هل كان قيس هو “المجنون”؟

هل كان قيس هو “المجنون”؟ قيس وليلى- مشاع إبداعي

تحكى الأسطورة العربية عن قيس الذي ذاب عشقًا في حب ليلى، وتصور معاناته على أنها “جنون”، لكن القصة في متنها تؤكد على أنه أحب وأراد الزواج بمن يهواها قلبه، ووقف الجميع ضد فكرة الزواج عن حب، وحالوا ما بين قلبه ودعوه للتوبة عند الكعبة لكي يخرج الله من قلبه حبها، وبينما كانت ليلى رفيقة طفولته – وعرفت بجمالها وأخلاقها ولم تكن متزوجة- تهواه بالمثل بطبيعة الحال.. السؤال هنا من هو “المجنون” في هذه القصة التعيسة حقا؟

قيس بن الملوح أو مجنون بني عامر، هو واحد من شهداء الحب الذري الذين سجلوا في التاريخ أروع قصص الحب، في مطالع الدولة الأموية في حين وفاته ما بين 65 أو 68 هجريًا.

شهد حي بنى عامر في وادي الحجاز العربية بين مكة المكرمة والمدينة المنورة صراعه العنيف مع تلك العاطفة المشبوبة، التي ملأت عليه قلبه وحسه، فلقد تفتح عليها وهو صبي، ثم أخذت تشب معه وتتضح في أحساسيه يوما بعد يوم، حتى قضى حياته في غرام وهيام وحرمان ولوعة ثم مات وحيدًا في وادي منعزل.

روايات قصة قيس وليلى

ثمة روايات وأخبار مختلفة تشير إلى الظروف التى نبتت فيها علاقة قيس وليي، فالبعض يقول أنهما تعارفا صبيين حينما كان يذهبان لرعي الماشية عند جبل يقال له “جبل الثوبان”، ثم ظلا كذلك حتى نمت عواطفهما وترعرعت، والبعض يقول أن قيسًا مر يوما بفتيات فسلم عليهن فبادلتهن السلام ودعوهن للحديث فنزل عن مطيته “دابته” وتحدث إليهن وعقر لهن ناقته وأطعمهن، وفي المساء أقبل فتى فانشغلن عن قيس فأغضبه ذلك، فلما أصبح تعرض لهن فلم يجدهن ولكنه وجد ليلي فدعته إلى الحديث فاستجاب وصنع لها مثل ما صنع مع رفقاتها بالأمس، فأظهرت ليلي إعراضها فأصابه هم شديد، فما كان من ليلى إلا أن اعترفت بحبها في شعر لم يكد أن يسمعه حتى خر معشيا عليه.

بعض الروايات تذهب إلى تصوير قيس بن الملوح بصورة شهوانية، حيث تذكر أنه شديد الولع بالنساء، وأن ليلى العامرية كانت من أجمل نساء حيها وأن رفيقاتها كن يقصدنها ويجلسن إليها ويسمرون معها فترامى خبر ذلك إلى قيس، فسعى إليها وضم نفسه إلى مجلسها، فكان من أمره معها ما كان.

ولكن مهما اختلفت الروايات في تصور ظروف هذا الحب إلا أنها تتفق في شي واحد وهو إثبات حب قيس لليلى، وأن قيسا شخصية حقيقية موجودة بالفعل.

البداية

مجنون ليلى شخصية عاشت حياتها في عناء ومكابدة صادقة عميقة، وأنفق عمرها في شتات وغربة تستعذب الآلام في سبيل عاطفة سامية تتسامى عن مألوف العلاقات البشرية، وتتميز بالطهر والتحرر من أغلال الشهوة، فطبعت العلاقة بطابع مثالي تتجلى فيه قدرة النفس البشرية عن عبودية الجسد.

