من الأدب الفرعوني| «سحرة خوفو».. قصة مسلسلة نبأت بزوال مُلك باني «الهرم الأكبر»

من الأدب الفرعوني| «سحرة خوفو».. قصة مسلسلة نبأت بزوال مُلك باني «الهرم الأكبر» تمثال الملك خوفو بالمتحف المصري
كتب -

صيغت قصة الملك خوفو والسحرة الثلاثة، في عصر الدولة الحديثة “1550 – 1077 ق.م”، تظهر فيها روح ألف ليلة وليلة، وكان أول من ترجمها العالم الألماني “أودلف أرمان”، وهي ضمن مجموعة برديات سميت باسم مقتنيها “وستكار”، حسب ما جاء بكتاب “الأدب المصري القديم”، للدكتور سليم حسن.
بينما يشير محمد أبورحمة، في كتابه “حواديت فرعونية”، إلى أن البردية التي تحوي القصة محفوظة بمتحف برلين تحت رقم 3033، وتضم أربع قصص، ملمحا إلى أن القصة تعود إلى عصر الهكسوس”1560-150ق.م”، ورويت على لسان ثلاثة أمراء بقصد إدخال السرور إلى قلب الملك خوفو، بأن الهرم الأكبر في عصر الأسرة الرابعة “2575-2465 ق.م”، ولكنها تنتهي بنبوءة تنذر بزوال عصر بناة الأهرام وبدء عصر ملوك الشمس، معتبرا القصة من أقدم صور القصص المسلسلة في التاريخ، ومتفقا مع الأثري سليم حسن في أنها فقدت مقدمتها وخاتمتها بفعل تهشم البردية في طرفيها العلويين.
تمساح الشمع

