من الأدب الفرعوني| التمساح والثعبان والكلب .. من قتل «الأمير الموعود»؟

من الأدب الفرعوني| التمساح والثعبان والكلب .. من قتل «الأمير الموعود»؟ لوحة تخيلية لأحد المعابد المصرية قديما
كتب -

يروي الأدب الفرعوني حكاية الأمير الموعود – المحفوظة بالمتحف البريطاني تحت رقم 10060 – والتي تعود إلى عصر الأسرة التاسعة عشر “1300 ق.م”، مصير الإنسان باعتباره قدر محتوم منذ ولادته لا يمكن الفرار منه، أو الاستسلام له في نفس الوقت، مؤكدة على المثالية والقيم والمبادئ، إضافة إلى اشتمالها على فكرة القفز إلى نافذة المحبوبة،  والتي شاعت فيما بعد في القصص العالمية، بحسب محمد أبو رحمة، في كتابه “حواديت فرعونية”.

ويقول الدكتور سليم حسن، في كتابه “الأدب المصري القديم”، إن أول من ترجم القصة كان العالم الأثري إيبرس بعنوان “الأمير المسحور”، مشيرا إلى أن العنوان الذي اختاره إيبرس لا ينطبق مع مضمونها، فلم يرد أي ذكر للسحر في القصة، والاسم الذي تعرف به القصة هو “الأمير المحتوم عليه الموت”، فبالرغم من أن خاتمة القصة قد فقدت بسبب تهشم البردية، إلا أنه من الممكن أن نتبين مصير الأمير من سياق القصة، وأن الأمير لابد ملاق حتفه وفقا لما قدر له .

عطية السماء

وبحسب أبورحمة تحكي القصة أن ملكا لم يرزق نعمة الأولاد، فدعى الآلهة أن يرزقوه ولدا ذكرا، فاستجابت الآلهة لطلبه وحملت زوجته في ولد، ولما وضعت الأم مولودها، حضرت الحاتحورات السبع لتقرير مصير الابن وقلن: “سوف يموت بسبب تمساح أو حية أو كلب”، فلما سمع الأب ذلك حزن كثيرا وخاف على ابنه الوحيد، فأمر رجاله ببناء  قصر حجري في الصحراء  لابنه، وأن يوفر فيها كل ما يحتاجه حتى لا يخرج منها ابدا فيلاقي مصيره المحتوم. 

يكبر الابن وفي أحد الأيام يصعد على سطح القصر فيشاهد كلب صيد يتبع صاحبه، فيسأل خادمه: ما هذا الشيء الذي يمشي خلف الرجل؟ فيجيبه بأنه كلب صيد، فقال الصبي: احضروا لي واحدا، فيمضي الخادم إلى الملك ويخبره، فيقول الملك: فلتحضروا له جروا صغيرا فلا يحزن قلبه، وتمر الشهور وينمو عقل الصبي وجسمه ويعرف قصة مصيره المحتوم فيطلب من والده ان يسمح له بأن يغادر ليواجه مصيره، بدلا من انتظاره، فيوافق الأب ويخصص له عجلة حربية مجهزة بكل أنواع السلاح وخادما يتبعه وكلبه من خلفه، ويقصد الصحراء فترة، يعيش خلالها على الصيد، إلى أن تسوقه أقدامه إلى بلاد نهارينا “سوريا”.

