من الأدب الفرعوني| «الدلتا تبكي».. تنبؤات الحكيم أيبور

من الأدب الفرعوني| «الدلتا تبكي».. تنبؤات الحكيم أيبور ورقة ليدن
كتب -
الصورة المستخدمة في المقالة تحمل رخصة المشاع الإبداعي


ظلت الوثيقة المحفوظة بمتحف ليدن معروفة باسم “ورقة ليدن- 344” غير مفهومة التفاصيل، بسبب ضياع أولها وتهشم آخرها ووجود فجوات كثيرة في أوسطها ما صعب عملية ترجمتها وفهمها، واعتبرت مجرد ورقة تعليمية لأحد الطلاب، إلى أن كتب العالم الأثري الدنماركي (لنجه) في عام 1903 مقالا أثبت فيه أن الوثيقة عبارة عن تنبؤات حكيم مصري يدعى “ايبور”، بحسب الدكتور سليم حسن في كتابه (الأدب المصري القديم)، لافتا إلى أن ذلك سهل الطريق لعدد من علماء الآثار على فك رموز الوثيقة ودراستها دراسة وافية، وكان من ضمنهم الأستاذ الآن جاردنر، والذي ألف دراسة وافية للوثيقة وعلق عليها بشروح علمية ولغوية، بالرغم من تلف معظم أجزائها وشيوع الأخطاء اللغوية من ناسخها، وبحسب حسن فإن الوثيقة تؤرخ لفترة الحكم الإقطاعي وما آل إليه حال البلاد من فوضى وانقسام.

سبعون ملكا في سبعين يومًا

ويورد حسن ما قاله المؤرخ مانيثون وهو يصور حالة البلاد في عصر الأسرة السابعة (2181- 2160ق.م) والتي تعتبر بداية العصر الإقطاعي مشيرا إلى حالة الفوضى التي ضربت البلاد، وأدت إلى عدم استقرار الحكم لينتهي الأمر إلى استقلال المقاطعات، وإشعال فتيل الحروب الأهلية والثورات الاجتماعية المتعاقبة، وتراجع الإنتاج الزراعي والتبادل التجاري وركود الأسواق، وافتقاد الأمن وغياب السلم الاجتماعي، وقد عبر مانيثون عن ذلك بقوله: “إنه قد حكم البلاد في عهد الأسرة السابعة سبعون ملكا في سبعين يوما”.

ويلمح حسن إلى أن هذه الوثيقة تؤكد أن الوثائق الأدبية تعد من أولى أهم مصادر التاريخ لفترة الحكم الإقطاعي من خلال المقالات الأدبية التي صورت الواقع السياسي والاجتماعي.

مفكر اجتماعي

ويشير حسن إلى أن تلك الفترة حظيت بوجود عدد من المفكرين الاجتماعيين، الذين درسوا حالة المجتمع المصري ووضعوا تخيلا عن الصورة المثلى للحكم وهو ما يمكن تسميته اصطلاحا “الحاكم العادل”، ومن أهمهم ايبور والذي ألف مقالا في شكل تمثيلي مؤثر تخيل فيه أنه يوجه رسالة أو خطابا في حضور ملك غير معروف اسمه، وطبقا لحسن فقد حوى ثلثي المقال تحذيرات للملك مما هو قادم، بينما احتوى الثلث الأخير على طرح حلول أو تنبؤات بالأفضل القادم، بشرط الالتفات إلى تحذيرات المفكر الاجتماعي ايبور، ويعتبر حسن وثيقة ايبور من أهم الوثائق التاريخية والأدبية التي تعود إلى تلك الفترة ويمكن تسميتها اصطلاحا بـ”تحذيرات المتنبئ ايبور”.

ويلفت إلى أن السياق العام للوثيقة يشير اتهامات واضحة يوجهها ايبور في حضور الملك وحاشيته ثم ينتهي بتقديم النصح إلى قومه بضرورة الإصلاح القائم على العدالة وتجنب الإهمال، ومبشرا بعصر استقرار ذهبي.

استهلال

ويشير حسن إلى أن الوثيقة تشتمل على فقرات نثرية وست قصائد شعرية، ملمحا إلى أن الحكيم أيبور يستهل بقوله: “فيقول حراس الأبواب: فلنذهب لننهب، والغسال يتنحى عن حمل حمله، وصائدو الطيور قد جهزوا أنفسهم للواقعة، وآخرون من الدلتا يحملون الدروع، وقد ثار القوم حتى أصحاب أهدأ الحرف كبائعي الحلوى وصانعي الجعة، وأصبح الرجل ينظر لابنه نظرته إلى عدو.. والرجل الفاضل يذهب بملابس الحزن بسبب ما حاق بالأرض، وأصبح الأجانب مصريين في كل مكان”، (بمعنى حل الأجانب مكان المصريين أو بمعنى آخر أصبح المصريون غرباء في وطنهم).

