يوم في الدرب الأحمر

الدرب الأحمر؛ جزء من القاهرة الإسلامية التي أورثتنا تحف معمارية وأساطير شعبية تضاهيها جمالا وبلاغة، ومن قلب ميدان القلعة ما بين جامع السلطان حسن والرفاعي، وعلى أطراف درب اللبانة حيث تختبئ أسرار المعمار المصري في متحف بيت المعمار المصري، بدأنا اليوم في قلب القاهرة الساحر.
“فنجان قهوة” كان سبب جلوسي على أحد مقاهي شارع الدرب الأحمر، التي لم أستطع أن أجزم أنها أقدم قهوة في الشارع على الرغم من أن عمرها أكثر من 100 عام، إلا أن الطريف فيها أن من تملكها امرأة، في الستينيات من عمرها، لتكون قهوتها هي الباب الذي فتح لنا التعرف على حكاية الدرب الأحمر.
حي الدرب الأحمر أقدم مناطق القاهرة التاريخية، إذ يضم 65 أثرا إسلاميا، فضلا عن احتوائه على جامع الأزهر، فهو يحتل مركز الصدارة في عدد الآثار الإسلامية لما يمثله من نقطة ارتكاز محورية لكافة فترات الحكم الإسلامي.

القهوة الرفيقة
بعد جلوسي بـ10 دقائق، دخلت عليا سيدة في الخمسينيات من عمرها تستند على “عكاز” يعينها على الحركة ذات الخطوات البطيئة على الأرض، قائلة: “أنا صاحبة القهوة يابنتي” هكذا تعرفني الحاجة أم حسن، على نفسها، لتبدأ حديثها معي عن قهوتها والتي لا تمثل فقط مصدر رزقها بل هي رفيقتها في الحياة على ما واجهته في هذه الدنيا قائلة: “كانت أعيش مع أبويا وأمي في الشارع هنا من أيام ما اتولدت وكنا نملك منزل في الشارع وكانت القهوة مكانها محل شربات، والقهوة على الجانب الآخر أمام المحل وليس هذا الجانب، وعندما مرت الأيام، هدم أصحاب المنزل القهوة، وفي نفس الوقت تم عرض محل الشربات للبيع حتى قام أبويا بشرائها وتحويلها إلى قهوة بديلة عن تلك التي هُدمت، ومن وقتها ورثت عن أهلي المهنة ومكانها”.