بحسب  أبور حمة، تطوع الأمير “خفرع” بسرد حكاية مسلية لوالده الملك خوفو، فيقول: “سأروي لجلالتك أعجوبة حدثت في عهد سلفك نبكا، ثاني ملوك الأسرة الثالثة “3300-3050 ق.م”، حين ذهب إلى معبد “بتاح” سيد منف، متابعًا: “وهناك استدعى “أوبا أونار” كبير الكهنة المرتلين للذهاب معه، وكان بيت أوبا أونر يطل عليه بركة وبجوارها سقيفة، فترسل زوجة الكاهن خادمتها برسالة إلى عشيقها تطلب منها أن يحضر إليها ليقضيا ساعة حظ، فيفعل ويقضيا ساعة هي وعشيقها وخادمتها في لهو ولعب على سقيفة بركة “أوبا أونر” زوجها، وتأمر الزوجة الخادم أن يجهز القارب للتجول مع عشيقها، ويفعلا ويقرر العشيق أن يسبح قليلا في البركة، فتصحبه الخادمة ولكن يلمحهما البستاني، ويهدد أنه سيخبر سيده بما رأى، وفي الصباح يخبر البستاني سيده بما فعلت الزوجة، فيطلب أوبا أونر خادمه بإحضار أدوات السحر، قائلا: “فإني سأسحر منتقما أجعله رسولي إليه”، ويصنع تمساحا من الشمع، طوله سبعة أصابع  ويتلو عليه بعض التعاويذ، ثم يهمس في أذن التمساح: “إذا حضر غدا ليستحم في البركة، فامسك به”، ثم أعطي التمساح إلى البستاني وقال: “إذا نزل الرجل البركة، كما اعتاد أن يفعل، فالقي بالتمساح خلفه”.
وحدث أن حضر العشيق إلى السقيفة واختلى بزوجة أوبا أونر، ونزل ليستحم في البركة، فألقى البستاني التمساح خلفه، والذي بمجرد أن لمس الماء استحال إلى تمساح حقيقي، طوله سبعة أذرع، وقبض على الرجل، وغاص به في قاع البركة، ومرت سبعة أيام، ليعود أوبا أونر من صحبة الملك “نبكا”، بينما كان العشيق راقدا في أحضان البركة، دون تنفس، فلما انقضت الأيام السبع قرر الملك العودة، فدعاه أوبا أونر أن يذهب معه إلى سقيفته ليرى أعجوبة حدثت في عهده، ويمضيان سويا إلى دار أوبا أونر، فيصيح أوب أونر بالتمساح: “فلتصعد بالرجل”، فيفعل، ويأمره ثانية: “فلتقبض عليه” فيمضي به مرة أخرى، وجعله أوبا أونر بظهر مرة أخرى، فيقول الملك: “إنه تمساح فظيع”، فينحني أوبا أونر ويلتقطه بيده، ليعود ثانية إلى صورته الأولى من الشمع بطول 7 أصابع، فيحكي أوبا أونر لمليكه ما حدث من الرجل مع زوجته في داره، فيأمر الملك التمساح قائلا: “فتأخذ صاحبك” فيغوص التمساح بالرجل إلى قاع البركة، ثم يأمر جلالته بأن تأخذ زوجة الكاهن إلى معسكر العقاب، فتحرق ويلقى رمادها في النهر.
الملك الحزين
يتابع أبورحمة: “ينهض الأمير “با وخرع”، ويروي حكاية حدثت في عهد جده سنفرو والد الملك خوفو، قائلا: “سأسمع جلالتك أعجوبة حدثت أثناء حكم أبيك المبارك سنفرو، وأتى بها كبير كهنة التراتيل “جاجا أم عنخ”.
ويسرد  الأمير، أن “الملك مر بأروقة القصر والحدائق، فلم ير ما يسر قلبه، فاستدعى كبير المرتلين، وطلب منه أن يقترح عليه شيئا يبعث في نفسه البهجة، فأشار عليه الكاهن أن يأمر نساء القصر والجاريات أن يركبن القوارب متبرجات، ويجدفن رائحات غائدات، ففرح قلب الملك برؤيتهن يتمايلن في دلال ورقة، فأمر الملك بتنفيذ نصيحة الكاهن، وتم تنظيم النساء والجواري في المراكب وأخذن يجدفن ويغنين في سرور، فوقع السرور في قلب الملك الحزين، ولكن توقفت إحدى القائدات عن التجديف وتوقف خلفها الفريق بالكامل، فسأل جلالته: “لماذا توقف التجديف؟” فعرف أن السبب هو سقوط  مشبك شعر القائدة في قاع البحيرة، والذي كان مصنوعا من الفيروز ومشكلا على شكل سمكة، فعرض عليها الملك أن يعوضها بخير منه لكنها رفضت، فاستدعى الملك كبير المرتلين “جاجا أم عنخ”، وطلب منه أن يتصرف، فيتلو الكاهن تعويذة سحرية، ليطوي نصف النهر في النصف الآخر، فيظهر المشبك في قاع الماء، فيحضره إلى الجارية ثم يعود ويتلو تعويذة أخرى ليعود الماء إلى سيرته الأولى، أمضى الملك باقي يومه في احتفال وسعادة وكافئ كبير الكهنة المرتلين بمكافأة كبيرة.
يقتاد الأسد
طبقا لأبورحمة، نهض الأمير جدف حور، مستخفا بما حكى أخويه، مشيرا على والده أن الإعجوبتين ما هما إلا قصتين من عهد الأسلاف، معلنا أنه سيحكي للملك أعجوبة حدثت في عهده ومن ساحر يعيش في زمنه وهو “ددي”، القاطن بجوار أهرامات الملك سنفرو، والبالغ من العمر مائة وعشرة أعوام، ويأكل يوميا خمسمائة رغيف ونصف ثور ويشرب مائة إبريق من الجعة، وهو أعظم ساحر على الإطلاق فهو قادر على أن يعيد رأسا قطعت إلى مكانها، وأن يجعل أسدا يتبعه، كما أنه الوحيد الذي يعرف عدد مقاصير معبد الإله تحوت، إله الحكمة، وكان الملك وقتها منخرط في بحث شاق عن مقاصير معبد تحوت ليجعل لهرمه  نظيرا لها، ولكنه فشل، فأرسل الملك ابنه جدف حور ليحضر ديدي، الذي عامله معاملة العالم القدير، وخصصت له قاربا منفردة لكتبه وتلاميذه وأخرى له وحده، وحين استوى أمام الفرعون وتجاوز كلاهما كلمات الترحيب والتعارف، طلب منه أن يثبت أنه قادر على إعادة رأس قطعت إلى جسدها، فأمر الملك بإحضار محكوم بالإعدام لتقطع رأسه ويعيدها الساحر، فاعترض الساحر قائلا: “لا أفعل ذلك بإنسان، فهو محرم أن يجري ذلك على قطيع المقدس لله”، فأحضرت له أوزة، قطعت رأسها، ووضعت الأوزة في غرفة والرأس في غرفة أخرى، فيتلو ديدي تعويذة سحرية، فتحرك جسد الأوزة ورأسها وتقابلا والتقيا وصاحت الأوزة، وفعل نفس الشيء ببقرة قطعت رأسها، ثم سأله الملك عن إن كان قادرا على  اقتياد أسد وراءه؟، فقال: نعم، فأحضر أسد وقد ربط بحبل حول رقبته، فتمتم ديدي ببعض الصيغ السحرية، وأطلق سراح الأسد، فاتجه ناحية ديدي تابعا له في مشيه، بينما الحبل يجر خلفه على الأرض.
النبوءة في الصندوق
استفسر الملك من الساحر عن مكان مقاصير تحوت وعددها، فأعلن عجزه، مشيرا إلى أنه لا يعرف مكانها، ولكنه يعرف المكان الذي يدل على ذلك، في صندوق حجري محفوظ بقاعة المحفوظات بعين شمس، فطلب منه الملك أن يذهب لإحضاره، فيفاجأ الملك برده: “الوحيد القادر على فتح الصندوق هو مولود من ثلاثة مواليد، سيولدون في زمنك من نسل رع “إله الشمس”، وسوف يتناوبون الحكم بعدك، وأحدهم سيكون الكاهن الأكبر لرع، وهم  في رحم روديت زوجة الكاهن سخو، من كهنة رع”، حزن الملك لما أحس بأن النبوءة تنذر بزوال ملكه، فهدئه الساحر الحكيم مطمئنا، أنه لن يحدث هذا قبل أن يرث ملكه ابنه وحفيده من بعده، ولكن الملك وقد ساوره القلق أمر بترقب موعد ولادة الأطفال الثلاثة، لغرض في نفسه.
تحضر الولادة روديت، وتكون متعسرة لتنزل الربات الحارسات “إيزيس ونفتيس ومسخنت وحقات”، بتكليف من ملك الآلهة رع لمساعدة الزوجة الإلهية والأم الملكية، وتلد على التوالي ثلاثة ذكور أقوياء أصحاء، أوسركاف وساحور رع وككو، ورأس كل منه مزينة بتاج من اللازورد وأسمائهم مكتوبة على أجسادهم بالذهب.

