ولاد البلد

من الأدب الفرعوني| “شكوى خع خبر”.. مقالة تنتقد الأوضاع في العصر الإقطاعي

من الأدب الفرعوني| “شكوى خع خبر”.. مقالة تنتقد الأوضاع في العصر الإقطاعي
كتب -

يصنف العالم الأثري سليم حسن في كتابه ( الأدب المصري القديم ) الوثيقة التي تحمل اسم “شكوى خع خبر رع سنب” على أنها مقالة من مجموعة مقالات عبر فيها كتباها عن انتقادهم للأوضاع المتردية في فترة العصر الإقطاعي (2181– 2055 ق.م) التي أفرزت بحسب كتاباتهم حالة من الفوضى الشاملة والتدهور الأخلاقي وافتقاد السلم المجتمعي.
وبحسب حسن، فقد عاش كاتب المقال في عصر الملك سنوسرت الثاني (1882-1872 ق.م) وهو من ملوك الدولة الوسطى (2055-1650 ق.م) الذين استطاعوا إنهاء حالة الفوضى من خلال إخضاع المقاطعات المنفصلة وضمها للتاج الموحد، لافتا إلى أن “خع خبر” حاول أن يلتمس أسلوب كتاب العصر الإقطاعي في كتابة المقال وكأنه عاصر الأحداث ورآها رأي العين.
وطبقا لحسن، فإن النسخة الوحيدة المكتوبة لهذا المقال الانتقادي، تعود إلى عصر الدولة الحديثة (1550- 1077ق .م) حيث وجدت في أوراق أحد تلامذة مدارس الكتابة في تلك الفترة، مضيفا أن أول من عثر عليها وترجمها إلى الإنجليزية كان العالم الكبير (سيرآلان جارنر ) وهي محفوظة حاليا بالمتحف البريطاني، ومشيرا إلى أن استمرار تداول تلك الوثيقة بعد عدة قرون من كتابتها، دليل على جودة وبراعة النص الذي يعتبر من النماذج الأدبية الراقية في تاريخ الأدب الفرعوني.

العنوان 
جمع الكلمات، وقطف الحكم، والبحث وراء التعابير، ومناجاة القلب التي ألفها كاهن عين شمس.. “خع خبر رع سنب” الذي يسمى “عنخو” أيضا.
ويلفت حسن إلى أن كاتب المقال قد جاء ذكره بين أسماء مشاهير الكتاب الذين عرفوا في عصر الدولة الحديثة وكان ممن يضرب بهم المثل في أنهم أصحاب كتابات خالدة.

الافتتاحية 
وبحسب حسن، اتبع كاتب المقال أسلوب كتاب العصر الإقطاعي، مناديا بالوقوف والنهوض من حالة الانفلات السائدة في ذلك العصر، متخليا عن أسلوب التلطف في الخطاب كعادة أسلافه ومعبرا بكل صراحة عن رفضه للأوضاع ومطالبا بالتغيير.

ويسرد حسن افتتاحية المقال التي كتبها “خع خبر” قائلا: “ليتني كنت أعرف صيغا للكلام لا يعلمها أحد، وأمثالا غير معروفة أو أحاديث جديدة لم تذكر (يعني من قبل ) خالية من التكرار ، لأن الكلام الذي تُحدث به من زمن بعيد مضى، هو ما تكلم به الأجداد، لقد تحدثت بحسب ما رأيت مبتدئا بأقدم الناس إلى أولئك الذين سيأتون بعد”.

إن العدالة قد نبذت
وبحسب حسن، يدخل “خع خبر” في صلب الموضوع مباشرة معلنا عن الفكرة الأساسية للمقال أو سبب كتابته فيورد: “إن العدالة قد نبذت في حين أن الظلم قد أخذ مكانه في وسط قاعة المجلس، وخطط الآلهة قد انتهكت حرمتها، وأهملت نظمها، والبلاد صارت في هم، والحزن عم كل مكان، وصارت المدن والأقاليم في عويل، وكل الناس صاروا على السواء يرزحون تحت عبء الظلم ، أما الاحترام فان أجله قد انتهى”
ويلفت حسن إلى أن كاتب المقال يعبر بكل وضوح عن حالة الفساد الناتجة عن غياب العدالة وتفشي الظلم وغياب الاحترام.

القلب الشجاع رفيق سيده
وفي الفقرة الثانية، يصف الكاتب ألمه وحزنه على ما آلت اليه أحوال المجتمع وعدم قدرته من فعل شيء لتغيير الواقع المرير، ما سبب له شعورا بالشقاء، ولكنه يلوذ بقلبه ليكون سندا له في مواجهة كل ذلك فيقول: “وعندما أريد أن أتحدث عن كل ذلك تنوء أعضاء جسمي بحمله، وأني من أجل قلبي لمحزون ، وأنه لألم أن أهدئ روعي من جهته، إذ لو كان قلب آخر لانثنى (ولكن) القلب الشجاع في الملمات يكون رفيقا لسيده، ليت لي قلبا يتحمل الألم، فعندئذ كنت اطمئن إليه. تعال إذن لأتكلم إليك يا قلبي، لتجيبني عن كلامي، ولتفسر لي ما هو كائن في الأرض، لأني أفكر فيما حدث”.
ويلمح حسن إلى أن التشابه بين أسلوب كاتب المقال وأسلوب الكتاب المحدثين المهمومين بحال أوطانهم والمحاولين إيجاد تفسير لما يحدث.
كل الناس لاهون

وفي الفقرة الثالثة من المقال، يتطرق الكاتب إلى حالة التجاهل لما يحدث والغفلة عما سوف يحدث في المستقبل من الجميع دون استثناء سواء الحكام أو الرعية، كما يشير إلى افتقاد وغياب القائد والقدوة فيعبر موردا: “إن المصائب تقع اليوم ، ومصائب الغد لم تأت بعد ، فكل الناس لاهون عن الغد مع أن كل البلاد في اضطراب عظيم ، وليس إنسان خاليا من الضر فإنه يصيب جميع الناس على السواء والقلوب بالحزن مفعمة. فالآمر والمأمور صاروا سواسية، وقلب كل منهما راض والناس عليه (يعني الضر) يستيقظون في صباح كل يوم، ولكن القلوب لا تنبذه، ولا تزال اليوم على ما فعلته بالأمس، ولا يوجد إنسان عاقل يدرك ولا إنسان غاضب يتكلم، والناس تستيقظ في الصباح كل يوم لتتألم، أن مرضي لثقيل وطويل، والرجل الفقير ليس له حول لنفسه ولا قوة ليتخلص ممن هو أشد منه بأسا”.

الخاتمة 
وفي خاتمة مقاله، يفصح “خع خبر” عن رغبته في تغيير الأوضاع ومعتبرا أن الصمت عنها مسبب للألم، كما يعبر عن أنه لا جدوى من طرح المشكلة امام الجهلاء.

يقول خع خبر: “وإنه لمؤلم أن يستمر الإنسان صامتا عن الأشياء التي يسمعها، وأنه لمؤلم أيضا أن يجيب الإنسان الرجل الجاهل”.

+++++++++++++++++++++++++

هوامش :

الأدب المصري القديم – سليم حسن – الهيئة العامة للكتاب (مهرجان القراءة للجميع 2000 ) – من ص 290 الى 293 .
* الصورة لهرم الملك سنوسرت بمنطقة اللاهون – المصدر ويكيبيديا (برخصة المشاع الإبداعي)

الوسوم