فلم أر مثلينا خليلي صبابة أشد على رغم الأعادي تصافيا
خليلان لا نرجو اللقاء ولا نرى خليلين إلا يرجوان تلاقيا
وأنى لاستحيك أن تعرض المني بوصلك وأن تعرضي في المنى ليا

عرف أبي محمد عبدالله بن مسلم بن قتيبة في كتابه “الشعر والشعراء”، مجنون ليلي، يقال إن قيس بن الملوح من بني جعدة بن كعب بن ربيعة بن عامر، ويقال بل هو من بني عقيل، ولقبه بالمجنون لذهاب عقله بسبب شدة عشقه.

وكان الأصمعي يقول: “لم يكن مجنونا ولكن كان فيه لوثة كلوثة أبي حية، وهو من أشعر الناس على أنهم قد نحلوه شعرًا رقيقًا يشبه شعره، ويواصل ابن قتيبه حديثه فيقول: إن مجنون ليلى “صاحبته” كان يرعيان البهم، وهما صبيان فتعلق بها علاقة الصبيا، ثم نشأ وكان يجلس معها ويتحدث وكان ظريفًا جميلًا راوية للشعر حلو الحديث.

ثم تمادى الأمر به حتى ذهب عقله، وهام مع الوحش، فكان لا يلبس ثوبًا إلا خرقة ولا يعقل شيًا إلا تذكر له ليلى، فإذا تذكر تأب وتحدث عنها لا يسقط حرفُا.

الحرمان

فسعى عليهم نوفل بن مساحق، فنزل مجمعًا من تلك رآه عريانًا يلعب بالتراب فكساه ثوبا، فقال له قائل: “وهل تدري من هذا أصلحك الله؟”، قال “لا “، فقال: “هذا المجنون قيس بن الملوح ما يلبث الثياب ولا يريدها وإذا أردت أن يكلمك كلاما صحيًا فاذكر له ليلي وسله عن حبه لها.”

من حديث قيس في ديوانه مجنون ليلي، أنه كان صغيرًا وليلى هي ابنه عمه كانت صغيرة أيضًا فكان يجتمعان فى بهم “أي أغنام” يتحدثان وهما صغيران ولما شاب جعل حبهما يزيد وينمو قائلًا: وكانت ليلى بصيرة بالشعر والأدب ووقائع العرب في الجاهلية والإسلام، وكان فتيان بني عامر يجلسون إلى ليلى ينشدون عندها الأشعار، وكان قيس فيمن يجلسون إليها فلم يكن في بني عامر أحب إليها ولا أكرم عليها منه حتى إذا بدت حاجة لفتى في بني عامر فتوسل بالمجنون إليها فلم لا يزالا كذلك برهة من الدهر حتى فشا أمرهما وارتاب بهما قومهما.

الفراق

لما اشتهر بحبها وابتلي، قام أبوه وأخوته وبنو عمه فاتوا أبا ليلى وسألوه بالرحم والقرابة والحق العظيم أن يزوجها منه وأخبروه أنه ابتلي بها، فأبى أبو ليلي ولج وجلف وقال: “والله لا حدثت العرب أني زوجت عاشقا مجنونًا”.

فأقبل الناس إلى أبي المجنون وقالوا له: “لو أخرجته إلى مكة فعوذته ببيت الله الحرام لعل الله ياعافيه”، فأخرجه أبوه إلى مكة وقال له: “يا قيس تعلق بأستار الكعبة”، ففعل، وقال قل: اللهم أرحنى من ليلي وحبها فقال (قيس): “اللهم من علي بليلى وقربها”، فضربه أبوه فأنشأ وقال:

يارب إنك ذوم من مغفرة بيت بعافية ليل المجبينا
الذاكرين الهوى من بعدما رقدوا الساقطين على الإيدي المكبينا
يارب لا تسلبني حبها أبدًا ويرحم الله عبدًا قال آمينا

بعد أن قضى أبوه نسكه، أقبل أهله وجمع أعمامه وأخواله وقالوا “لا خير لك في ليلي ولا لها فيك” فأنشأ يقول