أعلنت الربات الأربع أن المواليد الثلاثة سيصير كل منهم ملكا على البلاد، يفرح الوالد، ويكافأ الربات بجوال من شعير، ولكن الآلهات يقررن أن يصنعن معجزة للأطفال الثلاثة بأن يحولوا الشعير إلى ثلاثة تيجان رائعة ويخبأن الجوال داخل حجرة مغلقة بالمنزل، وفي أحد الأيام وبينما كانت رونديت تبحث عن شيء تضع في الأواني أخبرتها خادمتها أنه لا يوجد إلا جوال القمح الخاص بالآلهات، فطلبت منها أن تحضر بعض الشعير منه وسوف تعوضه حين يحضر زوجها، وبينما تهم الخادمة بفتح الغرفة التي بها جوال الشعير، تسمع أصوات موسيقى ورقص وغناء، ففزعت وحاولت معرفة مكان صدور الصوت فلم تعرف، فنزلت مسرعة مخبرة سيدتها، ثم عادت وأرخت أذنيها فاكتشفت أن الصوت صادر من جوال القمح، فوضعته في صندوق حجري وربطته برباط وأحكمت غلقه وخزنته في غرفة خاصة بمقتنياتها، وحين حضر الزوج قصت عليه زوجته ما حدث وقضيا يوميا سعيدا، وفي أحد الأيام حدثت مشادة بين السيدة وخادمتها فعنفتها السيدة فصرخت الخادمة مهددة بأنها سوف تفشي سرها عند الملك خوفو، وتمضي عاقدة العزم على ذلك، وتذهب إلى أخاها وتعرض عليه أن يرافقها إلى الملك لإفشاء سر سيدتها، لكن احتقر الأخ طلب أخته، وضربها  ضربة موجعة، فمضت الخادمة إلى النهر لتملأ وعاء بالماء فالتقطها تمساح وابتلعها، وذهب الأخ ليخبر رونديت بقصة الفتاة فوجدها حزينة لتصرف الخادمة التي تربت في هذا المنزل، لأخبرها الأخ أنها لم تفعل ونالت جزائها.
تعليق

بحسب أبو رحمة فأن الجزء المفقود من نهاية القصة، ربما هو الجزء الذي يشير إلى فشل الملك خوفو في العثور على الأطفال الثلاثة، ملمحا إلى أن هذه النوعية من القصص، كانت تستغل كدعاية سياسية يتخذها بعض الملوك في الفترات التاريخية، لتأكيد سلطانهم في حالة مواجهتهم شكوك حول شرعيتهم، موضحا أن القصة تتفق تاريخيا مع بداية الأسرة الخامسة والتي سمي ملوكها ملوك الشمس، بعد انقلابهم على ملوك الأسرة الرابعة، واحتاجوا إلى مثل تلك القصة لتثبيت أقدامهم في حكم مصر، وبحسب أبورحمة فقد حذا حذوهم ملوك لاحقون، مثل حتشبسوت وامنحتب الثالث بعصر الأسرة الثامنة عشر”1550- 1291 ق.م”،  حيث ادعى كليهما أنه من نسل الإله أمون رع.
هوامش
1- حواديت فرعونية – محمد أبو رحمة – دار حابي لطباعة والنشر 2005 – من ص 63 إلى 78 و ص 243 و 244.
2- الأدب المصري القديم “بي دي إف” – الدكتور سليم حسن – مهرجان القراءة للجميع 2000 – ص 74 إلى 77.

الوسوم