ولاد البلد

نجاة الصغيرة: عندما تحررت «سارقة النغم» من أم كلثوم

نجاة الصغيرة: عندما تحررت «سارقة النغم» من أم كلثوم نجاة

الأعوام العشرة الأولى في حياة المطربة نجاة الصغيرة- التي تحتفل اليوم بعيد ميلادها- كانت فرصة لتدريب صوتها عبر إعادة غناء أغنيات المشاهير، تارة أم كلثوم وأخرى أسمهان وغيرهن من المطربات، حتى وصل صوتها إلى الإذاعة وطالب أكثر من صحفي وملحن بضرورة الاهتمام بموهبتها وتطويرها دون الحاجة إلى تقليد ومساعدتها في طرح أغنياتها الخاصة.

وعلى الرغم من تزايد شهرتها وحب الجمهور إلا أن الهجوم طال نجاة الصغيرة وحدها بحجة «سرقة أغنيات الآخرين» على الرغم من أنها لم تنسبها لنفسها وكذلك اعتماد أشهر مطربات الوطن العربي حاليا (فايزة أحمد، سعاد محمد، ليلى مراد) في بدايتهم الفنية على التدريب بغناء أغنيات الآخرين.

مراحل فنية

مسيرة الفنانة نجاة الصغيرة مرت بثلاث مراحل، التدريب، الأغاني القصيرة، والقصائد، وأولهم قضت فيه نجاة سنوات طفولتها، ولجمال صوتها وشهرتها في سن مبكر ظن الجميع أنها تعيد غناء أغنيات المشاهير عن قصد لمنافستهم، وفقا لما قالته في لقاء تليفزيوني قديم.

أما النوع الثاني فكانت بدايته في عام 1955 حين قدمت أول أغنياتها الخاصة «ليه خلتني أحبك» وعمرها لم يتجاوز 16 عاما وهي – أغنية ليلى مراد – ثم أغنيات قصيرة لم تتجاوز مدتها 7 دقائق «أسهر وانشغل» و«أما غريبة». الاكتفاء بتقديم الأغنيات القصيرة لم يكن مرضيا لصوتها القوي رغم رقته، فبدأت في تقديم أغنيات عن قصائد طويلة مثل «أيظن» و«لا تكذبي».

أول أغنية

كلما ازدادت شهرة نجاة الصغيرة في الخمسينيات، ازداد عليها الهجوم بأنها سرقت أغنيات غيرها، مما دفعها بنفسها للرد عبر مقال نشر بمجلة «الكواكب» عام 1956، واصفة الفترة الأولى بأنها لم تكن إلا تدريب وتمرين لصوتها.

التحرر من الطابع التي اكتسبته نجاة بتقليد أغاني أم كلثوم كان هدفا لنجاة منذ بدايتها إذ طالما تمنت أن يكون لها شخصيتها الفنية الخاصة وطابعها المميز بين المطربات المصريات والعرب. تمنت نجاة تحقيق هذه الأحلام على الرغم من أنها كانت تعمل في لبنان على أساس تقليد أغاني أم كلثوم، وكانت تلقى نجاحا كبيرا، حتى أن أهل لبنان أحبوا صوتها وأدائها لأغاني أم كلثوم، اعتادت الانتهاء من ساعات عملها والتدريب والجلوس في شرفة حجرتها بفندق “طانيوس”. راودها سؤال: “ماذا لو تحررت بالفعل من تقليد الآخرين”، وأفاقت من التفكير العميق على اتصال هاتفي من الملحن كمال الطويل. كانت هذه المكالمة الأولى، هبطت نجاة بعدها مسرعة إلى بهو الفندق – خلال زيارته إلى لبنان – وتفاجأت بأن الحديث يدور حول الإنتاج الفني، لم يضع الكثير من الوقت وأخرج من جيبه ورقة كُتب بها كلاما لأغنية وأعطاها لنجاة قائلا: “ده آخر ما لحنته”. أسمعها مطلع الأغنية ونالت إعجابها، مبدية موافقتها على الفور بغنائها، ورحب كمال بها مادحا صوتها بأنه الأكثر ملائمة لغناء أغنية «ليه خلتني أحبك»، واتفقا على أن تكون نجاة قد حفظتها بعد عودتها إلى مصر.

