موسم الحكاوي| من الأدب الفرعوني.. لماذا هرب سنوحي من مصر؟

موسم الحكاوي| من الأدب الفرعوني.. لماذا هرب سنوحي من مصر؟ أحد كبار موظفي الدولة الوسطى - الصورة من صفحة "موسوعة صور مصر"
كتب -

تعد قصة سنوحي “سنوهيت” واحدة من أهم قصص حقبة الدولة الوسطى، تحديدا الأسرة الثانية عشر(2000 ق.م) وتعتبر على حد وصف بعض دارسي الأدب المصري القديم أولى محاولات فن الرواية في العصور القديمة.

بحسب الدكتور سليم حسن في كتابه الأدب المصري القديم، فأن قصة سنوهيت تتحدث عن سنوحي الفارس والوزير الأول في عهد الملك أمنمحات وهربه من مصر بعد الموت المفاجئ للملك أمنمحات الأول، ذاع صيتها ولقيت رواجًا كبيرًا وظلت تنسخ وتقرأ في المدارس المصرية نحو 500 عام.
لقد ألهمت القصة خيال عدد من الروائيين فراحوا يعيدون كتابتها في قالب درامي، من هؤلاء الكتاب القاص المصري علي ماهر، الذي الف رواية بعنوان “سنوحي الهارب النبيل”، مشيرا في مقدمة الرواية إلى أنها قصة تاريخية إنسانية، تتحدث عن سنوحي الفارس والوزير الأول في عهد الملك أمنمحات المفاجئة للملك أمنحمات الأول (1991- 1962 ق.م)، وتسرد رحلاته التي تنقل فيها في صحاري فلسطين وبلاد الشام وكفاحه حتى صار زعيما لإحدى قبائل البدو، وأخيرا حنينه إلى وطنه مصر وعودته  بعد أن أصبح شيخا مسنا ليدفن في تراب وطنه.
كان قلبي يحترق
ويلمح الدكتور سليم حسن في ترجمته للقصة إلى أن سنوهيت كان في طريق عودته من إحدى حملات الملك امنمحات ضد شعوب البدو (التمحو) وكان على رأس الحملة ولي العهد الأمير سنوسرت، ليصل الخبر بموت الملك أمنمحات،  يسمع سنوحي فيصاب بالذعر والخوف، ويؤكد حسن أن سنوحي نفسه لم يشر صراحة إلى سبب خوفه وذعره بعد أن سمع نبأ وفاة مليكه، وإن كان ألمح أنه ربما قد شعر بمؤامرة في الأمر أو ربما خشي من اندلاع حرب أهلية بمصر خصوصا أن بنتا حور، شقيق سنوسرت كان طامعا في الحكم، وبينما سنوسرت يسرع الخطى للعودة إلى قصره لحماية عرشه الذي ورثه، يفر سنوهيت إلى الصحراء هائما على وجهه ويصف سنوهيت ذلك بقوله: “كان قلبي يحترق، وخارت ذراعاي، واستولت الرعدة على جميع أعضائي، فقفزت باحثا عن مكان أختبئ فيه”.

