من الأدب الفرعوني| كن طلق الوجه واحبب زوجتك.. تعاليم الحكيم “بتاح حتب”

من الأدب الفرعوني| كن طلق الوجه واحبب زوجتك.. تعاليم الحكيم “بتاح حتب” بتاح حتب وزوجته - الصورة تحمل رخصة المشاع الإبداعي
كتب -

كانت مصر صاحبة السبق في الإنتاج الأدبي في باب الحكم والتأملات، وتأتي جارتها فلسطين في المرتبة الثانية في ترك إرث خصب من الأمثال والتعاليم الدينية؛ كالتي نراها في التوراة مثل حكم سليمان والمزامير وكتاب أيوب، بحسب ما أشار إليه الدكتور سليم حسن، في كتابه “الأدب المصري القديم”.

ويلمح حسن إلى تأثر الأدب العبراني بشكل كبير بالأدب المصري القديم خصوصا في مجال الحكم والأمثال، مشيرا إلى أن من أهم التعاليم المصرية هي تعاليم الوزير بتاح حتب، صاحب القبر المعروف بسقارة، والذي خدم في بلاط الملك  أوسركاف (2670 ق.م )، وفي هذه التعاليم يلخص بتاح حتب نتاج خبرته وحياته في نصائح صيغت بشكل أدبي راق، ليخلد اسمه عبر التاريخ ويعرف بـ”الحكيم بتاح حتب”.

