ولاد البلد

ملف| جمال الغيطاني.. الرحلة الأدبية

ملف| جمال الغيطاني.. الرحلة الأدبية جمال الغيطاني

لا يحتاج جمال الغيطاني إلى مناسبة للاحتفال به، وإن توفرت المناسبة حيث يمر هذا العام خمس وسبعون عاما على ميلاده. ترك الغيطاني مشروعا أدبيا ضخما، متنوعا ما بين الرواية والقصة، والكتابة النصية المفتوحة، والرحلات والمقالات الأدبية والسياسية.. مشروع يحتاج إلى مئات من الدراسات النقدية لمحاولة كشف أسراره الفنية العديدة، ولغته الفارقة، ومحاولاته تقديم رواية عربية، تعي جيدا التراث الضخم للكتابة السابقة، وتحاول أن تحفر لنفسها خطا مختلفا ومميزا عما هو كائن بالفعل، وليحقق الغيطاني ذلك المشروع لجأ إلى نصوص مجهولة من بين كتب التصوف، والحوليات، والسحر المنسية، بحثا عن صوته الخاص، وفي كل تلك الرحلة لم ينفصل عن واقعه، بل كان يكتب به وعنه.

كتابة الغيطاني

تعتبر الكتابة لدى صاحب” الزيني بركات” إعادة بناء للذاكرة أو محالة ترميمها. الكلمات هي وسيلته للبناء، هكذا يستعيد الأب الغائب، أو يعيد بناء مبنى احترق مثل المسافر خانه، أو نصوص لم تعد موجودة، أو أغنيات ضاعت في زحمة النسيان، أو ما يسميه هو ما كان كيف يمكن أن يكون؟ في لحظة أخرى!

منذ البداية كان هم الغيطاني الرئيسي هو البحث عن صوته الخاص، نبرته التي لا تختلط بالآخرين، بدأ رحلة مجاهدة بحثا عن تلك النبرة الخاصة، وفي الوقت ذاته خصوصية همها التجريب الدائم، لا تستقر إلا لتخرج على نفسها.

عندما أنهى الغيطاني قصته القصيرة «المقشرة» ذهب بها إلى عبدالفتاح الجمل، أحد القامات الكبيرة في الصحافة والثقافة، وكان مسؤولا عن تحرير ملحق المساء الثقافي، قرأ الجمل القصة مرة واثنتين. ثم اعتلى مكتبه فرحا. قال للغيطاني: «يا ابن الإية.. أنت فتحت سكة جديدة في القصة القصيرة».. كان الزمان وقتها مختلفا، أيام قليلة بعد هزيمة 67، جيل جديد غاضب يبحث عن طريق آخر مختلف عن الطرق التي سبقته، وقصة الغيطاني غاضبة، وكان قد خرج من المعتقل السياسي قبل شهور من الهزيمة، الرقابة تحكم قبضتها الشديدة على كل منافذ الإبداع. القصة الغاضبة نشرها الجمل على الفور. وأخبر الرقيب يومها أن هذا الأديب الشاب وجد مخطوطا تراثيا قديما يكتب عنه. في ذلك الوقت، كان كل الكتاب يتجهون إلى الكتابة وفق نموذج غربي بحت. نموذج يشبه «السرير اليوناني» في الأسطورة الشهيرة، ولكن الغيطاني كان يبحث عن هذا الاختلاف والنبرة الخاصة، وهو ما وجده في تلك الأيام في النصوص القديمة، غير المطروقة، سواء محاضر المحاكم الشرعية، والملاحم الشعبية، وابن إياس وطبعا ألف ليلة من البداية. وكان يمكن أن يرتكن الغيطاني إلى اكتشافاته اللغوية والشكلية تلك، ولكنه لم يتوقف عندها طويلا.

جمال الغيطاني
جمال الغيطاني
محطات حياتية

في رحلة الغيطاني الأدبية محطات هامة، منذ البداية في مجموعته القصصية «حكاية شاب عاش ألف عام». وحتى روايته الأخيرة «حكايات هائمة»، كان الهم السياسي طاغيا، لا فكاك منه، جيل يحاول تغيير العالم الذي لا يتغير، الذات تختفي لمصلحة القضايا الكبرى، في رواية التجليات بدأ ظهور خافت للذات، لم يستطع الغيطاني وهو يكتب نصا بديعا في رثاء والده، إلا أن يعود إلى عبدالناصر والحسين بن علي ليكتب عنهما!

