوات الحرفة

يضيف أن أدوات الحرفة كانت بسيطة: نول خشبى ودقن ومقص وخيوط، تبدأ مراحل عمل السجادة اليدوية بشد الخيوط على النول بطريقة طولية، ثم تجهيز وإحضار الرسمة، ثم توزيع الخيوط الملونة سواء الحرير أو الصوف او القطن على حسب التصميم وألوانه، ويأتي بعد ذلك المرحلة الأخيرة من تشطيب السجادة وإزالة الزيادات وتجهيزها للبيع.

يضيف معوض كنت أسافر إلى القاهرة لإحضار الخيوط ثم أوزعها على “الصنايعية”، وبعد الانتهاء من تشطيب وإنتاج السجاد يباع لتجار القاهرة “كانت العجلة دايرة، والقرية تنتج السجاد الحرير والصوف”.

تفوّق المهرة من الصنايعية في زيادة عدد العقد في السنتيمتر الواحد، والتي كلما زادت دلت على جودة وتميز السجادة، الآن مع زيادة أسعار الخامات نضطر إلى شراء خامات أقل جودة وبالتالي قل عدد العقد، بحسب معوض.

ويتابع معوض وصلنا الآن إلى أدنى المراحل التي بلغتها الصناعة، فقد تركت البنات الورش واتجهن للعمل بمصانع الشيبسي والملابس بمدينة 6 أكتوبر، واتجه الشباب لمهنة المعمار أو قيادة “التوك توك”، لسد احتياجاتهم والتزاماتهم المادية، والمؤسف هو ما نتعرض له من استغلال التجار الكبار، إذ يستغلون حاجتنا للبيع ويشترون إنتاجنا بأرخص الأسعار.

“إحنا بنشتغل علشان نعيش وياريت يكفي، ويمكن للمشتري المحلي الاستغناء عما ننتجه بشراء السجاد الصناعي الأرخص”، هكذا يقول.

من ينقذ المهنة؟

معوض يطالب بتدخل الحكومة لإنقاذ هذه الصناعة، متذكرًا محاولة محافظ الفيوم الأسبق “جلال السعيد” الذى زار القرية، ووجه بتسويق منتجاتنا عبر الإنترنت، واستقبلنا عروضًا وقتها بالفعل، لكن اشتعلت ثورة يناير وتغير المحافظ، ولم يحدث شيء.

أثناء سيري في شوارع القرية برفقة عم معوض، لزيارة أحد المحافظين على “الصنعة” بقرية “دسيا”، كان معوض، يشير بيده تجاه بيوت على شماله وأخرى على يمينه، قائلًا: كانت أصوات الدق على الأنوال تملأ هذه الشوارع ضجة وصخبًا، فجميع هذه المنازل كانت مليئة بالأنوال وكانت مثل خلايا النحل، الآن يخيم السكون على الشوارع فلا صوت لدقة دقن على نوال وحيد”.

حسين خليل، من الآوائل أيضا الذين تعلموا السجاد على يد الحاج صلاح، يقول أعمل في صناعة السجاد اليدوى منذ أربعين عاما، بدأت تعلمها في العاشرة من عمري، و لا أعرف صنعة غيرها.

يضيف خليل كان يوجد بالقرية نحو 500 نول، والموجود الآن لا يتعدى أصابع اليد الواحدة، هجر “الصنايعية” المهنة بعد أن كانت القرية تعج بالعمل والنشاط، وكان إنتاجنا يمتاز بالدقة والمهارة فقد كان يتفوق على الإنتاج الإيراني، وأذكر أننى عندما بدأت التعلم وكنت صغيرًا بدأت بـ90 عقدة فى المترالمربع، حتى وصلت بالمهارة لعمل ألف عقدة، وهي أعلى درجة يمكن للصنايعي الوصول إليها.

