“والسبل أتكسر..على الله”.. تعرف على أغاني حصاد القمح القديمة

“والسبل أتكسر..على الله”.. تعرف على أغاني حصاد القمح القديمة حصاد القمح والفلاحين- تصوير: أحمد دريم
تصوير: أحمد دريم

“كلُّه على الله..على الله، القمح أهو طاب..على الله، طلب الحَصاد..على الله، حصادُه أتأخر..على الله، والسبل أتكسر..على الله، بخت العيال..على الله..الصيفَه حلال..على الله”.

بهذه الأغنية يستقبل الفلاحون بمصر موسم وعيد حصاد القمح، الذي يبدأ في منتصف إبريل كل عام، ولأهمية الحصاد في حياة المصريين وفرحة بموعده غنوا له منذ أيام الفراعنة حتى الآن.. “باب مصر” يفتح على حصاد القمح.

عشق الغناء

ذكر معجم الحضارة المصرية القديمة، أن المصري على مدار تاريخه كان يعشق الغناء، لاسيما في أوقات العمل، وكانت أيام الحصاد عند المصري القديم من أفضل الأيام.

وتشهد جدران مقبرة “تي” على فرح المصري بالحصاد، حيث تسجل رسومها شخصا خلف العمال ينفخ في مزمار ليطربهم أثناء قيامهم بحصاد القمح، ويتتبع سيرهم في الحقل بمرافقة شخص آخر يصفق له.

جانب من ربط القمح في "قتايات" - تصوير: أحمد دريم
جانب من ربط القمح في “قتايات” – تصوير: أحمد دريم

يقول درويش الأسيوطي، شاعر وكاتب مسرحي وباحث في التراث الشعبي، وله العديد من المؤلفات الخاصة بالمورث الشعبي الشفهي، ومنها دراسته الهامة “غناء الفلاحين في صعيد مصر”، إن العمل في الحقل يتطلب حركة رتيبة منظمة، وخروجا من إطار الرتابة، وتغلبا على قسوة العمـل المرهق يغني الفلاح المصري ما وجد إلى الغناء سبيلا.

وارتبط غناء الفلاحين بالأعمال الحرفية التي يمارسها الفلاح المصري طوال العام، بل يمكن القول أن غناء الفلاحين ارتبط أيضًا بالآلات والأدوات التي استخدمها في عمـليات الفلاحة.

كما ارتبطت أيضًا بالعمليات التي يمـارسها الفلاح من، البذر، والري، والحصاد، وغيرها، فيغني أثناء بذر أو رش القمح قائلا:

ما تْرُش قَمحَك ياللا يا رشَّاشي

رُش الدَّهايب سِيدِ قَمْحك ماشي

        سُوقِ البَهَايم عَادْ يا حرَّاتي           

سُوق البهايم وعدِّل المحراتي

لا بيع بقرتي وأشتري لي تُوري     

دا التُّورِ يِحْمَل القسا والجُـوري

ويضيف الأسيوطي، تبدو في المقاطع السابقة إرشادات العمل واضحة، من خلال حوار يدور بين الحراث والرشاش، وهو من يقوم برش وبدر حبوب القمح، من وراء المحراث، فهي تبدأ بالنداء من جانب الحرّاث على الرشّاش أن يسرع في عمله، ويرش تقاوي القمح “الدهايب”، ولا يخشى لوما، فصاحب الحقل قد ذهب.

بينما يرد الرشاش على الحراث قائلا: سُقْ بهائمك أيها الحراث، ولا تتدخل فيما ليس من عملك،  ويرد الحراث محدثه، أنه قرر أن يبيع هذه البقرة ويشتري بدلا منها ثورًا حتى يتحمل قسوة العمل.

عمال في عمليات جمع القمح - تصوير: أحمد دريم
عمال في عمليات جمع القمح – تصوير: أحمد دريم

للترفيه والتسلية

بجانب الأغاني الخاصة بالحصاد ومحصول القمح، كان الفلاحون أثناء الحصاد يتغنون ببعض الأغاني للترفيه عن أنفسهم والتسلية أيضًا، خاصة أن هناك من كان يسهر في أرضه ويبيت فيها، ومن هذه الأغنية التي كانت تغني بشكل جماعي ومنها:

        من قال إدِّينا..على الله

        حنن علينا… على الله

        من قال إبْعُوده..على الله

        بإيد ممدوده.. على الله

        بارك الله في الحصاد أبو جُرَّه

ويوضح الأسيوطي، أن كل مقطع من مقاطع غناء الحصاد يتكون من سطرين شعريين متحدي القافية وبنفس الوزن تتكرر مرتين في كل سطر، والمراد من نفس التفعيلة وكل مقطع أنه يحمل قيمة ضمنية منفصلة عادة، وتتوالى المقاطع بقدر الزمن الذي يحتاجه العمل.

