من الأدب الفرعوني| ما هو مرض “الحب” الذي تغنى به الشاعر المصري القديم؟

من الأدب الفرعوني| ما هو مرض “الحب” الذي تغنى به الشاعر المصري القديم؟ على اليمين بردية شيستر بيتي وعلى اليسار المغني المصري المصدر ويكيبيديا برخصة المشاع الابداعي
كتب -

يلفت الدكتور سليم حسن، في كتابه الأدب المصري القديم، إلى أن الشعر الغزلي عرف في مصر القديمة، منذ عصر الدولة الحديثة (1550-1077 ق.م) وإن كانت إرهاصات الشعر قد بدأت قبل ذلك التاريخ بزمن بعيد، ولكن كان على علماء الآثار أن يدرسوا أكثر من فترة زمنية ليتأكدوا أن التحنيط لم يكن أعظم إنجاز للحضارة المصرية، وأن المصريين القدماء كانوا أول حضارة تكتب أشعار وأغاني الحب والغرام.

ويوضح “حسن” أن علماء الآثار توصلوا إلى مجموعات تحتوي على أشعار وأغان غزلية تعود لعصر الدولة الحديثة، بالإضافة إلى بردية شيستر بيتي والتي حوت سبع قصائد غزلية في شكل أشبه بالديوان الشعري.

أغاني الريف
أن حب أختي على ذلك الشاطئ
وبيني وبينها مجرى ماء
ويربض على شاطئ الرمل تمساح
ولكني حين أنزل في الماء
أسير على الفيضان
وقلبي جسور على المياه
والتي أصبحت كاليابسة تحت قدمي
وان حبها هو الذي يبعث في تلك الشجاعة

يشير “حسن” إلى أن البذور الأولى للشعر الغزلي بدأت على شكل أغاني يتغنى بها الفلاحون في عشق الحبيب، لافتا إلى أنه عثر على مجموعات من تلك الأغاني تعود لعصر الأسرة الثامنة عشر (1550-1307 ق.م) وهي محفوظة حاليا بالمتحف البريطاني، ويلمح “حسن” إلى أنه  يمكن اعتبار الأبيات السابقة أغنية منفردة قائمة بذاتها يتحدث فيها الشاعر عن لقاء الحبيبة، محاولا طرح فكرة رئيسية للأغنية وهي أن الحب يمنحه القوة في مواجهة  الأخطار في لقاء حبيبته، لافتا إلى الصورة الشعرية المتمثلة في وجود تمساح يفرق بين الحبيبين ويمنع لقائهم، لكن ينتصر الحب وتنبعث الشجاعة في المحب فيعبر إلى حبيبته.

ويشير “حسن” إلى مقطوعة غزلية عثر عليها مكتوبة على ظهر بردية، تعد من أروع نماذج الغزل في تلك الفترة وتتميز برقي التعبير وبلاغة المعنى، تقول المقطوعة:
عندما تأتي الريح فإنها تتوق إلى شجر الجميز
وعندما تأتين… (فأنك تتوقين أليّ )

الحبيبة تتحدث

ويلفت حسن إلى أغنية ريفية تعود لعصر الأسرة الثامنة عشر عنوانها (الأغاني الجميلة العذبة التي تذيعها أختك الآتية من المرعى)، لافتا إلى أن هذا النوع من الأغاني اتبع أسلوب الحوار الذاتي من خلال حديث الحبيبة إلى نفسها، في سياق درامي بديع؛ حيث تخرج الحبيبة من بيتها لصيد الطيور ولكنها تتذكر الحبيب وتتمنى رؤيته ثم تنتقل إلى الحديث عن مشاعرها نحوه وعذابها في غيابه، فتقول منشدة:
أخي المحبوب أن قلبي يتوق إلى حبك/
واني أقول لك أنظر ما أنا فاعله/
أني آتية وسأصطاد بأحبولتي في يدي وقفصي /
ما أحلى ذلك لو كنت  هنا معي حين أنصب أحبولتي /
وانه  لحسن جدا أن يذهب الإنسان إلى المرعي  حيث المحبوب /
إن الأوزة  تطير وتحط وكثير من الطيور تحوم حولي/
ومع ذلك فلا أعيرها التفاتة /
لأنه لدي حبيبي وحدي والذي هو ملكي وحدي /
أني أرى الفطير الحلو ومذاقه عندي ملح أجاج/
وشراب (الشدّة ) الحلو الطعم أصبح مرا في فمي/
أن نفس أنفك فقط هو الذي يجعل قلبي يحيا /
يا أجمل الناس أن أمنيتي أن أحبك كقعيدة بيتك /
وان تطوى ذراعي على ذراعك /
وان لم يكن أخي الأكبر معي الليلة فأن مثلي كمثل من طواه القبر /
ألست أنت العافية والحياة ؟/
أني أصوب نظري إلى الباب الخارجي وأنظر /
أن أخي آت ألي وعيناي تتجهان نحو الطريق وأذناي تسمعان /
أني أجعل حب أخي همي الوحيد ومن أجل ذلك لا يهدأ قلبي /
إن قلبي يستعيد ذكرى حبك/
واني آتية مسرعة أليك باحثة عنك /

