معبد نيرون بالمنيا.. 2000 عام في أحضان الجبل

معبد نيرون بالمنيا.. 2000 عام في أحضان الجبل معبد نيرون بالمنيا.. 2000 عام في أحضان الجبل

تصوير – أحمد دريم

“يحكى أنه في زمن من الزمان جاء إمبراطور من الرومان إلى بلد الآمان “مصر” وقرر أن يحكم البلاد ويعيش مع تفاصيل العباد، وإذ به تفاجأ بطبع تدينها وتقديسه للآلهة والعبادات، إذ يستغرقون في أمور الحياة صباحًا ويتفرغون للصلوات في المعابد مساءً، فتأثر بهم وبحبهم لدينهم، فذهب بعيدًا في الصحراء تحديدًا في محافظة المنيا، ليشيد لنفسه معبد تخليدًا لاسمه عبر الزمان.. معبد “نيرون” هكذا يحكي لنا محمد إسماعيل، مفتش آثار بمنطقة طهنا الجبل، حكاية معبد نيرون، بجبل طهنا في محافظة المنيا.

معبد نيرون بالمنيا.. 2000 عام في أحضان الجبل

على بعد حوالي 230 كم جنوب القاهرة على الضفة الشرقية للنيل، و12 كم شمال مدينة المنيا، وعلى مسافة 4 كم جنوب من جبل الطير، تقع منطقة طهنا الجبل، التي يرجع تاريخها إلى عصر الدولة القديمة، وقد اكتشف بها مؤخرا آثار من العصر المتأخر ولكن أهمها تلك التي وجدت في العصرين اليوناني والروماني؛ وأهمهما مقطورة بطلمية للإله “حاتحور” إضافة إلى بقايا معابد ترجع إلى العصر الروماني مثل معبد الإمبراطور نيرون وبعض مقابر من العصر القبطي، وشواهد قبور مسيحية من القرن الخامس والسادس، كما أوضح هشام أحمد محمد، في رسالة ماجستير بعنوان “الأعمال المعمارية لأباطرة الأسرة الجوليوكلودية في مصر (27ق م-68 م).

على بعد حوالي 230 كم جنوب القاهرة على الضفة الشرقية للنيل، و12 كم شمال مدينة المنيا، وعلى مسافة 4 كم جنوب من جبل الطير، تقع منطقة طهنا الجبل

بعد أن اجتزنا العديد من المكاتب لأخذ التصريح والسماح بالدخول إلى المنطقة المغلقة، يأخذنا إسماعيل في جولة بالمنطقة الجبلية، والتي تعلو كثيرًا عن المدينة حيث تقع أسفل المنطقة، ويعرفنا بمعبد “نيرون”.

يقول مفتش آثار المنطقة: إن “المنطقة تبدأ من المنتصف إذ يقع على يمينك بقايا المنطقة القبطية والتي تستدل عليه من عدد الأحجار الطوبية المرتفعة قليلًا، وتتخذ شكل دائري دليلًا على اتصالها ببعضها كمدينة واحدة، متخذة هذه الأحجار اللون الأحمر، وفي المنتصف معبد نيرون.

يقع المعبد في الجزء الجنوبي الغربي من المدینة، وهو مُقام على تلَّ مرتفع عن مستوى میاه نهر النیل على أنقاض معبد قدیم، ویدلل على ذلك الكتل الحجریة التي أُعید استخدامها من عصر رمسیس الثاني، والتي وُجدت في صالة الأعمدة بالمعبد، وربما یحمل هذا المعبد بر- آمون (بیت آمون ) “یُستدل على ذلك من خلال نقوش اللوحة الصخریة للملك رمسیس الثالث والذي ذُكر فیها اسم مدینة أكوریس خلال عصر الدولة الحدیثة، وذلك حسب ما ذكره محمد فخري، في رسالة دكتوره بعنوان “معابد الإمبراطور نيرون في المنيا” عام 2015.