ويوضح حسن وجدت نسختين من تلك التعاليم الأولى من عصر الدولة الوسطى (2055-1650ق.م) والثانية من عصر الدولة الحديثة (1570-1070ق.م).
ودع ابني يحتل مكاني
يقول الحكيم بتاح حتب: “قد حلت الشيخوخة، وبدأ خرفها، وامتلأت الأعضاء بالآلام، وظهر الكبر كأنه شيء جديد، وأضحت القوة أمام الهزال، وأصبح الفم صامتا لا يتحدث، وغارت العينان وصمتت الآذان وأضحى القلب كثير النسيان غير ذاكر أمسه”، هكذا استهل بتاح حتب نصه الأدبي موجها كلامه للملك أوسركاف، بحسب سليم حسن، ملمحا إلى أن بتاح حتب يتحدث عن شيخوخته في وصف دقيق لأحوالها، في إشارة إلى قرب أجله فلذلك فهو يترك وصيته للعالم، ثم يستطرد بتاح حتب قائلا: “فمرني أصنع لي عكازا، ودع ابني يحتل مكاني، فاعلمه أحاديث من يسمعون وأفكار من سلفوا”، فيجيبه الملك: علمه أولا الحديث.
ويلف حسن ألى الحكيم بتاح حتب يعلن صراحة الهدف من تلك التعاليم فهى موجهة لولده الذي يطمح أن يأخذ مكانه في بلاط الملك فلذلك فهو يؤهله بالنصائح التي تعينه على ذلك .
لا تكونن متكبرا
ويتابع بتاح حتب موجها كلامه لابنه: “لا تكونن متكبرا بسبب معرفتك، ولا تكونن منتفخ الاوداج لأنك رجل عالم، فشاور الجاهل والعاقل، لأن نهاية العلم لا يمكن الوصول إليها، وليس هناك عالم مسيطر على فنه تماما”، ويلمح حسن إلى بتاح حتب يحذر ابنه من خطورة الكبر بسبب العلم وأن فوق كل ذي علم عليم.
إن المستمع يحبه الله
“أجمل بالابن الذي يصغي حين يتحدث إليه والده، فإنه سيصل إلى الشيخوخة بسبب ذلك، وإن المستمع يحبه الله، ومن لا يستمع تبغضه الآلهة، والعقل هو الذي يشكل صاحبه فيكون مستمعا أو غير مستمع، وعقل الإنسان هو حياته وسعادته وصحته”، أما الغبي الذي لا يستمع فلن ينال نجاحا”، ويوضح حسن أن بتاح حتب يؤكد على أهمية الإنصات ويربط بينه وبين العقل، بل يربطه برضا الآلهة وغضبها، وكأنه يريد أن يقول إذا أردت أن تصبح عاقلا ومتحدثا ومباركا من الآلهة  فعليك بالإنصات.
آداب المائدة
وفي هذه المقطوعة يوضح بتاح حتب لابنه آداب المائدة وخصوصا لدى علية القوم من كبار الشخصيات، فيورد ناصحا:
“إذا اتفق أنك كنت من بين الجالسين على مائدة أكبر منك (مقاما):
“فخذ ما يقدم لك حينما يوضع أمامك”، “ولا تنظر إلّا إلى ما وضع أمامك”،  “ولا تصوبن إليه لحظات كثيرة”، “وانظر بمحياك إلى أسفل إلى أن يحييك”، “وتكلم فقط بعد أن يرحب بك”، “واضحك إذا ضحك”.
كن عميق القلب
وهنا يتعرض الحكيم إلى أمثل الطرق في التعامل مع الرؤساء، ويقرر أن الصمت أبلغ من الكلام، فيورد قائلا: “إذا كان رئيسك فيما مضى من أصل وضيع، فتجاهل وضاعته السابقة، واحترمه حسبما وصل إليه، لأن الثمرة لا تأتي عفوا، ولا تعيدن قط كلمات حمقاء خرجت من غيرك في ساعة غضب”. ويضيف: “التزم الصمت فإن هذا أحسن من أزهار “تفتف”، وتكلم فقط إذا كنت تعرف أنك ستحل المعضلات”.
ويتابع: “كن عميق القلب نزر الكلام، وكن ثابت الجنان طالما تتكلم، فعسى أن يقول الأمير الذي يسمع كلامك: ما أسد الكلام الذي يخرج من فمه؟”
احترس من الأيام
وينتقل الحكيم إلى تحذير الابن من أن ينخدع في تقلب الأيام من الفقر إلى الغنى فيوصيه أن عليه إذا صار من الوجهاء والأثرياء ألا ينسى حاله السابقة، فيقول: “إذا أصبحت عظيما بعد أن كنت صغير القدر وصرت صاحب ثروة بعد أن كنت محتاجا، فلا تنسين كيف كانت حالك في الزمن الماضي، ولا تتغن بثروتك التي أتت إليك منحة من الآلهة، لأنك لست أحسن من أقرانك الذين حل بهم الفقر”، ويردف قائلا: “احترس من الأيام التي يمكن أن يأتي بها المستقبل، أشبع أصدقائك بما جد إليك بسبب نيل الحظوة عند الملك، فعليك أن تستبقي ودهم لوقت السخط  الذي يهدد الإنسان، ولكن سترى فيما بعد، أنه حينما تسوء حظوتك فإن فضيلتك ستكون فوق أصدقائك”.
