من الأدب الفرعوني| «أنكر وأمكر الأفعال» تجعل اللص الذكي زوجا لابنة رمسيس

من الأدب الفرعوني| «أنكر وأمكر الأفعال» تجعل اللص الذكي زوجا لابنة رمسيس الملك رمسيس الثالث بمعبد خونسو بالكرنك
كتب -

واحدة من أشهر الحكايات في الأدب المصري القديم، والتي رواها هيرودوت (5  ق.م) نفسه في مجلده الثاني، تحكي عن سرقة خزانة كنوز الملك رعمبنيسيت، وكيف تغلب ذكاء اللص على ذكاء الملك، بحسب محمد أبورحمة، في كتابه “حواديت مصرية”.

يلمح أبورحمة إلى أنه لا وجود لملك بذلك الاسم، وأن هيرودوت أخطأ في كتابة الاسم، مرجحا أن الاسم الصحيح هو “رعمسيس- سا –نيت” والذي يعني رمسيس ابن الآلهة نيت وهو أحد أسماء الملك رمسيس الثالث، بالأسرة العشرين (1184-1153 ق.م).
خزنة حجرية
وبحسب أبورحمة تبدأ الحكاية حين شعر الملك رمسيس بالخوف على كنوزه من السرقة، وبحسب وصف هيرودوت فقد قيل إن رمسيس كان أغنى فرعون في تاريخ مصر، وحوت كنوزه الذهب والفضة والمعادن والأحجار الكريمة، وبكميات لا تعد ولا تحصى، لذا كلف الملك مهندسا بأن يبني له خزانة حجرية، تصمم بطريقة مخفية بحيث تكون جدرانها جزء من حوائط القصر، وألا يكون لها أبواب أو نوافذ خارجية، وبالفعل صمم المهندس تلك الخزانة السرية، ولكنه قام بخدعة بأن وضع أحد الأحجار على نحو يسمح لرجل أو رجلين إزاحته بسهولة ودخول الخزانة، واطمأن الملك للخزانة الجديدة وأودع جميع كنوزه وأمواله فيها، وقام بختمها بالرصاص كما كلف الحراس بمراقبتها.
السر
ويتابع أبورحمة: وحين حضرت الوفاة المهندس جمع ابنيه وأخبرهما عن سر الخزانة ومكان الحجر وطريقة إزاحته، وقال لهما لقد فعلت ذلك من أجلكما حتى تعيشا أثرياء، فاذهبا وخذا ما يكفيكما من كنوز ذلك الملك الجشع، ولكن حذاري أن يقبض عليكما أو تفشوا السر لأحد، يموت المهندس وقد أودع ابنيه ذلك السر الخطير، وبعد شهر من الوفاة  قرر الأخوان تنفيذ وصية أبيهما.
وبالفعل دخلا الخزانة  بالطريقة التي شرحها الوالد، وسرقا كميات كبيرة من الذهب والفضة وخرجا دون ترك أي آثار للسرقة، وفي الصباح تفقد الملك الخزانة فاكتشف ضياع بعض الكنوز، ولكنه تعجب من عدم وجود أي دليل على دخول أحد، فالأختام لم تمس والحوائط لم تثقب والحراس قابعون في أماكنهم، وزادت حيرته حين تكرر الأمر أكثر من مرة، فأدرك أن في الأمر خدعة من لص شديد الذكاء.
اقطع رأسي  يا أخي
بحسب أبورحمة أصدر الملك أوامره للحراس بوضع أفخاخ حديدية للأقدام حول الخزانة، لعلها تنجح في الكشف عن هوية اللصوص، وفي أحد المرات ذهب الأخوين إلى الخزانة كالعادة للسرقة وبينما دخل أحدهما إلى الخزنة لجمع الكنوز، صاح الآخر متألما وقد علقت قدمه بأحد الفخاخ، حاول الأخ تخليص أخاه دون جدوى، وهنا قال له الأخ الأسير في أسى: “لو بقيت هنا سيقبض علي الملك وسيتعرف عليك وعلى باقي الأسرة وسيقتل الجميع، فاقطع رأسي يا أخي وخذها معك حتى لا يستدل الملك على شخصيتي”، رفض الشقيق في بادئ الأمر ولكن أمام إلحاح أخيه وعدم وجود حل آخر فعل، وقطع رأس أخيه وحملها معه عائدا للمنزل، وفي الصباح ذهب الملك للخزانة، واكتشف أن شيئا لم يسرق منها ولكنه دهش حين شاهد جثة بلا رأس، فشعر بالغيظ الشديد لأنه أدرك أنه ما زال هناك لص طليق ولا بد أن يقبض عليه وينال العقاب، فأمر حراسه بأن يعلقوا جثة اللص على أسوار المدينة، ويتحسسوا أخبار الناس فإذا ما حاول أحد إنقاذ الجثة أو لاحظوا أحدا يبكيه فليقبضوا عليه فورا.
انقاذ الجثة