یمتد محور هذا المعبد من الشمال حتى الجنوب، ویتبع بذلك التخطیط العام للمعبد المصري في العصرین البطلمي والروماني، إلا أن هذا المعبد ذو طراز فرید، حیث نُحِتَ نصفه الخلفي في الصخر الذي هو عبارة عن قدس الأقداس وعدد من الحجرات، في حین شُیِّدت صالة الأعمدة والفناء الأمامي من الأحجار أمام الصخرة العالیة. إلا أن المعبد عرف باسم “معبد نیرون” من خلال الخراطیش الموجودة على مدخل صالة الأعمدة.

يقع المعبد في الجزء الجنوبي الغربي من المدینة، وهو مُقام على تلَّ مرتفع عن مستوى میاه نهر النیل على أنقاض معبد قدیم
الطريق الصاعد

تصل إلى المعبد من خلال ممر يرتفع تدريجيًا عند صعودك، فیبلغ طوله من الشمال إلى الجنوب حوالي ٢٠ م وعرضه من الشرق حوالي ٦,٧٠ م تقریبا؛ یؤدي هذا الطریق إلى فناء مفتوح یمتد من الشمال إلى الجنوب بطول حوالي 10 م ومن الشرق إلى الغرب بعرض حوالي 30 م تقریبا، وقد رُصفت أرضیة الطریق الصاعد والفناء المفتوح بِقِطَع من الحجر غیر متساویة الأحجام وسطحها أملس، ومُرتَّبة في وضع أفقي بجوار بعضها، وقد تم لصقها بالمونة وهي نفس طریقة الرصف التي كانت تستخدم خلال العصرین الیوناني.

بعد أن تقطع الطريق الصاعد تصل إلى البوابة الرئيسية للمعبد، والتي تعتبر صالة أعمدة، ومنها إلى صالات المعبد الداخلية.

يوضح إسماعيل أنها من شكل المعبد من الخارج؛ فيتكون من 3 أدوار فهناك آثار باقية من بعد الغرف داخل المعبد وأيضًا في وجهة المعبد، وأيضًا هناك سلالم أعلى المعبد مما يدل على الأدوار التى تضمنها المعبد.

الطريق الصاعد الى المعبد
مدخل صالة الأعمدة

تذكر رسالة محمد فخري، أنه یتوسط الفناء المفتوح مدخل ضخم یؤدي إلى صالة الأعمدة، مزخرف من الجانبین بحلیة الخیزران، ویصعب تحدید ارتفاع هذا المدخل نظرا لتهدُّم أجزاء منه، وزُین كتفي المدخل بنقوش ملونة بالنحت الغائر یظهر علیها حالیا آثار تدمیر وطمس شدید، وما تبقى منها على الجانب الشرقي یُصور الإمبراطور نیرون واقفا “فاقد الرأس” متجها ناحیة الداخل، یمسك بیده الیمنى تقدمه أو شيء ما لكنه مهشم؛ وما تبقي من النص المصاحب لا یوضِّح ماهیة التقدمة، ويمسك بيده اليسري الصولجان مع عصا صغيرة وهو يرتدي المئزر القصير مثبت به الحزان، ويصاحب المنظر بقايا لنقش هيروغليفي بأسمائه وألقابه.

زين الجانب الغربي من المدخل بنفس المنظر الموجود على الجانب الشرقي، ولكنه دمر وتبقى منه النصف السفلي من الإمبراطور، واستدل على ذلك من الخراطيش المصاحبة للإمبراطور، ويليه من أسفل منظرًا يصور معبود النيل والفيضان “حعبي” يعلو رأسه تاج من زهور اللوتس “كرمز لمصر العليا”.

العتب العلوي لهذا المدخل مهشم وملقى على الأرض، وزين على العتب من الخارج والداخل بمناظر تمثل الإمبراطور نيرون يقدم القرابين للمعبودات المصرية.

يؤدي المدخل إلى صالة مستطيلة الشكل بدون سقف شيدت من كتل غير متساوية من الحجر الجيري؛ تأخذ شكل المستطيل ويلاحظ أن بعض هذه الكتل تحمل بقايا خراطيش.