كيف تختار أصدقائك؟
وفي هذه النصيحة يشرح بتاح حتب لابنه كيف يستطيع أن يتعرف على أخلاق أصدقائه فيورد قائلا: “إذا كنت تبحث عن أخلاق من تريد مصاحبته فلا تسأله، ولكن اقترب منه وامتحن قلبه بالمحادثة، فإذا أفشى شيئا قد رآه أو أتى شيئا يجعلك تخجل له فاحذر عندئذ حتى من أن تجيبه”.
وأحبب زوجتك في البيت
ويؤكد الحكيم على أهمية الاستقرار النفسي للرجل والمتمثل في الزواج، كما يؤكد على أن الزواج الناجح يفرز أسرة صالحة بشرط أن يسود الحب بين الرجل وزوجته وأبنائه فيقول: “إذا كنت رجلا ناجحا فأسس لنفسك بيتا واتخذ لنفسك زوجة  تكون سيدة قلبك”، “واشبع جوفها واستر ظهرها”، و”اجعل قلبها فرحا، ما دمت حيا فهي حقل مثمر لسيدها”.
لا تطمع
وفي هذه المقطوعة يحذر الحكيم من عدد من الرذائل المختلفة النابعة من الطمع بصوره المختلفة، والتي يعتبره بتاح حتب مرض ليس له علاج فيقول: “لا تكونن شرها في القسمة، ولا تكونن ملحا في الحق، ولا تطمعن في مال أقاربك، لأن القليل الذي يختلس يولد العداوة حتى مع صاحب الطبع اللين”، ثم يردف قائلا: “إذا أردت أن يكون خلقك محمودا، وأن تحرر نفسك من كل قبيح فاحذر الشراهة فهي مرض عضال، والصداقة معها مستحيلة، لأنها تجعل الصديق العذب مرا، وتفرق بين الزوج  وزوجه، وهي حزمة فيها كل أنواع الشر”.
كن طلق الوجه
ويعود الحكيم بتاح حتب إلى فضائل التعامل مع الآخر ليطلق نصيحة مهمة جدا وهي أن يحتفظ بطلاقة الوجه فيقول: “كن طلق الوجه ما دمت حيا، واتبع قلبك ما دمت حيا، ولا تنقصن من الوقت الذي تتبع فيه قلبك، لأنه مكروه عن النفس أن تنتقص من وقتها”.
العدل أساس الملك
ويتعرض الحكيم بتاح حتب في هذه المقطوعة إلى الأسس التي يقوم عليها نظام الحكم، فينصح ابنه بإقامة العدل وأن يحاول أن يصنع رصيدا من الإنجازات التي تضمن ولائهم له فيشير ناصحا: “إذا كنت حاكما تصدر الأوامر للشعب، فابحث لنفسك عن كل سابقة حسنة حتى تستمر أوامرك ثابتة لا غبار عليها “، “إذا كنت حاكما، فكن شفيقا حين تسمع كلام المتظلم، ولا تسيء معاملته، حتى يغسل بطنه “- بمعنى أن يفرغ ما في جوفه من شكوى -“، “حصل الأخلاق، واعمل على نشر العدالة”، “إن الرجل الذي اتخذ العدالة معيارا له، وسار وفقا لجادتها يكون ثابت الجنان”.
فقد بلغت العشرة بعد المائة
ويختتم الحكيم بتاح حتب نصائحة لابنه بهذه الفقرة فيقول: “تأمل، إن الولد النجيب الذي يهبه الإله يقوم أكثر مما يأمره به والده، فهو يقيم الحق وقلبه يسير على صراطه، وبقدر ما تصل إلى ما وصل إليه الناس سيكون جسمك سليما، وسيكون الملك مرتاحا لك في كل ما يجري، وكذلك ستصل إلى السن التي وصلت إليها، والسنين التي عشتها في الأرض ليس بالقليلة، فقد بلغت العاشرة بعد المائة، وحباني الله بمكافأة تفوق كل الأجداد لإني أقمت العدل للملك حتى ضمني القبر”.
تعليق
يقول الدكتور سليم حسن إنه من قراءة النص يتضح أن مكانة بتاح حتب كانت مرموقة، وأنه بالفعل حقق العدل والدليل على ذلك أن أحد ألقاب الملك “أوسركاف” والذي عاش في عهده هذا الوزير “مقيم العدل”، مشيرا إلى أن أكثر من نصف النصائح تناولت التعاملات الإنسانية والاجتماعية فيما تناول النصف الثاني فن الإدارة والتعاملات الرسمية والتي اعتبرت أن الفضيلة الرئيسية هي فضيلة العدل، كما ربط الحكيم بين العدل واستقرار الحكم.
هوامش
الأدب المصري القديم (بي دي أف) – سليم حسن – مهرجان القراءة للجميع 2000- من ص 175 إلى187.

الوسوم