بدأ الغيطاني مبكرا التمرد على «القضايا الكبرى»، ربما بسبب اطلاعه على الحقائق الكونية والعلوم والفلسفة ما جعله يخرج من محدودية الرؤية القاصرة إلى الأسئلة الفنية، أسئلة الطفولة الأولى. في «حكايات هائمة» تحرر الغيطاني تماما من سطوة المفاهيم القديمة عن الكتابة باعتبارها «رسالة» أو «شهادة على الواقع» تختفي فيها الذات لمصلحة الجماعة، والمتعة لمصلحة الفكرة. الكتابة هنا لديه أقرب إلى مفهوم «اللعب» بالمعنى الفني إذ يصعب تصنيفها تقليديا. إذ تراوح بين الشذرات الفلسفية والقصائد الشعرية. الأسئلة فيها أسئلته الخاصة لا أسئلة الجماعة. تحرر من أسر الشكل، أو عبوديته.. كتابة حرة تتداعى فيها الذاكرة سواء أكانت الحكايات لها ظل من الواقع أو من الخيال تماما. وهكذا نقرأ عن مراجع داخل العمل ليس لها وجود، وشخصيات لم تولد بعد.. نصوص فيها من الفلسفة ومن التصوف، ومن الشعر ومن الخيال. يلعب الغيطاني هنا مع النص الخالد «ألف ليلة وليلة»، وهو أحد النصوص التأسيسية الكبرى لدي الغيطاني، كان دائما يقول إن هناك ثلاثة كتب يأخذها دائما معه في تنقلاته عندما يسافر إلى أي مكان خارج مصر أو داخلها: القرآن، حماسة أبى تمام وأخيرا ألف ليلة، وكان في مكتبته ركن خاص لكل طبعات هذا النص، من بينها طبعات نادرة، أو كل ما كتب عنه، وكان يعتبر هذا النص ذروة ما قدمته الإنسانية من فن الحكي والقص، وأحيانا يراها ذروة القص العربي.. وكان يعنى بالعربي الميراث الثقافي والفني الداخل في عناصر تكوين الثقافة العربية، والمنتمي إلى حقب تاريخية مختلفة، وديانات متعددة، وحضارات متعاقبة، متجاورة، ومؤثرات وافدة، متفاعلة من ثقافات أخرى.

رغم تلك المكانة لألف ليلة وليلة لدى الغيطاني، إلا أنه لم يقاربها إبداعيا في أي من نصوصه الأولى، كان يرى أنها تحتاج احتشادا خاصا.. لكنه في حكايات هائمة بدأ في المقاربة، حكايات بعضها من بعض، من حكاية صغرى تتوالد أخرى كبرى، كل حكاية تؤدى إلى أخرى، كأنها تخضع لتداع حر، تلقائي، ولكن خلف هذا التداعي نرى بناء هندسيا متماسكا.

حكايات هائمة

اختار الغيطاني أن يصف حكاياته بالهائمة، وهي كلمة تعنى في المعاجم الضياع والتيه والحيرة، إذ ينطلق الشخص على وجهه في الصحاري والهضاب لا يعرف وجهته. كما تعنى الكلمة أيضا ما يطفو فوق سطح الماء من نباتات عائمة. وبالمعنيين سنجد أبطال هذه الحكايات هائمين، لا يعرفون الاستقرار، ورغم تعدد حكاياتهم سنجد أن بعض الحكاية هو ما يبق في الذاكرة.

تبدأ حكايات الغيطاني بطالب العلم اليافع الذي يخوض رحلة تستغرق شهورا اجتاز فيها براري وهضاب، وممرات صخرية وأنهار وبحور، مكث في فنادق وكياسر ودور لإقامة الغرباء قاصد تلك الجزيرة النائية في أقصى المشرق من أجل لقاء حكيم معمر. عندما طالب العلم إلى الجزيرة، فوجئ أن الحكيم لا يحتفظ سوى بكتب أربعة يستمد منها العلم والحكمة.. سأل مندهشا: أين الكتب التي تستمد منها حكمتك وعلمك؟

بدأ الحكيم هينا حنونا عندما قال: ولماذا تسأل، ولا أرى معك إلا أربعة كتب أيضا؟

قال المسافر: ولكنني في رحلة.. جاوبه الحكيم : أنا أيضا في رحلة!

هكذا يبدأ النص، الرحلة، ولكنها ليست مجرد رحلة في مكان وإنما في الزمان، سنقرأ حكايات عن الحكيم الفرعوني تحوت، وأخرى عن رمسيس الثاني، وثالثة عن المتصوفة، وكتاب القرون الوسطى، حكايات عن البشر، والمكان، والكتب واليمام، والأشجار، يطعمها بأمثال وحكم وأشعار من الكتب المقدسة، والأشعار العربية القديمة، الحكم الفرعونية والصينية، كأننا في رحلة كونية لا تخضع لشروط الزمان أو المكان. يكتب الغيطاني إذن خلاصة الرحلة، والتجربة، متحررا من الشكل النمطي للكتابة، والأطر الجاهزة، بلا مركز «لا تبحث عن المركز.. أنظر أيها الإنسان إلى ذاتك.. أنت المركز»، هكذا يستشهد بمقولة مولانا جلال الدين الرومي. وكما يلاعب وينتاص، ويختلف مع النصوص الإبداعية الكبرى في أدب الإنسانية، وتحديدا ألف ليلة.. ولكنها ليالي الغيطاني، التي تطرح الأسئلة أيضا حول والوجود، والزمان، والموت.. وكله أسئلة تصب في هم رئيسي هو الذاكرة.

اقرأ أيضا

عاش هنا.. «باب مصر» في منزل طفولة جمال الغيطاني بالجمالية

هناك في النجوم الذاريات.. لم يتخلَّ عن إيمانه بالإنسان والحياة

جمال الغيطاني.. البصير الذي رأى كل شىء

الوسوم