ولاد البلد

ملف| فؤاد حداد: «ألفين سنة ويفضل كلامي جميل»

ملف| فؤاد حداد: «ألفين سنة ويفضل كلامي جميل» فؤاد حداد

عندما توفى فؤاد حداد في الأول من نوفمبر عام 1985 لم يلق خبر وفاته الاهتمام الكافي واللائق بقيمته من قِبل الإعلام الرسمي للدولة، مما دعا كاتب بحجم أحمد بهاء الدين أن يكتب: “مات خليفة بيرم التونسي والذي طور الشعر الشعبي كما لم يطوره أحد. مات أقل شهرة من أي مؤلف أغان لأنه قضى ما يقرب من ثلث حياته في السجون، ولأنه لم يكتب إلا عن قضايا الشعب ولم يغمس قلمه إلا في تراثه”. وكتبت فريدة النقاش تقول: “قبل وفاة فؤاد حداد بثلاث أعوام قطعت الإذاعة الفرنسية إرسالها وقامت حالة طوارئ في مقر الإليزيه حين توفى الشاعر الفرنسي لويس آراغون وأعلنت الدولة الفرنسية الحداد الرسمي ورثت الرئاسة الفرنسية الشاعر الفرنسي العظيم بكلمات بليغة بالرغم من أن آرغون كان عضوا في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الفرنسي وهو حزب خارج السلطة ومعارض لها وقبل أيام سقط شاعر مصري عربي عظيم ميتا دون رعاية ودون الستين هو فؤاد حداد”.

فؤاد حداد

مات فؤاد حداد بعد شهور من وفاة الرسام حسن فؤاد وبعد وفاة فؤاد حداد بشهور مات أيضا صديقه الشاعر صلاح جاهين وجميعهم ماتوا قبل الستين. هذا الجيل الذي عاش مع الحروب وعايش معارك عزل الملك وإخراج الإنجليز والتحولات الكبرى والثورات وكان إنتاجه معبرا عن ذلك، كتب فؤاد حداد أول دواوينه بعنوان “أحرار وراء القضبان” وكان العنوان الحقيقي لهذا الديوان هو “افرجوا عن المسجونين السياسيين”، ولكن تم تغيير عنوانه لرفض الرقابة العنوان الأساسي وكان هذا الديوان من منشورات “دار الفن الحديث”، والتي أسستها منظمة حدتو عام 1950 وأشرف على إدارتها ابراهيم عبدالحليم، شقيق الشاعر الكبير كمال عبدالحليم. أصدرت تلك الدار أعمالا قليلة لكن كان لها تأثيرا كبيرا في تاريخ الثقافة المصرية، ومنها أيضا قصيدة عبدالرحمن الشرقاوي “خطاب مفتوح من أب مصري للرئيس ترومان”، وديوان كمال عبدالحليم “إصرار” وديوان معين بسيسو “المعركة”. وظهرت بصمات الفن التشكيلي في إخراج الكتب. فقد عرفنا من خلال “دار الفن الحديث” فنانين تشكيليين قاموا بإثراء الحركة الفنية الثقافية مثل، حسن فؤاد وسمير رافع وزهدي. وحسن فؤاد هو من قام بتصميم غلاف الديوان الأول لفؤاد حداد أما ديوان فؤاد حداد الثاني فكان “حنبني السد” وكتبه بعد خروجه من المعتقل عام 1956. وقد صمم غلافه الشاعر الكبير صلاح جاهين وكان هذا الديوان من إصدار “دار الفكر” التي تأسست عام 1955 بواسطة الشقيقين ؟إبراهيم وكمال عبدالحليم وأدارها وأشرف على النشر أيضا إبراهيم عبدالحليم، وكان الديوان هو الثاني ضمن سلسلة “الفن في المعركة” التي أصدرها دار الفكر بينما كان الديوان الأول من تلك السلسلة هو ديوان “موال عشان القنال” لصلاح جاهين.

الديوان الأول

وفي الصفحة الأخيرة لديوان فؤاد حداد الأول “أحرار وراء القضبان” قامت دار الفن بكتابة أول تعريف للقارئ العربي عن الشاعر الشاب فؤاد حداد فكتبت بالنص :”فؤاد حداد شاعر شاب في الخامسة والعشرين اختار الزجل كوسيلة لتسجيل أحاسيسه وآمال وطنه، بدأ يفكر ويكتب في أحرج مرحلة من تاريخ الإنسانية الحرب العالمية الثانية كان يسمع عن الحرب والدمار وعن الفاشية وخطتها الجهنمية لاستعباد الشعوب وكان يحس مثل أبناء وطنه بآمال هذا الوطن في الحرية وفي حياة جديدة.. وكان فوق كل هذا يحس بقلبه وهو ينبض بنبضات الحب الأولى – حب الحياة وحب الناس- وكانت هذه الأحاسيس هى مادة أشعاره الأولى “الحرية- السلام- الحب الإنساني” لم يقنع الشاعر الحر بالانزواء في بيته أو في ركن مقهى ليخرج قصائده وشعر بحاجته للنزول إلى الشارع والناس فاختار مكانه بين الطليعة الجديدة “اللجنة الوطنية للطلبة والعمال” التي قادت كفاحنا الوطني ضد مؤامرات صدقي وغيره لبيع وطننا للمعسكر الاستعماري. ذاق فؤاد حداد مع الكتل الشعبية حلاوة النصر وأهتز لدماء رفاقه التي سالت وازداد إيمانه والتصاقه بالجماهير واعتبرها كما يتضح في إنتاجه مصدر الحياة للشعر والشاعر”.