“لقد أصبحت التماسيح في تخمة”

ويلفت حسن إلى أن الشعر الأول استخدم لازمة بدأ بها جميع أبيات المقطوعة وهي جملة (حقا لقد) أو (وفي الحق)، مشيرا إلى أنه في هذه المقطوعة يؤكد على حالة الفوضى العارمة وانتشار السرقة والخطف وغياب الأمن والأمان، فيورد قائلا:
حقا لقد شحب الوجه والأجداد قد تنبأوا
حقا فإن البلاد ملآى بالعصابات ويذهب الرجل ليحرث ومعه درعه
حقا فإن الوجه قد شحب، وحامل القوس أصبح مستعدا،
والمجرمون في كل مكان،
ولا يوجد رجل من رجال الأمس
حقا أن الناهبين في كل مكان
حقا لقد أصبحت التماسيح في تخمة بما سلبت
حقا فإن قلوب الماشية تبكي والقطعان تندب حالة البلاد
حقا لقد عمت الوقاحة عند كل الناس والرجل يقتل أخاه من أمه
وفي الحق قد دمر ما كان مرئيا بالأمس (ربما يشير إلى آثار الأجداد من معابد ومقاصير)
وفي الحق لقد أصبح القوم يعيشون على الحشائش ويشربون الماء
وفي الحق قد انعدمت الغلال في كل مكان
وفي الحق فتحت الإدارات العامة ونهبت قوائمها
وصار العبيد أصحاب عبيد

“إن النار قد اشتعل لهيبها”

وفي المقطوعة الشعرية الثانية يبدأ الحكيم أيبور بكلمة انظر ويكررها في كل بيت، ويواصل في شعره الثاني تصوير حال البلاد مستغرقا في التفاصيل، فيسترسل قائلا:
انظر.. إن الرجل يذبح بجوار أخيه فيتركه وحيدا لينجى نفسه
انظر.. لا صانع يعمل والعدو يحرم البلاد حِرَفها
انظر.. إن الماشية قد تركت ضالة سبيلها
انظر.. إن الذي كان يملك زوجا من الثيران أصبح يملك قطعانا
انظر.. إن النار قد اشتعل لهيبها
انظر.. إن كل من كان يجهل الضرب على العود أصبح يملك عودا
ومن كان لا يغني له أحد أصبح الآن يثني على آلهة الغناء
انظر.. إن من كان لا يملك شيئا أصبح ذا ثروة والرجل العظيم يمدحه
انظر.. إن الوظائف ليست في موضعها الصحيح
مثل القطيع المذعور لا راعي له

“إن الدلتا تبكي”

وبحسب حسن فإن الجزء الذي يحتوي على الشعرين الثالث والرابع، معظم فقراته مهشمة وناقصة ووجد منها أبيات بدأت أما بكلمة (مدمر) أو (دمر)، معتبرا أن في ذلك دلالة على أن الحكيم يتعرض في سرده إلى تعرض البلاد إلى غارات متتالية من أعداء مصر مستغلين حالة الفوضى ومدمرين للمرافق الحيوية بالبلاد، مشيرا إلى أن المقطوعة الشعرية الثالثة ضاعت كلها ولم يبق إلا الفقرة النثرية المصاحبة لها والتي يقول فيها الحكيم “أيبور”: “ليتني كنت ميتا، إن الدلتا تبكي ومخزن الملك أصبح مشاعا لكل فرد، ولا ضرائب تجبى للقصر كله”.
ويلمح حسن إلى أن المقطوعة الشعرية الرابعة احتوت 6 أبيات لم يبق منها إلا الجملة الافتتاحية المكررة في كل بيت وهي ( َدمِّر أعداء المقر الملكي العظيم)، مستنتجا من ذلك أن هذه المقطوعة كانت تحتوي على تحريض الكاتب المصريين على مقاومة الأعداء.

الحاكم العادل.. “إنه راعي الإنسانية”