طبقا لما أورده أبورحمة في كتابه، حواديت فرعونية، حزنت الأم كثيرا على مصير جثة ابنها وطالبت أخاه باستعادة الجثة لتدفنها مع الرأس وهددت الابن إن لم يفعل ستذهب للملك وتعترف له بكل شيء نظير تسليمها جثمان ابنها القتيل، وتنفيذا لرغبة الأم  قرر الأخ أن يستعيد جثمان أخيه، من خلال حيلة ماكرة، إذ تنكر في صورة بائع نبيذ وحمل حميره بقرب النبيذ وعند مروره بجانب أسوار المدينة التي تعلقت عليها جثة أخيه، قام بثقب بعض القرب، فتدفق النبيذ منها، وتظاهر بالضيق من ذلك فالتفت الحراس إليه وسارعوا بإحضار أباريق وتلقفوا فيها النبيذ السائل، وراح ينهرهم في غضب مصطنع، وأخيرا تظاهر بالاستكانة، فطيبوا خاطره وأجلسوه معهم وتشاركوا الشراب مرارا، حتى ثمل الحراس تماما وغطوا في سبات عميق، وعندها أخذ الأخ جثة أخاه، وقبل مغادرته قام بحلاقة الجزء الأيمن من رؤوسهم لفضحهم.
أنكر وأمكر الأفعال
يروي أبورحمة اكتشف الملك ما حدث فازداد غيظه لفشله للمرة الثانية في القبض على ذلك اللص الماكر، فلجأ إلى حيلة جديدة بأن طلب من ابنته أن تعلن بأنها ستهب نفسها لأي شخص كزوجة شريطة أن يقص عليها أنكر وأمكر الأفعال التي اقترفها في حياته، فإذا أخبرها بقصة الخزانة والجثة فلتقبض عليه بسرعة، استجابت الابنة لطلب والدها وأذاعت في المدينة أنها ستتزوج أذكى شخص في المملكة شريطة أن يخبرها  بأنكر وأمكر أفعاله على الإطلاق، عرف اللص قصد الملك، وقرر أن يلقنه درسا قاسيا هذه المرة بأن يثبت له أنه قادر على الدخول إلى حجرة ابنته والاعتراف بفعلته دون أن يستطيع أحد القبض عليه، وقبل ذهابه إلى الأميرة قطع ذراع أخيه المتوفى وحملها معه في جوال، وفي جنح الليل تسلل إلى غرفة الأميرة، ليخبرها أنه أذكى شخص في المملكة، وأنه يستحق الزواج بها، فسألته السؤال المعتاد: إذن أخبرني عن أنكر وأمكر الأفعال التي اقترفتها في حياتك؟ فرد عليها قائلا: أما أنكر الأفعال فكان إني قطعت رأس أخي في خزانة أبيك الملك حتى لا يقبض عليه، وأمكر الأفعال إني أسكرت الحراس وسرقت جثة أخي المعلقة على أبواب المدينة، وما أن سمعت ذلك حتى قبضت على ذراعه، وركضت مسرعة إلى أبيها، معتقدة أنها أمسكت باللص، ولكن اكتشفت أنها قبضت على ذراع جثة أخيه، فلقد استطاع في الظلام أن يضع ذراع أخيه في يدها وفر هاربا.
استسلام الملك
يلفت أبورحمة إلى أنه أخيرا اقتنع الملك أنه أمام عقلية جبارة، ذات ذكاء خارق، معلنا استسلامه، فذاع بيانا بالأمان على اللص شريطة أن يحضر ويعده بمكافأة  كبيرة، وحين حضر اللص الذكي أمام الملك، أبدى إعجابه الشديد بذكائه وزوجه من ابنته وعينه كبيرا لمستشاريه ليستفيد من ذكائه، بعد أن أدرك أنه أذكى المصريين على الإطلاق.
تحليل الحكاية

بحسب دون ناردو، في كتابه (الأساطير المصرية)، تشير القصة إلى الذكاء الفطري للمصري حتى وإن كان لصا، بينما يلفت إلى أن تعليق جثة الأخ مقطوعة الرأس كان أمرا غير مألوف في المعايير المصرية، مشيرا الى أن القصة لم تخلو من الجانب الإنساني المتمثل في إصرار الأخ على إنقاذ جثة أخيه حتى تحظى بالدفن والتحنيط، حتى لا يحرم من الحياة الأخروية طبقا لمعتقدات المصريين حول الحياة بعد الموت.
هوامش
1- حواديت فرعونية – محمد ابو رحمة – دار حابي للطباعة والنشر 2005 – من ص 15 إلى ص 20 و ص 237.
2- الاساطير المصري (بي دي إف) –  تأليف: دون ناردو – ترجمة أحمد السرساوي – المركز القومي للترجمة – الطبعة الأولى 2011  ص 125 و126.

الوسوم