رجالة الدرب
“روحت الحسين وكانت الدنيا فاضية فرجعت”.. هكذا قاطع الشيخ عكاوي، حديث أم حسن، دون قصد ليحدثها عن يومه، كعادته، فدائمًا هو يتحدث وهي تسمع، لينتبه لحديثنا، موضحًا الفرق بين الدرب قديما والآن قائلًا: “الناس زمان كانت حلوة كنا بنخاف على بعض ونتخانق لبعض، وكلنا على قلب واحد”، موضحًا أن القهوة كانت قديمًا مكان اجتماع أهل الحارة، “فهنا كان كل واحد بيخرج همه من قلبه ويلاقي اللي يساعده ويسمعه”.
يستمع إلى كل هذا الحديث رجل لا تختفي البسمة من على شفتيه وكأنه يسترجع ذكرياته مع كل كلمة ينطق بها الشيخ محمود، ليوجه بعدها الكلام لي، “يابنتي أحنا أهل الدرب الأحمر شايلين في قلوبنا تاريخ زي ما الدرب سطر على التاريخ بأحداثه والأماكن القديمة اللي فيه”.
يصر الشيخ عكاوي أن يأخذني في جولة بين أهم الأضرحة التي يضمها الدرب الأحمر، كجامع الصالح طلائع بن رزيك، آخر أثر في عصر الفاطميين بمصر، يليه مدرسة قجماس الإسحاقي ثم جامع المارداني ثم مدرسة أم السلطان شعبان، وكلها منشآت دينية تعود إلى عصر المماليك.
مدرسة قجماس الأسحاقي
تقع  المدرسة بشارع الدرب الأحمر، وهي مرتفعة عن مستوى الشارع وتحت واجهتها الأربع حوانيت، من أهم المنشآت الدينية التي بُنيت في عهد المماليك الجراكسة، فهي غنية بشتى الزخارف، وقد ألحق بها سبيل ثم ساباط يؤدي إلى الميضأة تعلوه مشربية فحوض لشرب الدواب، ومن ثم كتاب لتعليم الأطفال.
يحكي الشيخ عكاوي، أن الأمير سيف الدين قجماس الإسحاقي الظاهري كان مملوكًا للظاهر جقمق، ونشأ في خدمته عين في جملة وظائف كان آخرها وظيفة نائب الشام في دولة السلطان الأشرف أبو النصر قايتباي، وبقي بها إلى أن توفي، ودفن هنا بالشام، ولم يتبق من منشآته العديد سوى هذه المدرسة التي أيد قبتها لتكون مدفنًا له ولكنه لم يدفن بها، ودفن بها أحد الصالحين المعروف باسم بالشيخ أحمد أبو حريبة المتوفي سنة (1268 هجريًا).
تخطيط المدرسة متعامد يتكون من صحن تحيط به أربعة أيونات اثنين منهما كبيران وهما الشرقي والغربي، والآخران صغيران وهما القبلي والبحري ويشرف هذا الصحن المفروش بالرخام عدة أبواب إلى المئذنة وإلى حجرات علوية.
جامع الصالح طلائع
يذكر الدكتور أبوالحمد محمود فرغلي، في كتاب الدليل الموجز لأهم الآثار الإسلامية والقبطية في القاهرة، أن هذا الجامع يقع خارج باب زويلة على رأس تقاطع شارع الدرب الأحمر بقصبة رضوان وتجاه زاوية فرج بن برقوق، وهذا الجامع آخر أثر للفاطميين في مصر، وقد بنى مرتفعًا عن سطح الأرض بأربعة أمتار وفي أسفله من جهة الواجهة توجد حوانيت، ويطلق على هذا الطراز من المساجد اسم المساجد المعلقة.
الصالح طلائع، هو أبو الغارات الملقب بالملك الصالح طلائع بن رزيك، ترقى في الوظائف ثم ولي الوزارة في خلافة الفائز بنصر الله الفاطمي في سنة (549 هجريًا) ولقب بالملك الصالح فارس المسلمين نصير الدين، قتل في سنة (556 هجريًا) بدهليز القصر الفاطمي ودفن بتربته التي أنشأها بجوار القرافة الكبرى، وتم إنشاء مسجده في سنة (555 هجريًا).

التصميم المعماري
يتكون من مستطيل يتوسطه صحن أوسط مكشوف تحيط به أربعة أروقة أكبرهم رواق القبلة؛ الموجود به منبر خشبي عليه زخارف مكونة من حشوات هندسية بداخلها زخارف نباتية؛ تمثل حلقة الاتصال بين الزخارف الفاطمية إلى الأشكال النجمية إبان عصر الأيوبيين.
أما عن واجهة هذا الجامع فهي مكونة من خمسة عقود مثلثة الشكل تكون سقفية تتقدم المسجد، وهو أول مثال لها في المساجد المصرية، ولعل الفاطميين اقتبسوها من جامع أبي فتاتة بسوس في شمال أفريقيا، كما أن للمسجد ثلاثة مداخل محورية وهي أيضًا فكرة وجدت قبل ذلك في المسجد الأموي بدمشق أن  فكرة سورية الأصل.
جامع آق سنقر
قبل أن تتعرف على تاريخ الجامع، انظر إلى ورقة فئة 50 جنيهًا، لتجد أن الجامع المرسوم على الورقة هو هذا الجامع الذي نتحدث عنه، جامع آق سنقر أو جامع إبراهيم أغا مستحفظان أو الجامع الأزرق؛
يقع بشارع باب الوزير وأنشأه الأمير آق سنقر الناصري أحد مماليك الناصر محمد بن قلاوون، وشرع في بنائه عام (1347 م -747 هجريًا)، وأنشأ بجواره سبيلًا ومكتبًا ومكانًا ليدفن فيه ونقل إليه أبنه.
الوصف المعماري
يتكون المسجد من صحن مكشوف تحيط به الأروقة من جميع الجهات؛ أكبرها الرواق الجنوبي الشرقي الذي يحتوي على ثلاث بوائك مكونة من دعائم حجرية مثمنة الشكل باللون الأبيض والأحمر (الحجر المشهور).
تعتبر الواجهة الغربية أهم واجهات الجامع، إذ يقع بها المدخل الرئيسي المحمول عقده على كوابيل، أهم ما يميزه وجود حجرة بداخله أنشأها إبراهيم أغا مستحفظان وقعد غطيت جدرانه بوزرة من الرخام وبها محراب من الرخام أيضًا، ويتوسطها قبر المنشئ الذي أنشأه في حياته عام (1064 هجريًا و 1652 م)، ولذلك عرف الجامع باسم إبراهيم أغا مستحفظان، ويعرف عنه أيضًا بالجامع الأزرق نسبة إلى مجموعة القاشاني العظيمة ذات اللون الأزرق الموجودة فيها، وكتب عليها اسمه وتاريخ عمارة الجامع.
جامع الطنبغا المارداني
هو الطنبغا بن على الله المارداني الساقي الأمير علاء الدين، أحد مماليك الملك الناصر محمد بن قلاوون.