وكانت كلماته في هذا الديوان تلهب مشاعر المساجين السياسيين في المعتقلات فكانوا دوما يرددون في صوت واحد:

إحنا الجنود إحنا العرق

إحنا الكتابة على الورق

إحنا اللي بنمشّي الزمن

 دخل فؤاد حداد السجن وقضى سنوات طوال، فقد اعتقل مرتين الأولى من 1953 إلى 1956 وأفرج عنه خلالها لمدة شهرين فقط عام 1954، والثانية من إبريل 1959 إلى إبريل 1964. وشاهد وكتب شعرا في السجن ومعظمه لم ينشر. وقد ألف حداد العديد من القصائد ولم يكتبها ولكنها ظلت في ذاكرته وذاكرة رفاقه ولم يخرج منها للنور إلا القليل بمحض إرادته لأسباب تتعلق بخشية استغلال البعض لقصائده للهجوم على الحقبة الناصرية والتي كان يؤيدها في المجمل. وقد كتب أجمل قصائده عنها ومنها قصيدة “لابد من يوليو” التي كتب أجزاء منها في المعتقل في الفترة (1959-1964) ونشرتها مجلة آخر ساعة في يوليو عام 1965 مصحوبة برسومات الفنان زهدي، ومن أشهر القصائد التي كتبها في المعتقل هى ملحمته عن استشهاد شهدي عطية الشافعي وهى أيضا لم يخرج منها للنور سوى القليل وبها تفصيل لأسماء كل من اشترك في هذه الجريمة، ومن المواقف الطريفة التي تروى عن فؤاد حداد أثناء وجوده في المعتقل هو ما كتبه عن الفنان زهدي، حين استطاع زهدي أن يهدئ الجو ويكسر شوكة الضباط المشرفين على عمليات الضرب والتعذيب بأن يقنعهم أنه في استطاعته أن يصنع لهم تماثيل لو كانت لديه كميات كافية من الجبس، فتولى الضباط إحضار جوال من الجبس ليقوم زهدي بهذه المهمة وبطبيعة الحال كان نحت التمثال يقتضي أن يجلس الضابط صامتا لا يتحرك بينما يقوم زهدي بتشكيل عجينته. وكان زهدي ينتهز الفرصة ليعرف الضباط بأقدار وشخصيات المعتقلين وفي أحد الأيام قدّم أحد الضباط زجاجة بيبسي لزهدي وكان ذلك ترف ما بعده ترف بالنسبة لمعتقل سياسي وقد ألف فؤاد حداد قصيدة في هذا الموقف قال فيها:

لو أنحت جبس

كنت أشرب ببس

في العنبر

وفؤاد حداد القاسي

يكسر سبع كراسي

ولا يشرب ببس

في العنبر

وفي عام 1983 أصدر فؤاد حداد ديوانه  “استشهاد جمال عبدالناصر” وهى قصيدة رثاء طويلة كتبها فؤاد حداد على جزأين، الأول بعنوان: “مصر وجمال” في نوفمبر 1970، والثاني بعنوان: “لازم تعيش المقاومة ” في يناير 1971. وتزامن ذلك مع صدور ديوان صلاح جاهين” أنغام سبتمبرية”  فكتب صلاح جاهين في مقدمة ديوانه أنغام سبتمبرية: “هذا العمل يظهر بعد رائعة فؤاد حداد “استشهاد جمال عبدالناصر” فما أخوفني من المقارنة لأنه أشعر مني وأرحب وأكثر تدفقاَ. ولكني أشطر منه – كما قال لي ذات يوم – لأني أقص قماش الشعر بمقص خياط على المقاس.. نبقى خالصين ومرة أخرى نتزامل في نشر مجموعاتنا الشعرية كما نفعل في الأيام العظيمة الماضية”.

وبعد وفاة فؤاد حداد رثاه جاهين في نعي في جريدة الأهرام قائلا: “صلاح جاهين ينعى بقلب جريح صديق عمره وأستاذه فقيد الفن والأدب ومصر والعروبة الشاعر الكبير فؤاد حداد”، وربما أصدق ما كتب عن فؤاد حداد هو ما كتبها أحمد بهاء الدين: “أن فؤاد حداد من الذين سيصبح حجمهم الفني أضخم مائة مرة بعد وفاته وهو من الذين كتبت الأقدار أن لا يشهدوا تمجيد إنتاجهم ودراسته والتغني به وتخليد صاحبه”.

اقرأ أيضا

حكايات مجهولة عن المسحراتي: صلاح جاهين أراد أن يغنيها

شعراء عن صاحب «المسحراتي»: والدنا.. الذي خرجنا جميعا من عباءته

الوسوم