ويلفت الدكتور سليم حسن إلى أن كاتب الوثيقة بعد صور الواقع السياسي والاجتماعي بشكل مفصل، بدأ في المقطوعة الشعرية الخامسة في تذكير المتلقى بعصر حكم الآلهة وربط بينها وبين نظرية (الحاكم العادل )، المتخلق بأخلاق الآلهة والذي اعتبره كاتب الوثيقة النموذج الأمثل للحاكم القادر على توحيد البلاد والنهوض بها من كبوتها، وفي ثمان أبيات هي قوام مقطوعته الشعرية يكرر جملة (تذكر  كيف) في محاولة للفت انتباه المستمع فيورد منشدا:
تذكر كيف كانت تنصب الأعلام
وتنقش ألواح القربان
وكيف كان الكهنة يطهرون المعبد
وكيف كان يعطر الأفق ويخلد القربان من الخبز
تذكر كيف كانت تُرعى الأنظمة،
وتُوزع أيام الشهر، ويَعزل الكهنة الأشرار
تذكر كيف كانت الثيران تذبح
وفي المقطوعة النثرية التالية للأبيات يبدو من السياق أن الحكيم يخاطب نفسه وهو يحاول يرسم صورة موضوعية لصفات الحاكم العادل والنابعة من فيض الكمال الإلهي، فيورد قائلا: “انظر، أين يبحث (هو) ليسوى البشر؟ دون أن يميز الرجل الخجول من الرجل الأحمق، وهو يجلب البرودة إلى اللهيب (الحريق الاجتماعي)، ويقال عنه أنه راعي الإنسانية ولا يحمل قلبه شرا، وحينما تكون قطعانه قليلة العدد فإنه يضرب يومه في جمع بعضها إلى بعض وقلوبها محمومة (من الحزن)، ويتابع أيبور: “وليته عرف أخلاقها في الجيل الأول فعندئذ كان في مقدوره أن يضرب الشر وكان في قدرته أن يمد ذراعه ( يعني الشر)، وكان في مقدوره أن يقضي على بذرتهم هناك وعلى وراثتهم، فأين هو اليوم؟ هل هو بطريق الصدفة ينام؟ انظر أن بأسه لا يُرى”.
ويوضح حسن أن الكاتب يحدد معالم شكل الحكم الأمثل والمتمثل في الحاكم العادل من خلال تقلده صفات الآلهة، وينوه إلى حالة الثورة الاجتماعية والتي عبر عنها باللهيب وقدرة الحاكم العادل على احتوائها، وقدرته في جمع القطعان الشاردة والتي تشير إلى الفئات الاجتماعية المتطاحنة ليؤلف بينها من جديد، فهو لا يحمل شرا لأحد وهو يسعى لتحقيق معاني الإنسانية.

ويعتقد حسن أن الكاتب في الجزء الأخير من المقطوعة يلمح إلى اسطورة هلاك البشرية حين جحد بنو الإنسان لإله رع ولكنه لم يفنيهم واكتفى بالصعود إلى السماء، ويستخلص حسن من هذا أن المعنى يشير إلى إلقاء اللوم على الحاكم في تعامله بشكل سلبي مع الفئات المنشقة، وكان عليه أن يكون صارما وحازما معهم، وهو ما أكدته الفقرة التالية والتي يخاطب فيها الحكيم الملك بشكل مباشر قائلا: “إن القيادة والفطنة والصدق معك، غير أن ما تبثه في طول البلاد هو الفوضى وغوغاء الذين يتخاصمون”.
ويتابع: “ولكنك ستأمر أن تجاب، فالأكاذيب تتلى عليك، والبلاد قش ملتهب، وكل هذه الأعوام ارتباك، فالرجل يقتل على سطح بيته”. وفي نهاية المقطوعة يوجه اتهاما صريحا للملك بجهله بحقيقة الأمور فيقول له: “ليتك تذوق بعض هذا البؤس بنفسك وعندئذ يمكنك أن تقول”.

“من الخير أن تشيد أيدي الناس الأهرام”

وفي نهاية الوثيقة والتي احتوت المقطوعة الشعرية السادسة والتي تهشم معظم أجزائها، يستخلص حسن منها أنها تبشر بعهد جديد من الاستقرار والتقدم وتدعو إلى العمل ونبذ التكاسل لبناء الوطن، وتبدأ الأبيات بجملة (على أنه من الخير)، ومنها قول الحكيم:
على أنه من الخير أن تُنصب الشباك وتُمسك الطيور
على أنه من الخير أن تُشيد ايدي الناس الأهرام
وتَحفر البرك، وتنشئ للآلهة مزارع فيها أشجار
على أنه من الخير أن يكون السرور في أفواه القوم
ويشير حسن إلى أنه بعد سلسلة فجوات تأتي فقرة ربما تحتوى جواب الملك على خطاب أيبور، والذي يجيب عليه أيبور بعد ذلك، ويأتي بعد ذلك ذكر ثورة الشباب المحتشدين في العاصمة الشمالية، فيقول الحكيم: “إن الشباب قد ثار وهاجم مصر مثل الأجانب، ثم أراد أهل الجنوب أن يأخذوا بنصر مصر التي هي بمثابة الأخ والأخت، والسود يقولون سنكون حامين لكم ودع القتال يعظم”.

ويلمح حسن إلى أن الوثيقة ربما تتحدث عن تدخل الشعوب الجنوبية مثل السودان والصومال والتي كانت تربطها صلات قوية بمصر، لنصرة مصر ومساندتها لاستعادة الاستقرار، وربما أن الإشارة هنا إلى المملكة الجنوبية في مصر والتي كانت تتمتع بقدر كبير من الاستقرار مقارنة بالمملكة الشمالية باهناسيا، ويوضح حسن أنه ربما تنبأ أيبور حقيقة بأن الملك القادم الذي سيوحد مصر من جديد سيكون من الجنوب وهو ما تحقق فعلا بقيام الدولة الوسطى (1995 ق.م) على يد ملوك طيبة.

هوامش

– الأدب المصري القديم – د.سليم حسن – الهيئة العامة للكتاب 2000 – من ص 294 إلى 317.

 

الوسوم