من الأدب الفرعوني|”لاتسخرن  من أعمى”.. رسالة “أمونمبي” للعالم ج(2)

من الأدب الفرعوني|”لاتسخرن  من أعمى”.. رسالة “أمونمبي” للعالم ج(2)
كتب -

(16) لا تطففن الموازين
” لا تتلاعبن بكفتي الميزان ولا تطففن الموازين، ولا تنقصن من أجزاء مكاييل الغلال، ولا تصنعن لنفسك موازين منقوصة، وإذا رأيت إنسانا يغش وجب عليك أن تمر به مبتعدا، وما فائدة عباءة من نسيج “مك “نوع مختار من الكتان” إذا كانت ضلالا أمام الإله، وإذا كانت قشرة الذهب توضع فوق السبيكة لتظهرها ذهبا خالصا فأنها في الفجر تكون من قصدير”.

(17) لا تكن ظالما

“لا تكن ظالما ويدك تكيل بالحق، لأن المكيال هو عين رع، وما يمقته هو الرجل المدلس، ولا تتسلمن جزية الفلاح منه حصاده ثم تعقد وثيقة ضده ليضار، ولا تتآمرن مع كيال الغلال”.

(18) لا تقولن ليس لي جريمة

” لا ترقد في الليل متخوفا من الغد وعندما يطلع النهار فما شكل الغد؟ إن حوادث الغد في يد الله، ولا تقولن ليس لي جريمة، ولا تجهدن نفسك في البحث عن شجار، وكن حازما في قلبك وثابتا في عقلك”.
ويلفت حسن أنه ورد في سفر الأمثال في الفصل 20 “من يقول زكيت قلبي تطهرت من خطيئتي” والتي تقابل قول “امونمبي” (لا تقولن ليس لي جريمة)، كما ورد في الفصل 17 من سفر الأمثال “شفتا الجاهل تدخلان في الخصام وفمه يدعو إلى التضارب”.

(19) قل الصدق

” لا تدخلن قاعة المحكمة قبل نبيل ثم تزيف كلماتك، ولا تتذبذبن في جوابك، عندما يكون أشهادك قد وقفوا، ولا تخترعن في إيمانك بربك، قل الصدق أمام الشريف (القاضي)”.

(20) إياك والرشوة

“لا تقبلن هدية رجل قوي(رشوة)، ولا تظلمن الضعيف من أجله، لأن العدل هبة عظيمة من الله، لا تؤلف لنفسك وثائق مزيفة، لأن ذلك خيانة عظمى تستحق الإعدام، لا تزيفن الدخل في دفاترك، وبذلك تفسد تدابير الإله، ولا تجلبن على نفسك غضب الإله، وابغ الحياة لنفسك”.

(21) التمساح الصامت

“لا تقولن أوجد لي رئيسا قويا لأن رجلا في مدينتك قد أضر بي، ولا تقولن أوجد لي مخلصا لأن رجلا يكرهني قد أضر بي، وفي الحق أنت لا تعرف تدابير الله، فاجلس بين يدي الله، وحلمك سيتغلب عليك، والواقع أن التمساح الصامت، يكون الفزع منه شديدا، ولا تفضين بقرارة نفسك لكل إنسان، والرجل الذي يخفي أخباره في نفسه، خير من الذي يفشي شيئا يضره”.
ويقابل  الثلاثة سطور الأولى من المقطوعة السابقة، الفصل رقم  20 من سفر الأمثال “لا تقل أجزى على الشر بل انتظر الإله ليخلصك” بحسب حسن، كما أشير في سفر الأمثال إلى السطرين الأخيرين في كتاب الأمثال بقوله “الساعي بالنميمة يفشي الأسرار “.

(22) كن هادئا

” لا تتآمرن ضد قرنك في المحاورة، ولا تجعلنه يخبر حديث القلوب، كن هادئا وعندئذ تأتي معرفتك، ودعه لنفسه حتى يفرغ ما في قرارة جوفه، أقبض على قدميه ولا تحقرنه (بالعامية :جر رجليه )، خِفه ولا تهمله”.

(23) لا تكن أول من يلوك

“لا تأكلن الخبز في حضرة شريف، ولا تكن أول من يلوك فمه، وإذا كنت مرتاحا للمضغ الكاذب ( أي مضغ الخبز الذي أتى عن طريق الغبن)، فان ذلك يكون مجرد تسلية لريقك (وتقابل في العامية: مسح زور والمعنى أنه لن يشبعك)، انظر إلى الوعاء الذي أمامك، واجعله يكفي حاجتك”.

(24) الضمير فم الإله

“لا تصغين إلى أجوبة شريف في بيت ثم تنشره إلى آخر في الخارج، ولا تجعلن كلامك يذاع في الخارج، حتى لا يتألم قلبك، وقلب الرجل (ضميره) هو منقار الإله تحوت (إله الحكمة والمعنى أن الضمير فم الإله أو كلامه)، فاحذر من أن تهمله”.

(25) لا تسخرن من أعمى

“لا تسخرن من أعمى ولا تهزأن من قزم، ولا تفسدن قصد رجل أعرج، وتُحفِظنّ رجلا في يد الله (ما يعبر عنه الآن بالمجذوب)، إذ الواقع أن الإنسان من طين وقش (مادتا صنع اللبن)، والله مسويه”.
وبحسب حسن فقد ورد في الفصل 17 من سفر الأمثال “المستهزئ بالمعوز يعيّر صانعه والشامت للعطب لا يتزكى”.