يتابع كانت منتجاتنا تباع في البازارات بسقارة والهرم للسائح الأجنبي بالدولار، الآن  مصدر تسويقها الوحيد هو المستهلك المحلي، الذي لايقدر دقة العمل اليدوي وحرفيته، ما اضطرنا إلى تقليل جودة الخامات والدقة “عشان نعيش ونكمل”، فأنا وزوجتي نعمل طوال اليوم وما نتحصل عليه لا يتعدى 30 جنيها في اليوم.

كان للنساء بقرية “دسيا” النصيب الأكبر من هذه المهنة، إذ كان العمل داخل البيوت حافزًا للكثيرات منهن، خاصة الأميّات ومن لا يخرجن للعمل.

مع أم عمر

أم عمر، ربة منزل لديها ثلاثة أولاد، 27 عامًا، تعمل في المهنة منذ 15 عامًا، تقول: أنا أمية وتعلمت السجاد وأنا عمرى 12 سنة، وعندما تزوجت عملت لأساعد في نفقات المنزل لأن زوجى “عامل باليومية”، و ليس لديه دخل ثابت.

تتابع أم عمر، تحتاج السجادة مني وقتًا أطول عندما تكون كبيرة المساحة بطبيعة الحال، وقد تصل المدة إلى سبعة أشهر، ويكون أجرى عليها ألفي جنيه، وإذا احتجت لأي مبلغ “أسحب من التاجر من حساب السجادة”، المهم أن تكون السجادة على النول وفور الانتهاء منها أتحصل على باقى ثمنها.

كان ملفتا لي أن أرى رجلا وزوجته يعملان معا على نول واحد، أو أب وأم وابنهما أو ابنتهما، أو فتاة وجارتها أو صديقتها، وهو ما شاهت فى بيت أم عمر، حيث كانت إحدى جاراتها تجلس معها أمام نول واحد.

وتوضح أم عمر، إذا حدث وتوقفتُ بسبب نقص الخيوط مثلا أذهب لمساعدة جارتي في السجادة التي تعمل عليها والعكس، وهذا ليس ما أفعله وحدي، فقد أكسبتنا هذه الحرفة قيمة وأهمية التعاون.

ربنا يفرجها

“يطلع النهار ويمشى وإحنا فى بيوتنا” هكذا تقول ياسمين سيد، 22 عامًا، متزوجة ولديها ثلاثة أطفال، معرفش غير صناعة السجاد اليدوي، التي تعلمتها وعمري سبعة أعوام فقط، كنت أعمل أنا وأختي الكبيرة في ورشة الحاج صلاح، لكى نساعد والدنا في نفقات البيت، وكان أجرى 9 جنيهات في اليوم.

تتابع من خلال عملنا في السجاد اليدوي نجحنا أنا وأختى في شراء كل ما يلزمنا  من تكاليف زواجنا، وبعد زواجي عملت في منزل زوجي، الذي كان يعمل في نفس المهنة، لكنه تركها بعد أن تأثرت بعد الثورة، وسافر للعمل باليومية في القاهرة، لكني أقنعته بالعودة وأحضرنا نولا نعمل عليه سويا “وربنا يفرجها”.

أما أم حسن، فقد تعلمت المهنة بعد الزواج على يد زوجها، تقول: لم أكن أعرف شيئا عن صناعة السجاد حتى تزوجت ووجدت زوجي يعمل بها، علمني زوجي الصنعة وأحضر لي نول أعمل عليه، ومن وقتها لم أترك الصنعة، وعلمت بناتي حتى تزوجن، لكن أعباء الحياة كثيرة والشغل لم يعد مثل السابق، لكننا مستمرين.

تركت قرية “دسيا” وما زال في مخيلتي صورة الأنوال المسنودة على حوائط بعض البيوت، وببعضها بقايا خيوط، بعد أن كانت الحيوية تدب في كل قطعة منها، مع نظرات الحزن، التي شاهدتها في عيون صانعي سجاد مهرة، يتحسرون على ماض كانت لهم فيه الريادة.

 

الوسوم