دعمت هذه الصالة بأربعة مداخل أبواب المدخل الرئيسي يفتح ناحية الشمال، ويوجد مدخل في الجدار الجنوبي يؤدي إلى الحجرات الداخلية للمعبد، وهناك بقايا مدخل في الجدار الشرقي، بينما دمر المدخل الموجود في الجانب الغربي، ويبدو أن المدخلين الشرقي والغربي كانا يستخدمان في الصعود إلى سطح المعبد أو الدور العلوي للمعبد الذي لم يعد موجود حاليًا.

مدخل صالة الأعمدة
الحجرات الداخلية

يتوسط الحائط الجنوبي لصالة الأعمدة مدخل بعرض 1,85 م تقريبًا يؤدي إلى الحجرات الداخلية للمعبد، والتي نحتت في الصخر وقد زين كتفا هذا المدخل بنحت بارز، وقد صور على الكتف الأيسر للمدخل منظر يمثل زيارة الإمبراطور للمعبد، حيث صور متقدمًا بقدمه اليسرى تجاه الإله الذي يقف أمامه.

الحجرة الأولى

حجرة مستطيلة الشكل تبلغ مساحتها نحو 6,5 متر طول؛ يتقدمها ثلاث درجات منحوتة بالصخر، ترتفع أرضية هذه الحجرة عن مستوى صالة الأعمدة، ويوجد لها مدخلان الأول من الشمال وهو الرئيسي والثاني ناحية الشرق، وربما كان خاص بكهنة المعبد، يتوسط أرضية هذه الحجرة بئر نحت في الصخر

الحجرة الثانية

حجرة مربعة الشكل؛ مستوى أرضية هذه الحجرة أعلى من مستوى أرضية الحجرة السابقة، بينما ينخفض سقفها عن سقف الحجرة السابقة تحوي جدرانها طبقة من الملاط الملونة وتحلو من النقوش.

الحجرة الثالثة

حجرة مستطيلة الشكل مستوى أرضيتها يعلو عن الحجرة السابقة، ويوجد بالجدارين الغربي والشرقي تجوفان متماثلان، الأول كان يستخدم بغرض وضع مومياء التماسيح. يبدو أن هذه الحجرة بمثابة ردهة القدس الأقداس.

الحجرات الثلاث الداخلية للمعبد
قدس الأقداس

حجرة مستطيلة الشكل ويرتفع مستوى أرضيتها عن مستوى أرضية الحجرة السابقة بحوالي 0.20 متر، حيث يتقدمها مصطبة مستطيلة الشكل يتوسطها طريق صاعد يؤدي إلى مدخل يظهر على جدرانها طبقة من الملاط يكسوها حاليا طبقة من السناج، نتيجة إعادة استخدام المكان في الفترة القبطية.

يتوسط الحجرة المربعة “مذبح” منحوت في الصخر، ربما كان يستخدم ليوضع عليه تمثال المعبود عند الاحتفال بعيد معبود المعبد الرئيسي، وعند الانتهاء يوضع التمثال داخل نيش نحت في الجدار الجنوبي.

قدس الأقداس
المعبود سوبيك

خارج صالات المعبد توجد غرفة جانبية كانت يتعبد فيه ما يسمى سوبيك معبود عند المصري القديم، والمرتبط بتماسيح النيل، إذ تحتوي الغرفة على عدد من التماسيح المحنطة والتي كانت تُعبد في ذلك الوقت، وبجوار الغرفة بئر لدفن الموتى.

حريق المدينة

المنطقة بأكملها أثرية تضم آثار من العصور الفرعونية والرومانية والعصر القبطي، والذي شهد حريق هائل في المدينة في عصر نيرون عام 399 ميلاديًا، لم تحدد أسبابه إلا أنه تحدد فقط حدوثه من لون الحجارة الأحمر.

أما على شمالك قليلًا من المنطقة، بقايا حمام روماني، والذي تتعرف عليه من خلال تصميمه الداخلي، والمتمثل في طبقة الملاط المطلي بها جدران والتي تستخدم لمنع تسرب المياه خارجًا، وأيضًا يتوسط الحمام مستطيل والذي يوحي بأنه الجزء الخاص بالاستحمام.

اشتق اسم “طهنا” من نظيره المصري القديم، والذي يعني الجبهة القوية جدا وعرفت باسم “أكوريس”.

بقايا حمام روماني
الوسوم