لقد لامني في حب ليلى أقارب أبي وابن عمي وابن خالي وخاليا
يقولون ليلى أهل بيت عداوة بنفسي ليلى من عدو وماليا
قسمت الهوى نصفين بيني وبينها نفصف لها هذا لهذا وذا ليا

حمله أبوه إلى بابل ليعالجه وذلك قبل نزول ما نزل به من الحب الشديد وسورة العشق فحمله على ناقته، فلما أمعنا في السير ذكر لليلى، فقال أبوه يا بني هل لك أن تسلو بغيرها؟ فقال: والله ما أجد إلى السلو سبيلا إني لفي أعظم الكرب والبلاء.

جبل الثوبان

قال موسي بن جعفر: خرج المجنون لما أصابه ما أصابه حتى أتى الشام، فسأل عن أرض بني عامر فقيل وأين أنت من أرض بني عامر، عليك بنجح فرجع ووقف عند جبل ثوبان فقال:

وأجهشت للثوبان حين رأيته وهلل للرحمن حين رآني
وأذريت دمع العين لما رأيته ونادى بأعلى صوته ودعاني
فقلت له أين الذين عهدتهم حوليك فى خصب وطيب وزمان

قيل إن المجنون، لما أشهره حب بليلى خطبت له، فأبي أبوها أن يزوجها وهكذا كان العرب إذا شهر رجل بحب امرأة لم يزوجوها منه، فاشتده وجده وتراقت سورة عشقة، وقام أبا ليلي بالحج بها فرآها رجل من ثقيف فخطبها، فزوجه فبلغ ذلك المجنون فأنشأ وقال:

ألا أن ليلى العامرية أصبحت تقطع إلا من ثقيف حبالها
إذا التفتت والعيس صعر من البري بنحلة غشي عبرة العين حالها
فهم حبسوها محبس البلدان وابتغى بها المال أقوام فلا قل مالها

المرض

يقول الوالبي: ذكر أن أباه الملوح وإخواته ساروا إلى الصحراء ليأخذوه ويردوه إلى الحي وأهل بيته، بعدما نحل جسمه واسود وجهه وجف جلده على عظامه، فلما وردوا عليه وجدوه جالسًا على تل من رمل وهو يخط بأصبعه، فلما ندوه فر منهم فناداه أبوه: يا قيس أنا أبوك وهذا أخوك، فطب نفسا وأبشر فقد وعدوني أن يزوجكما ويردك من نفارك، فأقبل إليهم وأنس بهم، فقال له أبوه: يا قيس أما تتقي الله وتراقبه، كم تطيع هواك وتعصيني، فليت شعري ما رأها ممن يوصف بالجمال والحسن، وقد بلغني أنها قصيرة جاحظة العينين شهلة سمجة، فأنشأ قيس وقال:
يقول لي الواشون ليلى قصيرة فليت ذراعًا عرض ليلى طولها
وإن بعينها لعمرك شهلة فقلت كرام الطير شهر عيونها
وجاحظة فوها، لا بأس أنها منى كبدي بل كل نفسي وسولها

يقول أبوبكر إن قيس كان يأوي إلى قبر ليلى ويدور نهاره حتى جف جلده على عظمه واشتدت بليته، فمكث على ذلك دهرًا، ثم إن رجلًا أحب لقاءه، فذهب إلى والده، فوجده شيخًا كبيرًا وحوله أبناءه، فسأله عن المجنون، وقال له: كان والله أحسن هؤلاء: وإنه عشق امرأة من قومه لم تكن في المال مثله، فلم أراد تزوجها أباه، ولما زاد في حبها طلبناها فمنعها أبوها، ثم زوجها غيره، فجن ابني بها.

المعلومات من كتاب ديوان قيس بن الملوح مجنون ليلى، رواية أبي بكر الوالبي.

الوسوم