توضح الدكتورة سعاد ماهر محمد، في كتابها، مساجد مصر وأولياؤها الصالحين، أن الجامع يتكون من شكل مربع تقريبًا؛ يبلغ عرضه (20)م وطوله (22,5) م، يتوسطه صحن مكشوف تحيط به الأروقة من جميع الجهات وبوسط الصحن توجد فسقية من الرخام مثمنة الشكل للوضوء، يعلوها قبة خشبية نقلت إليه من السلطان عام 1317هجريًا، وللجامع ثلاثة أبواب، باب غربي هو مدخل تذكاري قليل البروز ويتقدمه درجات تؤدي إلى مجاز يقسم الأروقة الغربية إلى نصفين ويسير حتى الصحن، أما البابان الشمالي والجنوبي فهما متقابلان ويؤدي كل منهما إلى مجاز حتى الصحن يفصل الأروقة الشمالية والجنوبية عن أروقة إيوان القبلة.
أما ذاكرة الشيخ عكاوي عن الجامع تقول لنا إن أهم ما يميز الجامع في أذهان أهل الدرب الأحمر أنه ضُرب بالرصاص أيام أحد الحروب، ومنذ ذلك الوقت محفور ضربات الرصاص فى ظهر الجامع.
الدرب الأحمر
يشار إلى أن الدرب الأحمر كانت منطقة فضاء خارج أسوار القاهرة الفاطمية تقع بين باب زويلة وجامع أحمد بن طولون، وكانت عبارة عن مقابر الأهل، فلما قضي السلطان صلاح الدين الأيوبي على الدولة الفاطمية يقال إنه كان يسلك هذا الطريق في ذهابه للقلعة التي بناها فوق نشر هضبة المقطم ومنذ ذلك الوقت دب العمران وأنشئت الكثير من المباني، كما قسمت إلى عدة أخطاط عرفت بسوق البسيطين، فخط الدرب الأحمر، فخط جامع المارداني، فخط سوق الغنم والتبانة وباب الوزير حتى القلعة.

ويرجع اسم الدرب الأحمر إلى تخلص محمد علي باشا من المماليك عام 1811، حيث أغرقت دماء القتلى المكان، واندفعت إلى الطريق المجاور للباب في ممرات الدرب الأحمر، على الرغم من أوامر محمد علي لجنوده بغسل الطريق، إلا أن لون أرضه ظل أحمر من كثرة الدماء التي التصقت بالأرض، وهو ما جعلهم يطلقون عليه اسم «الدرب الأحمر»، الذي لا يزال أحد أشهر المناطق الشعبية المصرية.

بينما تقول الأسطورة الشعبية أن مذبحة القلعة التي حدثت عند سور القلعة الذي يطل على ميدان القلعة، حدثت هناك وأنه من فرط الضحايا والعنف جرى الدم في الشوارع وملئها وسمى المكان من بعدها بالدرب الأحمر.

الوسوم