وقائع ما جرى في رحلة كلية الآداب إلى الصعيد

وقائع ما جرى في رحلة كلية الآداب إلى الصعيد طه حسين مع أعضاء هيئة تدريس كلية الآداب وطلبتها
كتب -

في شتاء عام 1939 نظمت كلية الآداب بجامعة القاهرة رحلة ترفيهية لأعضاء هيئة التدريس بالجامعة، وبعض الطلاب. لم تكتف الرحلة بالترفيه وحده، بل قام الأساتذة بتقديم دراسة جغرافية تاريخية إلى ساحل البحر الأحمر وبعض مناطق الصعيد الأثرية.

وقد صدرت وقائع الرحلة في كتاب حمل عنوان “رحلة كلية الآداب إلى ساحل البحر الأحمر وبعض مناطق الآثار بالصعيد”، صدر عن مطبعة الاعتماد بشارع حسن الأكبر بمصر.

في الميدان

اختارت الكلية الدكتور محمد شفيق غربال مشرفا على الرحلة، وقد صدر الكتاب بإهداء إلى عميد الأدب العربي طه حسين عميد الكلية وقتها: «إلى الدكتور طه حسين بك.. صديق الكلية الأمين، الذي تولاها برعايته وخصها بعنايته، وأخلص لها الجهاد حتى بلغ بها مكانتها، أهدي هذا الكتيب، اعترافا بما أسلف من جهود طيبة، وتقديرًا لما قدم من خدمات موفقة، كان من بينها تلك الرحلات الخمس الطوال التي نظمها إلى  شرق الأردن، وفلسطين، والحجاز، السودان، واحة سيوة، والبحر الأحمر وبعض مناطق الآثار بالوجه القبلي».

وبدأت الرحلة صباح يوم الجمعة 27 يناير، وبعد تجهيز أمتعة السفر توجهوا من منازلهم إلى ميدان الأوبرا وهو أحد الميادين الرئيسية في وسط القاهرة، حيث نقطة التجمع يتقدمهم قائد الرحلة د. شفيق غربال و15 سيارة لنقل الأعضاء وعربتان كبيرتان للطعام والشراب وحمل الأمتعة والخيام وما يحتاجونه على مدار 10 أيام الرحلة.

كما جاء طه حسين إلى الميدان ليودع أعضاء الرحلة الذين وقفوا صامتين تقديرا واحترامًا. وقد ترك د. شفيق غربال مهمة وصف الرحلة والكتابة عنها للدكتور توفيق الطويل مدرس مساعد بقسم الفلسفة: «انطلقت الرحلة في طريق السويس مع 16 سيارة صغيرة وعربتين كبيرتين، تحملان الأمتعة وأربعة من الخدم والطهاة، رغم الاقتراح اللطيف الذى تقدم به د. طه بأن تقوم الطالبات بإعداد الطعام، ولا داعى للطهاة، وأن يؤدي الطلبة عمل المرمطونات (الندل). وقد سأله أحد الطلبة ومن يتولى أكل الطعام”..فضحك العميد وأجاب الأساتذة».

محمد شفيق غبريال
محمد شفيق غبريال
فرقة التفاريح

في الساعة الثانية عشرة والنصف ظهرا وصل فوج الرحلة إلى السويس، واتجهت السيارات بعد ذلك إلى الطريق الصحراوي، ثم إلى الجنوب محاذاة إلى شاطئ البحر الأحمر، وفي الوقت نفسه كانت فرقة التفاريح المسؤولة عن الأناشيد والأغاني والفكاهة بدأت إعداد الأغاني التي سوف يؤدونها طوال الرحلة لكسر الملل، حتى وصلوا إلى العين السخنة بالضبط إلى جبال الجلالة الشمالية  انطلقوا يتجولون على شاطئ البحر حتى نسيوا أمر العشاء: “وظنوا ان العشاء سيكون عندما يأتي المساء ولكن المساء قد أتي وطال المقام بيننا حتى ضاق بنا وضقنا به، لا عشاء هناك، وفرقة التفاريح تطلق حناجرها من الحين إلى الحين بهذه الأغنية  التي لا يعرف لها وزن وأن كان فيها بعض التعبير عن ما يحسون: إحنا جعانين عايزين ناكل يا طباخين، فين العشاء؟ الأكل طاب واستوى وليه ما جاش العشاء”.