ثم أسلمتني أرض إلى أرض
تابع سنوهيت هربه محاولا الابتعاد عن مقر الحكم، ليصل إلى سواحل السويس وقد شارف على الهلاك من شدة العطش والجوع ليسقط مستسلما لقدره، ولكن يسمع صوت راعي الأغنام والذي يسرع في نجدته ويأخذه معه إلى قبيلته فيكرموا مثواه لما عرفوه، ولكن ما يلبث سنوحي أن يغادر نحو الشمال وطبقا لما أورده حسن في  كتابه  فقد أشار سنوحي إلى رحلاته نحو الشمال قائلا: ثم أسلمتني أرض إلى أرض، ليصل إلى رتنو (سوريا) وهناك يلتقي أميرها ويقص عليه الحكاية فيتعاطف معه ويقدر خوفه وحزنه النبيل على سيده ويقربه منه ويزوجه كبرى بناته ووهبه أجمل الضياع والمزارع وأخيرا نصبه حاكما على إحدى قبائل البدو.
سارت حياة سنوحي هادئة هانئة ليعبر عن ذلك بقوله: “وقد قضيت سنين عدة، وقد نما أولادي، وأصبحوا رجالا أشداء كل يحكم قبيلته”.
شددت قوسي
ويحدث أن تشق بعض قبائل فلسطين عصا الطاعة، فيقوم سنوحي بتأديبهم ومحاربتهم وهزيمتهم جميعا، وأثناء غزواته يتجرأ أحد حكام قبائل فلسطين على الإغارة على بيته ويسرق بعض الماشية، وحين يعود سنوحي يدعوه للمبارزة، وبحسب وصف سنوحي فقد كان ذلك الرجل فارسا شجاعا وقويا وكان الجميع يخشون منازلته، وهنا يعلن سنوحي عن استعداده لنزال ذلك الفلسطيني فيقول: “شددت قوسي، وفوقت سهامي “أي جربتها” وأرهفت خنجري، وصقلت أسلحتي، وعن الفجر كانت فلسطين قد جاءت”، وتدور مبارزة حامية الوطيس بين سنوحي المصري و”رامون” الفلسطيني، تظهر فيها البراعة القتالية لسنوحي والذي يتفادى سهام رامون وينجح في إصابته بسهم في عنقه قبل أن يقطع رأسه ببلطته وينهي أسطورة ذلك الشقي المتعجرف.
كن رحيما وأعدني ثانية
ويشير الدكتور حسن إلى أن سنوحي بعد انتصاره على رامون زاد نفوذه واتسعت سيطرته على جميع  قبائل البدو في الشام، وراح يعلمهم من فنون الحضارة المصرية، وتوسع في بناء المدارس كما سير قوافل تجارية بين مصر والشام، وأخيرا بنى مقصورة للإله آمون رع، ليشكره على نعمائه، وهناك راح سنوحي ليقدم القرابين الى آمون وهو ينشد شعرا  قال فيه:
كنت فارا هرب في وقته، وألان يكتب التقرير عني في مقر الملك
وكنت ثقيلا يتضاءل بسبب الجوع، والآن أقدم الخبز الى جاري
وكنت رجلا ترك بلاده بسبب العري، والآن أرتدي الملابس البيضاء والكتان
ويعتقد حسن أن سنوحي  بالرغم من أنه أصبح حاكما وذو نسب وصهر في بلاد البدو إلا أن حنينه إلى وطنه مصر لم ينقطع فيورد حسن على لسان سنوحي مشاعره الإنسانية: “وأنت أيها الإله، أيا كنت، الذي أمرت بهذا الهرب، كن رحيما واعدني ثانية إلى مقر الملك، وربما تسمح لي بأن أرى المكان الذي يسكن فيه قلبي، والأمر الذي هو أهم من ذلك أن تدفن جثتي في الأرض التي ولدت فيها”.
يصل صدى نداءات سنوحي إلى مصر، ويدور في أروقة القصر الملكي بطيبة ويسمع الملك سنوسرت قصته ويصدر قرارا بالعفو عنه والسماح بعودته إلى أرض مصر، ويرسل له رسالة بإقرار مع خادمه، فيرد سنوحي برسالة يعترف فيها بخطأه في الهرب دون سبب واضح إن خوفه من الملك كان غير مبرر ويؤكد على امتنانه للملك، الذي رحم كبر سنه ورغبته في أن يموت في بلده مصر.

لن يخاف ولن يرتاع
وفي الفصل الأخير من القصة يلفت سليم حسن، إلى أن سنوحي استقبل في القصر الملكي استقبال الأبطال، وأذن له  بالدخول إلى الملك والذي قال: “ارفعه ودعه يكلمني”، فيقر سنوحي بخطأه حين هرب وحين خاف من سنوسرت دون سبب واضح ، مصرحا أن خوفا تملكه وأفقده حسن التفكير وتقدير الأمور، معلنا استعداده لتحمل أي عقاب، وأمر بدخول بنات الملك، اللواتي رحن يستعطفن الملك في أن يعفو عنه قائلات: “ليت يداك على الواحدة الجميلة، لقد خلصت رعاياك من الأذى، اخرج قرنك، وانزع قوسك، وامنحنا هدية جميلة للعيد، هذا الشيخ ابن آلهة الشمال، البدوي المولود في مصر، وقد هرب خوفا منك، وترك الأرض رعبا منك، ولكن الوجه الذي قد رأى جلالتك لن يصفر بعد، وأما العين التي شاهدتك فلن تخاف “. وهنا قال الملك: “لن يخاف، ولن يرتاع، لأنه سيصير أمينا في القصر بين الحكام وسيوضع بين رجال الحاشية”.
النهاية
وطبقا لما أورده سليم حسن فقد عبر سنوحي عن حياته الرغدة في مصر وكيف عومل كأحد الحكام وحفرت له مقبرة فارهة ليدفن فيها، ونترك سنوحي يخبرنا عن نهاية قصته، فيقول: “وقد أقيم لي قبر من الحجر في (وسط المقابر): بجوار الملك، وأخذ النقاشون ينقشونه، وصنعت لي حديقة للقبر وقد رصع تمثالي بالذهب، وأن جلالته هو الذي أمر بصنعه، وليس هناك رجل فقير قد عمل له مثل ذلك، وقد تمتعت بعطف من الفيض الملكي إلى أن أتى يوم الممات”.
هوامش

1- الأدب المصري القديم – د.سليم حسن – مهرجان القراءة للجميع 2000 – من ص 31 إلى 46.
2- سنوحي الهارب النبيل (رواية بي دي إف) – علي ماهر عيد – سلسلة تاريخ مصر 2006 – ص 4 إلى 9.

الوسوم