أزمة أغنية

أسابيع قليلة مرت وعادت نجاة إلى مصر، وكرر كمال الطويل زيارته تذكيرا بالأغنية، التي كانت قد أجادت حفظ كلماتها عن ظهر قلب، وقال لها: “لا تنتبهي إلى الشائعات أو ما تكتبه الصحف”، ولكن لم تهتم نجاة بهذه الجملة، وكررا جلساتهما للتدريب على لحن الأغنية.

لم تجر الأمور كما اشتهت نجاة الصغيرة، فعندما تقدمت بأوراق الأغنية إلى لجنة الإذاعة لأخذ الموافقة على غنائها من لجنتي النصوص والاستماع، قال لها أحد المسؤولين: “الكلام ده أحسن من الأول كويس كده”، وروى لها القصة بأن ليلى مراد تقدمت بالأغنية نفسها ولكن كانت قد اعترضت اللجنة على بعض كلماتها. في هذه اللحظة كانت ليلى مراد قد غنتها بالفعل، أما نجاة الصغيرة فلم تستطع التراجع، وغنتا الأغنية الواحدة كلٌ منهما على حدة، وشعرت كأنها تعيد الكرّة مجددا وتغني «أغنية مسروقة» دون قصد، خاصة وأنها أثارت شهرة واسعة بصوت نجاة الصغيرة.

نهاية «سارقة النغم»

حاولت نجاة إيجاد تفسير لما حدث من صاحب الشأن، كمال الطويل، وروت له ما حدث، وقال لها إنه أخذ كلمات الأغنية من مأمون الشناوي وبعد تلحينها سمعها من ليلى مراد، وسمعها منها أيضا المخرج حسن الصيفي ونالت إعجابه مقررا إضافتها إلى أغاني فيلمه «الحبيب المجهول»  آخر أفلام ليلى مراد.

وبرر كمال موقفه بأن الشناوي لم يشأ أن يقول له كل هذا وهو يعطيه الأغنية، وبعدها قررت نجاة التنازل عن الاغنية ـ ليلى مراد ولكن قرأت عنها أنها متمسكة بأغنياتها مع كلمات تحدى فتراجعت نجاة عن قرارها.

وتصادف بعد إذاعتها أنها حققت نجاحا لم تتوقعه نجاة حينها، “الإذاعة أذاعتها في يوم واحد 12 واحد لتحقيق رغبة المستمعين!”، وعلى عكس ما توقعته لم تلق هجوما أو تشبيهها بتقليد نجاة أو غيرها من المطربات، نظرا لأنها غنتها منذ البداية على طريقتها الخاصة.

شادية ونجاة

لم يختلف هذا الموقف كثيرا عن موقف سابق تعرضت له مع أول أغنياتها – لم يكتب لها الخروج إلى النور – وهي أغنية «أوصفوا لي الحب»، وبعد تسجيلها بصوتها تفاجأت بأن شادية كانت قد غنتها بصوتها في فيلم وكان من المقرر تسجيلها.

لم تعلم نجاة في ذلك الوقت لماذا وقع عليها الاختيار لتسجيلها خاصة وانها أرادت الخروج من عباءة «مقلدة المطربات»، فبعد شهرتها سيطر ليها الخوف من تقليد أم كلثوم خشية الهجوم عليها مجددا.

ثوب جديد

«إن نجاة الصغيرة خير مثال للمطربة التي تشبعت بفن أم كلثوم» هذا ما ذكر في كتاب «تراث الغناء العربي: بين الموصلي وزرياب وأم كلثوم وعبد الوهاب» عن تدريب نجاة الصغيرة في طفولتها على أغنيات أم كلثوم، ووصفها بأنها أصغر أمهات ام كلثوم سنا حين بدأ تغني.

وربما كان سبب الهجوم عليها هو ترشيح نجاة لتقديم الحفلات بدلا من أم كلثوم خلال مرضها عام 1948 والذي منعها من الغناء، ثم سارت في الستينيات وفقا لنهج غنائي مستقل ووصفها النقاد بأنها حققت الاستفادة المثلى من فن أم كلثوم باستيعابه وتقديمه في لون جديد لم تقدمه كوكب الشرق!

 

الوسوم