    يا قمح طِيب .. يللا

       جِهْ  الحَصيد.. يللا

         القمح اتْسَاوَى.. ياللا

        طلب  الكرَّاوَه.. ياللا

       كرَّاوه نَقاوَه .. ياللا

   بربع غَلَّه.. ياللا

      السُّوقَه طويله.. ياللا

       قاعدين في الضِّلّه.. ياللا

آدي الحصاده.. ياللا

لمّوهـــا لم.. ياللا

وفي الحصيده.. ياللا

بيهموا هم.. ياللا

ما توطي إيدك.. ياللا

وتحصد زين.. ياللا

غلة سبلها.. ياللا

هتسد الدين.. ياللا

  قمنا من النجمه.. ياللا

نلم القمح.. ياللا

يا قمح يا اللي.. ياللا 

فاتوه اصْحابُه.. ياللا

القمح صايف.. ياللا

اجرح وداوي.. ياللا

لمه خِّلينا.. ياللا

  إنجيب التقاوي.. ياللا

لا يتوقف الغناء من الفلاحين حتى بعد الحصاد وصولا لآخر مرحلة، وهي الكيل الذي يقوم به أحد المتخصصين، باستخدام آنية للكيل مصنعة من الخشب أو الصاج أو النحاس تسمى” الكيلة”، وعند عملية الكيل يغنون:

        الله واحد..يا واحد وحد الواحد

           آدي التاني .. واحد مالوش تاني 

تلاته.. يا بركه تعالي

    أربعه.. يا بركة الوسعه

        خمسه .. فرض الصلا خمسه

  سته .. سته كدا سته

   سبعه.. سبعه كمان سبعه

 تمانيه.. على النبي صلي

قبل عملية دراس القمح - تصوير: أحمد دريم
قبل عملية دراس القمح – تصوير: أحمد دريم

أه يا لموني

في عام 1954 قامت دلوعة الشاشة “شادية” ببطولة فيلم حمل اسم “عيد الحصاد”، الذي كان مثال حي يؤرخ ويصور لنا فرحة الفلاحين واحتفالهم بعيد القمح في تلك الفترة.

وقد يكون هو الفيلم الوحيد الذي تناول بالتفصيل تلك الاحتفالية، حيث يغني الراوي على الربابة وسط الفلاحين وينشد التالي:

بمدح المصطفى الهادي نابينا

يعود الفرح للأرض الحزينة

   ومش معنى الفرح رقص وأغاني

ولا معنى الفرح شربات وزينة

   يقول الراوي دي الفرحة الكبيرة

في اعياد الحصاد دايما تجينا

ومن بعد الشقى ترتاح قلوبنا

وخير الأرض بالبهجة يوافينا

ثم تغني شادية ردا على غناء الراوي هي الأخرى وتقول من كلمات فتحي قورة وألحان محمود الشريف:

ولولا القمح ما كانت حياتنا

ولولا العزبة ما تعيش المدينة

ولولا الصبر ما نبلغ مرادنا

 وبالمجهود ما يشمت حد فينا

ولولا الفاس مع الفلاح ما ناكل

ولا تنفع سوزان من غير أمينة

يقول الراوي يوم عيد الحصاد

يا دنيا حزمينا ورقصينا

جانب من عملية دراس القمح - تصوير: أحمد دريم
جانب من عملية دراس القمح – تصوير: أحمد دريم

أغنية القمح الليلة

في عام 1946م، قامت شركة “بيضا قطان” للإنتاج السينمائي، بإنتاج فيلم “لست ملاكا”، بطولة موسيقار الأجيال محمد عبدالوهاب.

وغنى عبدالوهاب أغنية “القمح الليلة”، وانتشرت كالنار في الهشيم بين المصريين، وذلك لأنها بالطبع مست جزءا من ثقافتهم الشعبية، الأغنية من ألحان محمد عبدالوهاب، والكلمات للشاعر حسين السيد، ويقول فيها:

القمح الليلة ليلة عيده يا رب تبارك و تزيده

لولى و مشبك على عوده و الدنيا وجودها من جوده

عمره ما يخلف مواعيده يا رب تبارك و تزيده

حصاد القمح - تصوير: أحمد دريم
حصاد القمح – تصوير: أحمد دريم
جمع القمح المستخرج من "الدراسة" في أجولة- تصوير: أحمد دريم
جمع القمح المستخرج من “الدراسة” في أجولة- تصوير: أحمد دريم
الوسوم