ونسينا العشاء

انتشر خبر العشاء بين خيام المعسكر اهتزت الأجساد بالرضا والاطمئنان، ولكن سرعان ما اختفى كل شيء حينما علموا أنها إشاعة، وكان الأستاذ زكي على معاون العشاء يدور على أعضاء الرحلة يأمرهم بالصبر، ويعزيهم بالاطمئنان، ويؤكد لهم أن العشاء آت لا ريب فيه”، وظل أعضاء الرحلة يتسامرون ويتحاورون حتى جاء تم الانتهاء من تجهيز  العشاء، بعدما يأس البعض من تقديمه، ولكن بعد معاناة قدم نبأ الأكل بتوزيعه على الخيام، ولكن جمال الطبيعة والوقت الجميل جعلهم لا يشعرون بالجوع، ظل الطالب محمدين السعران طالب كلية الآداب بالإسكندرية بالمرور على الخيام مستفسرا عما يحتاجه الأعضاء من خبز أو شواء.

انتهي العشاء وانطلق أعضاء الرحلة إلى البحر حاملين الأطباق التي تناولوا فيها العشاء ليزيلوا ما علق بها من طعام، ولكن المياه مالحة، فكانت عملية الغسيل “أشق ما مر بنا من متاع، أشعلت فرقة التفاريح النيران وسارع الجميع بالجلوس ووزعت الحلوة في بداية المجلس وبدأت الفرقة تغني وتنش”.

“في الثامنة من صباح يوم السبت 28 يناير، هم أعضاء الرحلة بمواصلة المسير واستمرت الرحلة في طريقها حتى بلغ فنار أبي الدرج، وفي منتصف الثانية عشر ظهرا واستقر المقام عنده نحو ساعة زرناه فيها وتناولنا طعام الغداء كان سردينا وزيتون وجبنا وتونة، ثم انطلقت بنا السيارات إلى فنار الزعفران ولكن الطريق كانت رملية”.

قضي أعضاء الرحلة الليلة معسكرين في الصحراء بجوار فنار الزعفرانة، وفي الصباح قامت الأستاذة أمينة لطفي بتقديم الحلوى والبسكويت، ودعاهم قائد الرحلة الأستاذ شفيق ليشربوا الشاي الذي استعاره من موظف الفنار، وصلت السيارات المتأخرة في الطريق بسبب الرمال وفي الساعة 11 صباحاً زاروا دير القديس أنطونيوس، استقبلهم رهبان المكان بكل حفاوة وسخاء “لقد كان أعجب ما رأيناه في ذلك الدير تلك العين التي تنبع في أحد جوانبه فتخرج من الأرض الحجرية ماء نقيا يمكنهم من العيش في رحاب هذه الصحراء الرهيب، ثم عدنا إلى الزعفران قبال الغروب”.

تيه الأعضاء

وفي صباح يوم الإثنين 30 يناير الذى وافق اليوم الأول من عيد الأضحى، انطلقت السيارات إلى الغردقة، ثم إلى مدينة غارب، وهى – حسبما وصفها الكتاب – مدينة صغيرة حديثة العهد أدي إنشائها إلى كشف ينابيع جديدة للزيت وللأسف الشركات الأجنبية وحدها هي التي تنقب عن الزيت والسماد وما إليهما في هذه المناطق المصرية.

“في منتصف العاشرة من مساء يوم العيد كنا في قلب الصحراء نعاني البرد وضللنا طريقنا ولا نكاد نشعر بأن للتيه رهبة ونعلم أننا لم نذق طعاما منذ الظهر، ولكن الفرح والمرح جعلنا لا نشعر بشيء، وكان في عربه الدكتور إبراهيم نصحي مذياع راديو التففنا حوله نسمع أم كلثوم وهي ترسل إلينا أنغامها الحلوة على جناح الأثير”.

لم يستمر تيه أعضاء الرحلة طويلا، فقد استطاعوا الوصول إلى محطة الأحياء البحرية لكلية العلوم بالغردقة، التي تقع على مرتفع جميل وممتع قضوا فيها النهار، ثم بعد ذلك نزلوا إلى المدينة يستطلعون فيها الأهالي عن الينابيع المكتشفة وكيف أن الأهالي يرتحلون للعمل هناك ويتركون أبناءهم ولكنهم يعتمدون على الدخل منها والمعيشة.