موعد غرامي

وبحسب حسن تضم بردية شيستر بيتي 7 مقطوعات شعرية، صنفت في كتاب عنون باسم (السبع قصائد) إمعانا في التورية وإخفاء حقيقة أن الكتاب في شعر الحب والغزل، ويلفت “حسن” إلى أن الكتاب أشبه بديوان شعري، يصور أحوال العشاق المختلفة في اللقاء والجفاء من خلال مقطوعات تروى مرة على لسان المحب ومرة أخرى على لسان الحبيبة.

ويلفت حسن إلى أن الشاعر استخدم ولأول مرة تعبير (مرض الحب) معبرا عن ما يسببه الحب للمحبين من عذاب ولوعة، موضحا أن أسلوب القصائد يقترب من الأسلوب الشعبي المستخدم حاليا في أغاني الأفراح.

أحاديث الهوى

وبحسب حسن تفتح القصيدة بحوار شعري يدور بين العاشقين، ليبث كل منهما للآخر مكنون صدره من حب وهيام.

يقول المحب متغزلا في حبيته “تأمل أنها كالزهرة عندما تطلع، في باكورة سنة سعيدة ، ضياؤها فائق وجلدها وضاء ، جميلة العينيين حين تصوبهما ،حلوة الشفتين حين تنطق يهما”

وترد الحبيبة “أن أخي يوجع قلبي بصوته ،وقد جعل المرض يتملك مني، وهو جار بيت والدتي ،إن قلبي يتوجع حين أذكره ،وحبه قد أسرني،تأمل أنه مجنون ، ولكني مثله ، آه يا أخي أن مصيري لك”.

مرض الحب

وينوه حسن إلى أن المحب في المقطوعة السابعة يشكو من غياب الحبيبة وعدم قدرته على رؤيتها ، ويشكو من مرض الحب ويصرح أن شفائه في رؤيا الحبيبة، فيقول:

لقد مرت سبعة أيام لم أرى فيها الحبيبة
وقد هجم على المرض وأصبحت كل أعضائي ثقيلة
أن اسمها هو الذي ينعشني
وان غدو رسلها ورواحهم هو الذي يعيد إلى قلبي الحياة
ومحبوبتي أعظم شفاء لي من أي علاج
إذ أصبح  عند مشاهدتها معافى
وإذا ما نظرت بعينيها إلى فان كل أعضائي يعود إليها الشباب

وترد الحبيبة في لهفة :
آه ليتك  تعود إلى حبيبتك مسرعا كجواد الملك المنتخب من ألف جواد
كالغزال الشارد في الصحراء الذي ترنحت أقدامه وتخاذلت أعضاؤه

وأخيرا يمر الحبيب باب بيت حبيبته معبرا عن ألمه وحزنه لعدم قدرته لقاءها ،  ويقول :
لقد مررت ببيتها في الظلام
فطرقت الباب ولم يفتح لي
+++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++
هوامش:
– الادب المصري القديم- الجزء 18 الشعر الغزلي (بي دي اف)- سليم حسن – من ص 153 الى ص 176 – الهيئة العامة للكتاب 2000

اقرأ أيضا

هل كان قيس هو “المجنون”؟

في عيد الحب.. 6 مطاعم مميزة لقضاء ليلة رومانسية بالإسكندرية

“عزيزة ويونس” من فصول السيرة الهلالية.. هكذا انتصر الحب على السياسة

“أحمد ومنى” و”اذكريني”.. أشهر الاقتباسات الشعبية من أفلام الحب المصرية

صور| 8 شواطىء في الإسكندرية شهدت “قصص الحب” السينمائية الشهيرة

فيديو| “عزيزة ويونس” قصة حب من قلب سيرة بني هلال

فيديو| “عزيزة ويونس” ج2 قصة حب من قلب سيرة بني هلال

كيف كان الحب في زمن الجوابات؟

“انظري إلي سيدتي فمن عينيك أستمد قوتي” أول قصة حب سجلها التاريخ المصري القديم

شهر الحب.. قصة حب في بطن الجبل

ما لا تعرفه عن حسن ونعيمة

“أمل دنقل وعبلة الرويني” القصة غير الوردية التي تشبهك

الوسوم