“موكب الرؤية”.. ذكريات لا تنسى يرويها أهالي الفيوم

“موكب الرؤية”.. ذكريات لا تنسى يرويها أهالي الفيوم زينة رمضان في الشوارع - تصوير: أحمد دريم

مع بدء استطلاع هلال شهر رمضان المبارك، تبدأ الأسر في ممارسة الطقوس الخاصة بهذه المناسبة، إذ تعتبر ليلة الفرح والسرور والابتهاج للجميع صغارا وكبارا، كما أن ليالي الشهر ذاتها لها طابع مميز عن غيرها من الأيام، ومن المظاهر التي اختفت منذ عقدين ماضيين “موكب الرؤية”، الذي مازال أهالي الفيوم يتذكرونه حتى الآن.

موكب الرؤية تاريخيا

ليلة الرؤية تحمل الكثير من الذكريات الخاصة بمصر، التي أخبرتنا بها صفحات التاريخ، فكان يتم الاحتفال الرئيسي به في القاهرة ويتحرك الموكب من نقطة استطلاع الهلال وينتهى الموكب عند بيت المحتسب، وكان يسبق ذلك رش الأرض من قبل السقايين ويقوم التجار بإنارة الشموع والقناديل أمام دكاكينهم، ويشارك في الموكب والاحتفال المحتسب والقضاة الأربعة الشافعية، والمالكية، والحنفية، والحنبلية، والحرفيين.

وتم ذكر موكب الرؤية في كتاب “وصف مصر”، وكان الاحتفال به في العصر المملوكي يتم في المدرسة المنصورية التي كانت توجد في بين القصرين، أما موكب الرؤية في العصر العثماني كما وصفه الجبرتي، فقد تم إدخال الموسيقى عليه وكان يشارك فيه مشايخ الحرف والذين كانوا يستعرضون حرفهم، كما شاركت فيها الفرق العسكرية.

وفيما بعد تطور الموكب في العصر الحديث ووصفه يحيى حقي في كتابه “فيض الكريم” وموكب الرؤية كانت تتقدمه موسيقى السواري، ثم يتبعها مجموعة المشاة وموكب مشايخ المهن الشعبية من النجارين ومبيضو النحاس، وعربات الكارو والحلاقين.

ويقول حقي في كتابه، إنه توقف الموكب لفترة ولكنه عاد في عام 1955 على هيئة موكب رسمي وشعبي وشاركت فيه لأول مرة الطرق الصوفية، وأصبح إعلان الرؤية يتم من خلال مفتي الديار المصرية.

موكب الرؤية في الفيوم

يقول الدكتور نبيل حنظل، الخبير السياحي ورائد الصحافة في الفيوم، كان موكب الرؤية قديما في الفيوم هو بداية مراسم الاحتفالات الرسمية والشعبية بالشهر الكريم وقد اعتدنا عليه، وكان يبدأ بالموسيقى العسكرية وعرض للأعلام، ثم يعقب ذلك موكب للزهور، وتقوم المؤسسات الشعبية والرسمية بالمشاركة بعربات في الموكب يعبر عنها على ماكيتات لمشاريعها وتوزيعها خلال العرض على هيئة مطبوعات وإمساكيات، كما يشارك الحرفيون من نجارين وحدادين والمنجدين والنقاشين على عربات تمثل عنهم ومعهم أدواتهم في مشاهد تمثيلية، وفي نهاية الموكب يختتم بالطرق الصوفية بأعلامها وأزيائها مترجلين ومنهم من يركبون الخيول، وكان الموكب يتجمع في ميدان قارون ويطوف على جانبي بحر يوسف التي كان يحتشد فيها الآلاف في الشوارع والشرفات.

عم حسان المسحراتي والراديو

يتذكر الروائي محمد جمال الدين طفولته مع ليلة الرؤية، ويقول كنا نتجمع أنا ورفاقي بجوار عم حسان المسحراتي وخلف الراديو كي نستمع لما يقوله المفتي محمد خاطر عن رؤية هلال رمضان، وبعد ثبوت رؤية الهلال نصاحب عم حسن ونسير معه في شوارع القرية، ونحن نحمل الفوانيس حتى موعد السحور، كما كان من مظاهر هذا اليوم تعليق الزينة التي كان يشارك فيها الكبار أيضا مع الأطفال، وكان بعض الجزارين يقومون بالسير في شوارع القرية وهم يجرون العجول التي سيتم ذبحها في اليوم الأول من رمضان وكأنه إعلانهم الخاص عن ذبائحهم.

أجواء مبهجة وسعيدة

تقول داليا راشد، أمينة المرأة في حزب التجمع، كان الاحتفال بالرؤية يشعرنا بأجواء مبهجة وسعيدة، فقد كنا نتجمع على جانبي بحر يوسف لمشاهدة موكب الرؤية، الذي كانت تشارك فيه طوائف الحرفيين المختلفة من عمال البناء والحدادين والنجارين وغيرهم، وكنا نتخاطف الأمساكيات التي كانت توزع على الواقفين لمشاهدة الموكب، وهناك من الأهالي من كان يطبع إمساكيات بأسماء أولاده أو يعلن فيها عن محله أو نشاطه التجاري ويقوم بتوزيعها علي الناس في الشوارع، وكان الموكب يبدأ من كوبري منطقة البحاري مرورا بالسواقي وجامع عبدالله وهبي حتي منطقة المبيضة، وبعد انتهاء الموكب يعود الجميع إلى منازلهم لسماع تأكيد ثبوت رؤية هلال رمضان في التلفزيون.

تجمع كبير لأهالي الفيوم

أما حسين الشربتلي، موظف بالتربية والتعليم، فيقول كان والدي رحمة الله عليه يصطحبني أنا وإخوتي يوم الرؤية لمشاهدة الموكب في ميدان السواقي، فقد كان يوم ننتظره كل عام بشوق وفرح، يوم تجمع كبير لأهالي الفيوم واحتشاد لا نراه سوى في هذا اليوم فقد كانت الشوارع تمتلئ بالناس وفوق أسطح العمارات أيضًا، وكنا ننتظر مع أبي حتى يأتي الموكب الذي يبدأ بالعرض العسكري وخيالة الشرطة ثم عرض الحرف والمهن الشعبية وقد كان يحضره المحافظ وكبار المسؤولين.

ناكل أكلة دسمة

يذكر عيد كامل، مدرس، “تطورت علاقتي مع يوم الرؤية مع سنين عمري فكنا ونحن أطفال نفرح بمرور موكب الرؤية من المركز وحتي قريتي (العتامنة) الملاصقة لمدينة ومركز إطسا وكنا في النهار نذهب مع الرؤية حتي المركز، وفي المساء كنا نمشي في الشوارع ونحن نحمل الفوانيس مرددين وحي يا وحي، ثم نسهر في انتظار السحور وطلوع أول فجر في رمضان وانتظار الضيف الكريم أو الساحر الذي يغير كل شيء حولنا بعصاه السحرية، أما في مرحلة الثانوية والكلية كنا نجتمع كأصدقاء في ميدان السواقي بالفيوم نشاهد الرؤية ثم ناكل أكلة دسمة ونسهر حتي الصباح، وأذكر أنني في أول سنه زواج أصريت على أن اصطحب زوجتي لنشاهد الرؤية معا”.

 

الوسوم