منذ العشرينات.. قرية النزلة تحتفل بنجاتها من “الكوليرا” بيوم الصدقة والنذور

قرية النزلة؛ الجميع هنا على أهبة الاستعداد في يوم “الصدقة أو النذور” حيث تلاحظ حركة ونشاطا غير عاديين، فالكل يعرف مهامه المكلف بها ضمنيًا، باتفاق متجدد تلقائيًا منذ أكثر من 90 عامًا تتوارثه الأجيال بالقرية، حيث رحيل مرض الكوليرا “الطاعون” وبقاء النذور حتى الآن.

كانت الساعة الـ9 صباحًا يوم الجمعة الموافق 30 نوفمبر بمنزل الأستاذ مدحت عباس، موظف، أحد أبناء القرية، حيث كان إعداد الطعام يجرى على قدم وساق، كأغلب منازل القرية في هذا اليوم “يوم النذور” والرجال يستعدون للذهاب لصلاة الجمعة بمسجد الكبير، أقدم وأكبر مسجد بالقرية، الذي تقام أمامه وليمة النذر بهذا اليوم، بينما كان الأطفال في قمة الفرحة والتحرق شوقا لبدء الاحتفال بهذا اليوم.

بعد أداة صلاة الجمعة يذهب الرجال لمنازلهم عائدون، كلٍ بصينية متوسطة الحجم أو “طبلية” (منضدة صغيرة يستخدمها الناس في الصعيد لتناول الطعام) بها الطعام المتوفر في المنزل، الذي قد يكون لحوما وأرزا وخضارا، وأخرى فطائر أو ألبان جبن أو عسل “طعام فلاحي”، وفي تلك اللحظة لا تستطيع أن تميز أي صينية تتبع أي رجل، فجميع الموائد تمتزج ببعضها البعض، والكل يتناول الطعام دون تفرقة بين العائلات والأطفال والفقراء والأغنياء، ففي يوم النذور تختفي كل الانتماءات الاجتماعية.

يقول مدحت عباس، مستضيف “محررة ولاد البلد” خلال 6 ساعات، إن الاحتفال يتكرر سنويًا في الموعد نفسه، آخر جمعة من شهر نوفمبر، وأحيانًا توافق أول ديسمبر، ويتم تقديم موائد الطعام من كل نزل أمام المسجد الكبير وفاءًا للنذر، حين تم شفاء أهالي القرية من مرضى الكوليرا والطاعون في 1905، كما نسمع من أجدادنا منذ عشرات السنين.

محمد ثابت، معلم أول بإدارة نجع حمادي التعليمية، أحد أبناء القرية، 54 عامًا، يقول إن أهالي القرية حين أصيبوا بالمرض منذ أكثر من 90 عامًا، كانوا يتضرعون إلى الله لنجاتهم من تلك المرض المهلك، وعلى رأسهم الشيخ محمد أحمد عويس، أحد أبناء القرية، ودعى أهل القرية للتصدق والدعاء إلى الله مستشهدًا بحديث النبي صل الله عليه وسلم “داووا مرضاكم بالصدقات”.

ويروي الحاج عبدالعال محمد، أحد أباء القرية، 60 عامًا، أن الله استجاب لدعاء أهالي القرية ومنذ ذلك اليوم وفي موسم حصاد القمح والبرسيم المتزامن مع أواخر شهر نوفمبر وأوائل شهر ديسمبر نقوم بالوفاء بالنذر الخروج بالموائدة والصدقات، حتى أن بعض الأهالي حاولوا الاستمرار بها بطريقة أخرى عن طريق جمع 100 جنيه من كل منزل وإعطائها للفقراء، ولكن الجميع رفض، لأنها أصبحت عادة تجمع أهالي القرية وتنشر الحب والتسامح بين أبناء جميع العائلات وتزيد من ترابطهم.

ويضيف عبدالرحيم يونس، موجه أول بإدارة نجع حمادي التعليمية، أحد أبناء القرية، 54 عامًا، أنه تم اختيار هذا المكان تحديدًا لأن المسجد أقدم وأشهر مسجد بالقرية، لافتًا أن قديمًا كانت القرى المجاورة والعزب والنجوع التابعة للشرق بهجورة توفي أيضًا بهذا النذر، ولكن بدأت تتساقط تلك العادة مع الزمن، إلا أن قريتنا مازالت تحافظ عليها باعتبارها عادة تراثية.

وتابع القط عبدالودود، ملاحظ بطلمبات نجع حمادي، أحد أبناء القرية، 55 عامًا، بأنه لا يشترط أن يكون الأكل المقدم لحوما، وإنما كل ما يجود به المنزل من خير، بحسب القدرة المادية، حيث تتنوع الموائد ما بين اللحوم والفطائر والطعام الفلاحي وغيرها.

وفي نهاية اليوم بقرية النزلة بالشرقي بهجورة؛ أبى أهالي القرية السماح لنا بالخروج دون تناول الطعام، قبل أن يلحوا في دعوتنا للقدوم العام المقبل، مؤكدين أنهم يورثون هذه العادة لأولادهم وأحفادهم، مهما تصاعدت الظروف الاقتصادية عليهم من غلاء المعيشة.

الوسوم