من الأدب الفرعوني| كيف أشعلت أفراس النهر أول ثورة مصرية ضد الاحتلال؟

من الأدب الفرعوني| كيف أشعلت أفراس النهر أول ثورة  مصرية ضد الاحتلال؟ الملك أحمس الأول في حربه ضد الهكسوس
كتب -
الصورة المستخدمة في المقالة تحمل رخصة المشاع الإبداعي

“إن أصوات أفراس النهر في طيبة، تقض مضجعي”.. كانت تلك الرسالة التي بعث بها أبوفيس حاكم الهكسوس للأمير سقنن- رع، والتي بحسب الدكتور سليم حسن كانت ذريعة الملك المغتصب لشن الحرب على الأمير الثائر.
يقول حسن إن القصة تصنف على أنها من القصص التاريخية، التي تؤرخ لكفاح المصريين في طيبة “الأقصر”  ضد غزو الهكسوس، الذي راح ضحيته على التوالي سقنن- رع، وكامس، وجاء الانتصار أخيرا على يد أحمس، الذي ثأر لمقتل والده وأخيه، وحرر مصر من قبضة الملوك الرعاة، وبذلك انتهى عصر الاضمحلال الثاني “1650-1550 ق.م”، وأسس أحمس الأول الدولة الحديثة “1560 – 1525ق.م”.
ويشير محمد أبو رحمة، في كتابه “حواديت فرعونية”، إلى أن القصة مدونة في بردية سايه بالمتحف البريطاني، وتعود إلى عهد الملك مرنبتاح “1213-1203ق.م”، وهي قصة تصور كفاح المصريين في أولى ثوراتهم ضد الاحتلال الأجنبي، وأبطالها شخصيات مصرية معروفة، سقنن – رع الأب وكامس الابن، واللذان استشهدا في حرب التحرير وخلفهما الابن الأصغر أحمس، ملمحا إلى الدور الذي قامت به زوجة سقنن – رع (تيتي شيري) من مساندتها لزوجها وأبنائها في قضيتهم العادلة ضد المحتل الغاشم.

الفاجعة

بحسب الدكتور سليم حسن تبدأ القصة بالإشارة إلى الفاجعة التي أصابت مصر في نهاية عصر الدولة الوسطى، وهو ما عرف بعصر الاضمحلال الثاني، حين زحف (الحقا سو) أو الهكسوس، والتي تعني الحكام الرعاة، واحتلوا الجزء الشمالي من مصر، ونصب أبو فيس ملكا على الشمال واتخذ من صان الحجر عاصمة له وجعل من الإله سوتيخ “الاسم المحرف للإله ست إله الشر”، المعبود الرسمي لمملكته، وبحسب سياق القصة فقد فرض أبو فيس سيطرته على معظم المقاطعات المصرية ما عدا طيبة، والتي كان يحكمها في ذلك الوقت سقنن – رع، وكانت تتمتع بنوع من الاستقلالية عن حكم الهكسوس، إذ رفض سقنن – رع أن يحذو حذو أبوفيس ويتخذ من سوتيخ معبودا رئيسيا، وأبقى على عبادة الإله آمون رع، وطبقا لحسن فقد اعتبر حاكم الهكسوس ذلك عصيان ينبئ بثورة مصرية محتملة، وبدأ يخطط لذريعة لقمعها في مهدها.

ذريعة

اجتمع أبوفيس مع قواده ومستشاريه وناقش معهم كيفية إيجاد طريقة للتصعيد مع سقنن – رع وجره إلى حرب مبكرة، فأشار عليه أحد المستشارين بأن يوجد في الجنوب بحيرة جاموس نهري، تحدث أصوات مزعجة أثناء الليل  تصل إلى آذان سكان الشمال وتزعجهم وتمنعهم من النوم، ويشير على الملك بأن يرسل رسولا إلى سقنن – رع ينقل له شكوى أهل الشمال وطلب الملك بأن يقتل أفراس النهر ، فيستحسن أبو فيس الاقتراح ويرسل رسوله إلى الجنوب.