شرفة عالية

يصل الأمير إلى بلاد نهارينا، ولم يكن قد ولد لملك البلاد إلا ابنة واحدة شديدة الجمال، وقد بنى لها قصرا ذو شرفة عالية ارتفاعها 70 ذراعا، وأعلن أن من يستطيع الوصول إلى الأميرة سيتزوجها، وفي أحد الأيام مر الأمير بجوار شرفة الأميرة ووجد شبابا كثيرين ينتظرون أسفلها وعرف قصة الأميرة، وعرف منهم أنهم على مدار ثلاثة أشهر يحاولون القفز إلى شرفة الأميرة دون جدوى فسألوه من أين أنت أيها الأمير؟، فأجاب بأنه ابن قائد مصري، ماتت أمه وتزوج والده بزوجة أخرى كرهته ففر منها، وهناك لمحته الأميرة ولمحها ووقعا كل منهما في حب الآخر، وبعد أيام حضر الأمير أمام شرفة الأميرة وقفز عاليا ونجح في دخول شرفة الأميرة، فقبلته الاميرة وعانقته، ووصل الخبر إلى الملك ففرح وسال ابن من من أمراء نهارينا وصل إلى شرفة أبنتي، فأجاب بأنه ابن قائد مصري، جاء هاربا من وجه زوجة أبيه، فغضب الملك قائلا: “وهل أعطي أبنتي لهذا الهارب المصري؟، عليه أن يعود إلى وطنه، وجاء من يخبر الأمير أن عليه العودة إلى مصر، ولكن الأبنة التي وقعت في غرام الصبي تمسكت به وأقسمت بالآلهة قائلة: “وحياة رع حور أختى، إن اخذتموه مني فلن آكل أو أشرب حتى أموت”، فعلم الأب فأرسل من يقتله، فسمعت الأميرة وقالت: “بحق رع إن أنتم قتلتموه، فسوف أموت قبل أن تغرب الشمس ولن أعيش ساعة واحدة بعده، وأخيرا رضخ ملك نهارينا وأمر بإحضار الأمير وزوجه من ابنته وخصص له الضياع والماشية .

زوجة وفية

يتابع أبو رحمة: “أخبر الأمير زوجته بأنه قد كتب عليه الموت إما بسبب تمساح أو ثعبان أو كلب، فأشارت عليه الزوجة بأن يقتل كلبه، فرفض وفاءا لصديقه الكلب، قائلا: “يا للحماقة، إنني لن أقتل كلب الذي ربيته بنفسي منذ كان جروا صغيرا”، اشتعل قلب الزوجة المحبة قلقا على زوجها، فراحت تراقبه أينما ذهب ولم تدعه يخرج وحيدا، ولكنها لم تعرف أن التمساح – المقدر له قتله – قد اقتفى أثره حين رحل في زيارة إلى مصر، وصار يعيش في البحيرة الواقعة أمام داره، وكان يعيش في نفس البحيرة جني عظيم، ويحتدم الصراع بين الجني والتمساح فكان كل منهما يحول دون خروج الآخر من البحيرة، وكانت كلما اشرقت الشمس يتصارعا” .

الأفعى

ويورد أبورحمة، وفي أحد الليالي رقد الأمير، وغلبه النعاس، لكن الزوجة أصرت ألا تنام لتحرسه وقامت بملأ أنائين واحد من النبيذ والآخر من الجعة، فخرجت أفعى من جحرها تريد أن تلدغ الأمير، ولكن الأفعى انجذبت إلى الإنائين فشربت منهما حتى ثملت ونامت على ظهرها، فقطعتها الزوجة إربا بفأسها، ثم أيقظت زوجها وعانقته وقبلته وقالت: “انظر، لقد وضع الله واحدا من أقدارك في يدك، وكذلك سوف يسلمك المصيرين الآخرين”، فقدم الأضاحي لرع امتنانا على قدرته التي أنقذته من الموت .

أنا قدرك

وفي أحد الأيام خرج الأمير للنزهة في ضيعته، وقد انشغلت زوجته عن الخروج معه فتبعه كلبه، الذي ركض خلفه، وصار للكلب قدرة على الكلام فقال: “أنا قدرك”، ففزع الأمير وفر منه هربا، وقفز في البحيرة، فقبض عليه التمساح، قائلا: “أنا قدرك، الذي اقتفى أثرك، لقد صارعت عفريت الماء ثلاثة أشهر كاملة حتى الآن، انظر، سوف أطلق سراحك، ولقاء ذلك عليك عندما يعود خصمي ليصارعني أن تساعدني في قتله، وإن كنت قد خفت الكلب، فالأحرى بك أن تخشى التمساح”.. وهنا تحطمت الورقة، وبحسب الدكتور سليم حسن، فإنه يعتقد أن الأمير لقى حتفه على يد الكلب .

هوامش

1- محمد أبو رحمة – حواديت فرعونية – دار حابي للطباعة والنشر 2005 – من ص 161إلى 167 وص 253 إلى 254.

2- دكتور سليم حسن – الأدب المصري القديم “بي دي أف” – مهرجان الفارءة للجميع 2000 – من ص 100 إلى ص 102.

الوسوم