وفي يوم الخميس اتجهوا أعضاء الرحلة إلى الصحراء الشرقية يشاهدون المرتفعات من حولهم في تعجب وانبهار، ثم تحركوا إلى محافظة قنا وزاروا معبد دندرة، واستقبلهم الأهالي بحفاوة وكرم، وقضوا الليلة في مدرسة فؤاد الثانوية، التي تعبر الآن مقرا لكلية الهندسة. يواصل د. الطويل حديثه عن تفاصيل الرحلة: قمنا من قنا صباح الجمعة فبلغنا البلينا في الواحدة مساء، وزورنا معبد سيتي الأول في أبيدوس، ثم إلى جرجا وقضينا ليلة السبت في مدرسه رزق الله مشرقي، وقد لقينا من حفاوة أهلها ما يجعلنا أن نمدحهم والثناء على كرمهم، في صباح السبت مضينا إلى أسيوط ومنها إلى ملوي وصلنا إلى تونا الجبل فبلغ غناها في منتصف الليل وزورنا حفائر كلية الآداب، ومنها إلى سمالوط، حيث أعد زكي الشريعي ابن سمالوط مأدبة حافلة بكل ألوان الطعام.

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب
أعضاء الرحلة

استمرت الرحلة عشرة أيام وشارك فيها 62 فردا من أعضاء هيئة التدريس وأسرهم بجميع الأقسام التابعة للكلية من القاهرة والإسكندرية، الأستاذ شفيق غربال، أستاذ التاريخ الحديث، حرم الأستاذ شفيق غربال، مراد شفيق غربال، الأستاذ عبدالحميد العبادي، أستاذ التاريخ الإسلامي، الدكتور أبوالعلا عفيفي، مدرس الفلسفة، الدكتور إبراهيم نصحي، مدرس التاريخ القديم، الأستاذ زكي على، مدرس التاريخ القديم، المستر ويليامز، مدرس اللغة الإنجليزية، حرم المستر ويليامز، المستر شبرت مدرس اللغة الإنجليزية، الأستاذ إبراهيم أمين، مدرس مساعد بقسم اللغة العربية، الدكتور حسن عثمان، مدرس مساعد بقسم التاريخ، الأستاذ أحمد عزت عبدالكريم، مدرس مساعد بقسم التاريخ، الأستاذ توفيق الطويل، مدرس مساعد بقسم الفلسفة، الأستاذ إبراهيم أحمد رزقانة، مدرس مساعد بقسم الجغرافيا، المدموازيل جيتا، المثقفة بالكلية، المدموازيل جارديه، المستمعة بالكلية.

وخريجو الكلية طلاب درجة الدكتوراه أو الماجستير، أحمد أحمد الحتة، مدرس بالقبة الثانوية وطالب الدكتوراه في قسم التاريخ، توفيق إسكندر، مدرس الفاروق الأول الثانوية، وطالب الماجستير التاريخ محمد محمد توفيق، موظف بدار المحفوظات المصرية.

طلاب قسم الليسانس ومعهد الآثار، وقسم اللغة العربية، محمد حسن الزيات أفندي، محمد محمد النويهي أفندي، الآنسة رفيعة الخطيب، مصطفى عبدالوهاب أفندي.

فرع اللغة الإنجليزية، أمينة فهمي، أمينة لطفي، بهيه لطفي، حامد سعيد أفندي، حسن أحمد عبدالحفيظ أفندي، زكي الشريعي أفندي، عبدالحميد يونس أفندي، متولي نور أفندي، حسين لطفي المنفلوطي أفندي، الآنسة خيرية حسن فهمي، الآنسة سنية حسن السيد، عباس راجل أفندي، الآنسة عليه حسين، الآنسة وهيبة عبدالرحمن.

فرع اللغة الفرنسية، محمود عاشور، أيلى إسرائيل أفندي، عايدة نصر الله، ماري فهمي، مراد مليكه غالي، يحيى سعد هاني.

فرع الدراسات القديمة، جاك كوهين أفندي، أمينة طه حسين، قسم التاريخ، فهمي ويصا، أحمد عبدالرحمن الغوابي، الآنسة زينب محرز، وفيه أحمد عزي، أمثال على.

وقسم الجغرافيا، أنور أقلاديوس أفندي، محمد جمال الدين مختار غانم، يوسف حبيب، وقسم الفلسفة، سامية المغربي، حسن كينج، عليه محمود حسين، فلور مرزوق.

ومن معهد الآثار الإسلامية جمال محرز، فرع الكلية بالإسكندرية، وجلاديس مترين، محمدين الصعران أفندي.

في نهاية الرحلة شكر الدكتور توفيق الطويل أعضاء الرحلة وخاصة فرقة التفاريح لدورهم فى تخفيف عناء السفر..واختتم الطويل تقريره: “هذه رحلتنا، أرجو ألا يكون الحرص على الإيجاز في وصفها والعجز عن بلوغ الغاية في تصوير أحداثها قد أخرس الناطق وفي ألوانها وظلالها أو استايل الحياة التي كانت تتمشي في جسمها وخنق الروح الذي كان ينساب في كيانها”.

 

 

الوسوم