ملو – خية.. أكلة الملوك والشعب

ملو – خية.. أكلة الملوك والشعب

“مَلّو – خية” هذا ما قاله الهكسوس للمصريين القدماء قبل رحيلهم عن مصر، و تعني ” كلوا السُمّ” باعتبار الملوخية نبتة مجهولة وسامّة بحسب الاعتقاد السائد وقتها، بعدها اكتشف المصريون أنّها نبتة صالحة للأكل وطوّروا طريقة تناولها وأضافوا لها المياه الباردة والملح، ولأن قوامها يشبه الزلال كان تناولها يتطلّب استخدام اليد في حركات دائريّة أثناء تناولها بلقيمات الخبز القاسي، فأطلق عليها المصريون القدماء “شَلَوُلَوُ”.

وجاء في كتاب “ملامح القاهرة في ألف سنة” لجمال الغيطاني، أن الحاكم بأمر الله أصدر بعض القرارات التي سخر منها التاريخ، من بينها منع أكل الملوخية، ولكونه حاكم اشتهر بتصرّفاته الغريبة، حكم مصر زمن الدولة الفاطمية في القرن الحادي عشر، قيل إنّه منع المصريين من تناولها إدراكًا منه لفوائد الملوخيّة، وحتّى يحول دون انغماس الرجال والنساء في الملذّات، فأطلقوا عليها “مُلُوكيّة” نسبة إلى أن تناولها كان قاصرًا على الملوك فقط.

وقيل أيضًا إنّ الحاكم بأمر الله أمر بمنع أكل الملوخية لأن المصريين كانوا يأكلونها دون غسلها فيصيبهم الإعياء الشديد، إلا أنها ساعدت على شفاء ابن المعز لدين الله الفاطمي من قرحة المعدة.

بعد اتهام الشعب للحاكم بأمر الله بالجنون وإحراقه لمصر، وخلاص أخته  “ست الملك” منه، أباحت كل ما حرّمه الحاكم في حياته، ومن المحظورات التي أباحتها كان أكل الملوكيّة، حتى حرفها الشعب إلى ملوخية، وأضافوا لها التوابل.

أما في الأرياف فكان يطلق على طبق الملوخية اسم الشريفة، نسبة إلى أشراف القوم وسادتهم والأثرياء، لكون الملوخية يدخل في طهيها مرق اللحم، وهو أمر لا يُتاح لعدد كبير من الناس.

أمّا ما قيل عن “شهقة الملوخية” فكثرت فيه الأقاويل، منها أن إحدى السيدات قررت تحمير الثوم بدلًا من وضعه على حاله بالملوخية ، ثم أضافته إليها فأصدر صوت يمكن التعبير عنه بهذه اللفظة “طَشَّة” فشهقت منها خوفًا ولكنها أعطت مذاقًا رائعًا فارتبطت بها.

إلى أن البعض يرجع أصل الشهقة إلى أن طباخ أحد الملوك في مصر تأخر في المطبخ أثناء إعداده للملوخية، فخشي من أن تقطع رقبته، فلما دخل عليه أحد الحراس لاستعجاله فشهق أثناء وضعه للثوم المقلي، و لكنها نالت إعجاب الملك و كافئ الطباخ عليها.

أما عن جلسة القرفصاء التي ارتبطت بالملوخية والطبلية (طاولة خشبيّة مستديرة لها أربعة قوائم قصيرة تستخدم لتحضير الطعام أو تناوله) والمخرطة (سكين من المعدن مقوّسة تستخدم في خرط أوراق الملوخيّة)، فخرط أوراق الملوخية يحتاج وقتًا طويلًا قبل أن تصبح جاهزة للطبخ، لذلك تستخدم ربّات البيوت هذه الجلسة التي تتناسب مع أدوات التحضير، والطبلية الخشبيّة تساعد على التخلّص من الماء المتبقي من غسل أوراق الملوخيّة.

من الأدوات المصاحبة أيضا لها، “المدشّة ” أو الهُّون، وهي أداة بدائيّة من قطعتين، وعاء وقطعة مستقيمة قصيرة، كانت تصنع من الحجارة ثم الخشب والمعدن، وتُستخدم لطحن التوابل والثوم، وهي معروف بالغة العربية في المعاجم ويعني العذاب، أما المدشّة في الأرياف، والتي تعني الشيء القادر على دَشّ الشيء أي كسره.

وأشهر ما قيل في الأمثال عن الملوخية “مسيرك يا ملوخية تيجي تحت المخرطة”، وهو مثل يشير إلى حتمية وقوع أمر ما، لأن الملوخيّة لا تؤكل إلّا إذا تم خرطها.

والست ماجدة، التي تكنى بأم أحمد صلاح، أفضل من يعد طبق، المتوارث عن نساء العائلة، التي تقطن بمنطقة السيد عبدالرحيم القنائي بقنا.

و تشرح لنا طريقة إعداد الملوخية كالآتي:

بدأت الست ماجدة شرحها بالإشارة إلى قطف أوراق الملوخية، وغسلها، وتركها على قطعة قماش لتجف، بعدها تُجمع الأوراق على صينية، ثم جلست القرفصاء أمام الطبليّة، منظمة حركة رأسها مع إيقاع المخرطة على أوراق الملوخية، وبجوارها سكين أو ملعقة تستخدمها لإزالة الأوراق العالقة بالمخرطة وتعيدها لسطح الطبلية.

تقول ماجدة، إنّ الملوخية من الأكلات التي يفضلها الجميع والتي عادة ما ترتبط بطهي اللحم أو الدجاج أو أي نوع من أنواع اللحوم، الأمر الذي يترتّب عليه إنتاج المرق الدسم الذي يُكسب الملوخيّة نكهة مميّزة غنيّة، وعادة ما يرتبط طهي الملوخيّة بأيام الخميس والجمعة، إضافة إلى الولائم أو الأعراس.

بعد الانتهاء من خرط الملوخية، تقوم ماجدة بوضع ملعقة من الثوم في قدر على النار مع ملعقة سمن، وتقلبها حتي تصبح ذهبية اللون، وتضيف القليل من المرق، وتضع بعد ذلك الملوخية المخروطة، وتقلبيها بالشوكة حتى تتفكك في المرق المغلي، وتنتظر أن يصبح القوام متجانسًا، ثم تضيف كميّة أخرى من المرق إذا كان قوامها بحاجة لذلك.

وبعد وصول المزيج لنقطة الغليان، تُطفئ الست ماجدة نار البوتاجاز، وتحمر ملعقة من الثوم المفروم مع الكزبرة اليابسة المطحونة (نوع من التوابل)، وتحمرها في قدر مع ملعقة سمن لتصبح ذهبية اللون، وبينما تحمر الثوم على النار تنخفض درجة حرارة مزيج الملوخيّة بعض الشئ، وعندما يميل لون الثوم للأصفر الذهبي تضيفه لمزيج الملوخيّة، وهذا ما يُعرف بـ”الطشّة”، أما عن الشهقة فأخذت تضحك ماجدة وقالت إنها لم تفعلها قط، وإنما يكمن السر في مهارة الطاهي فقط لا غير.

الوسوم