(26) آداب الأماكن العامة

“لا تجلسن في الحانة(بيت الجعة) وتخالط من هو أكبر منك مقاما (وظيفة)، اصطحب من في مرتبتك، مد يد المساعدة لرجل مسن، إذا كان قد ثمل بالجعة، واحترمه كما يحترمه أولاده”.

(27) شاب آخر قد سب مسنا

“لا تلعنن أكبر منك سنا لأنه شاهد رع قبلك، ولا تجعله يتهمك إلى قرص الشمس، قائلا: شاب آخر قد سب مسنا، لأنه مؤلم جدا أمام رع، دعه يضربك بيده في صدرك “.

(28) الله يحب سعادة المتواضع

“لا تسألن عن شخصية أرملة عندما تقبض عليها في الحقل، ولا يفوتنك أن تتذرع بالصبر لإجابتها، ولا تمرن على غريب بإناء زيتك، بل أجعله يتضاعف أمام إخوانك (بمعنى الأقربون أولى بالمعروف)، وأن الله يحب سعادة المتواضع (بمعنى أن الله يحب إدخال البهجة والسرور على قلوب المتواضعين أي الفقراء).

(29) عبور النهر

” لا تمنعن أحدا من عبور النهر ، عندما يكون في قاربك مكان، ولا تصنعن لنفسك معبرا على النهر، ثم تجاهد بعد ذلك لتجمع أجره، خذ الأجر من الرجل صاحب الثروة، ورحب بمن لا يملك شيئا”.

(30) الخاتمة
” تأمل لنفسك هذه الفصول الثلاثين فأنها تمتع وتعلم، وهي تفوق كل الكتب، فهى تعلم الجاهل، فاملأ نفسك بها وضعها في قلبك، لتكون رجلا يعرف تفسيرها (عندما تعرفها تماما)، وتكون مفسرا لها كمعلم، أما من حيث الكاتب المدرب في وظيفته، فإنه سيجد نفسه أهلا لأن يكون من رجال البلاط وهذه نهايته (أي مبتغاه النهائي) ، كتبه (سنو) بن الكاهن (بمو)”.

ويلمح حسن إلى تطابق الفصل الأخير من تعاليم أمونمبي مع سفر الأمثال والذي يورد: “ألم أكتب إليك ثلاثين فصلا من المشورة والعلم”.

صبغة دينية
ويتفق سليم حسن مع سبيجل في أن الغرض من هذه التعاليم يرمي إلى الترقي في سلم الوظائف الكبيرة في بلاط الحكم، ويلمح حسن إلى أنه واضح من سياق التعاليم أن أمونمبي تأثر بالخلفية الدينية لوالده الكاهن، ما صبغ التعاليم بصبغة دينية، بدت واضحة في ربطه بين تحقيق فضائل العدل والمساواة وحفظ الحقوق وإطعام الجائع، وبين رضى وسخط الإله، وبالرغم من ذكره عدة آلهة إلا أنه لا يفوت فرصة إلا وأشار إلى الإله الأعظم الواحد  وخاصة عندما يعبر عنه بكلمة (الله)، الذي اعتبره أمونمبي مدير دفة الكون وعلى الإنسان أن يقر بنقصه أمام كمال الإله، فلا يخاف غيره.

المثل الأعلى

ويلفت حسن إلى أنه من قراءة التعاليم يتضح أن الصورة المثالية التي رسمها أمونمبي للرجل الناجح والساعي لأن يكون في دوائر الحكم العليا، هو الرجل المتواضع المعتدل في حياته، ونقيضه هو الرجل الأحمق، الحاد الطبع، المندفع، المتوحش، الغضوب، ملمحا إلى أن التعاليم اعتبرت أن المثل الأعلى في الحياة هو (الصمت).
ويشير حسن إلى أن التعاليم حوت قواعد مفصلة حول السلوك الإنساني والآداب العامة والحقوق العامة والخاصة، وكان من أهمها حقوق ذوي الاحتياجات الخاصة من أصحاب الإعاقات الجسدية أو الذهنية، والحق العام في عبور النهر، وحفظ حدود الأراضي وحرمة غش الموازين وتغليظ عقوبة الرشوة بالإعدام.

سفر الأمثال مقتبس من التعاليم
ويؤكد حسن على أن تقسيم التعاليم إلى فصول مرقومة، فريد في المتون الهيراطيقية، ولم يعثر إلا على مثل أخر مشابه في بردية ليدن والتي حوت تعاليم مقسمة إلى 25 فصلا في الحكم الخُلقية، ويعتقد حسن أن التعاليم كتبت بأسلوب شعري بلا وزن أو قافية، واعتمدت على المقابلة في  الأبيات لإحداث التأثير الشعري، منوها إلى أن سطور التعاليم مكونة من مقطوعات، وكل مقطوعة مكونة من سطرين أو أربعة أسطر، وما شذ عن ذلك أتى بسبب حذف سطر أو إدماج سطرين في سطر واحد أو كتابة سطر واحد في سطرين.
وبحسب المقارنة التي أجراها حسن بين التعاليم وكتاب سفر المثال اليهودي، استنادا إلى آراء كل من أرمن وزيته وهيوبرت جريم، البحث المستفيض الذي أجراه جرسمان، يعتقد حسن أن كتاب سفر الأمثال قد استعار أمثاله من كتاب أمونمبي، والرأي القائل قد أخذ من غيره ثم استعير منه سفر الأمثال لا يستند على حجة قوية.
هوامش
الأدب المصري القديم – سليم حسن – الهيئة العامة للكتاب ( مهرجان القراءة للجميع 200 ) – من ص 231 إلى ص 280.

الوسوم