مجلس الحرب

يتابع حسن: وصل رسول ملك الهكسوس إلى طيبة، ويلتقيه سقنن –رع ويعرف من فحوى الرسالة أن حاكم الهكسوس يضعه في اختبار صعب، فإما أن يستجيب إلى طلبه بقتل أفراس النهر وفي ذلك شبه إذعان واستسلام للملك الغازي؟ أو أن يرفض صراحة فتشتعل الحرب؟، يصمت سقنن –رع طويلا أمام الرسول ولم يعطه إجابة  واضحة، وأمر بأن يقدم له الطعام وجميع سبل الراحة، ثم طلب منه العودة إلى سيده، وبعد رحيل رسول الهكسوس اجتمع بقواد جيشه وعرض عليهم الأمر، فيصيبهم الوجوم، ويصمتوا لمدة طويلة، وبحسب سليم حسن فإن الجزء المفقود من الرسالة حمل تصعيدا جديدا من حاكم الهكسوس، كان بداية حرب باسلة خاضها أمراء الجنوب وراحوا ضحيتها واحدا تلو الآخر.

أم وشهيدين وبطل

يلفت الدكتور سليم حسن إلى العثور على بردية من عصر الدولة الحديثة، تحتوي على خاتمة حكاية الصراع بين سقنن رع وأبوفيس، وهو ما عرف اصطلاحا بحرب التحرير أو ثورة التحرير، موردا في كتابه “موسوعة مصر القديمة – الجزء الرابع”، أن سقنن رع كرجل شجاع رفض الخضوع لبجاحة أبو فيس وبدأ في الإعداد لحرب التحرير، وبحسب حسن فقد أوضحت مومياء سقنن رع مدى البسالة التي أظهرها في قتاله ضد الهكسوس، إذ وجد في جسده آثار للعديد من الطعنات والضربات القوية على الرأس والأضلع ليموت كأول شهيد في معركة الاستقلال.

ويلفت حسن إلى أن الشجار نشب بين البطل المصري والمحتل في حوالي “1590 ق.م”، ويخلفه ابنه كامس والذي بحسب الدكتور سليم حسن بدأ الحرب الفعلية ضد الهكسوس وانتصر عليهم في إحدى الوقائع حينما حاولوا الزحف من الدلتا إلى مصر الوسطى فقابلهم بجيشه وأوقع بهم الهزيمة في مكان بالقرب من الأشمونين.

ويشير حسن إلى أن الحروب استمرت سجالا ما بين الهكسوس وكامس على مدار عشر سنوات فترة حكمه، ولكن مات كامس في إحدى المعارك وهو ما أخبرت به موميائه المشوهة بفعل طعنات السيوف، وبعد موت كامس اعتلى عرش المملكة الجنوبية أحمس (1580-1558 ق.م)، والذي استطاع بعد أقل من خمس سنوات مواصلة حروب الاستقلال أن يطرد الهكسوس تماما من مصر، ويعيد توحيد مصر في دولة واحدة بشطريها الشمالي والجنوبي، ويلمح حسن إلى أن معظم النصوص التاريخية ومنها اللوحة الحجرية التي وضعها أحمس بمعبد الكرنك لتخليد أعماله تشير إلى “بلطة أحمس”، والتي بحسب حسن كانت سلاحه الشخصي الذي قتل به ملك الهكسوس.

ويلفت حسن إلى أن أحمس الأول لم ينس والدته الملكة تيتي شيري وخلد ذكراها في لوحة حجرية بمعبد العرابة المدفونة بأبيدوس، منوهًا بأن الملكة المصرية الأم ضربت مثالا وطنيا أولا في الوقوف بجوار زوجها في حربه مع الهكسوس ثم تحملت مصيبة فقده وشاركت ابنها كامس في مواصلة كفاح المصريين حتى استشهد هو أيضا، وبحسب اللوحة الحجرية فقد اهتمت الملكة الأم بشؤون الجبهة الداخلية أثناء اندلاع المعارك بين ابنها الثاني أحمس والهكسوس، وكانت تقوم بجولات بين المدن والمقاطعات لتحريض الشعب على مساندة الملك في حربه لتحرير الوطن، حتى تحقق الاستقلال.

هوامش

1- الأدب المصري القديم “بي دي أف” – دكتور سليم حسن – مهرجان القراءة للجميع 2000 – من ص 105 إلى 109.
2- موسوعة مصر القديمة من ص 127 – ص 211.

الوسوم