ولاد البلد

مطبخ «عزة عاطف».. أكلات شهية ليست للأكل

مطبخ «عزة عاطف».. أكلات شهية ليست للأكل عزة عاطف أثناء تشكيلها الأطعمة المختلفة

«بط وجلاش وفخدة ضاني، فتة وكوارع وفراخ، حمام وسمك وكشري وطعمية وفول»، أكلات مصرية أصيلة يعشقها الجميع، محضرة بعناية ودقة متناهية الإبداع بأيدي فتاة مصرية، تجعلك تشتهيها بمجرد أن تراها وتتمنى تذوقها، لكن ما نتحدث عنه ليس للأكل، لأنه غير حقيقي، فهي أشكال ومناظر لأطعمة تم تشكيلها وتجهيزها من «الصلصال».

هكذا برعت الفنانة المتميزة عزة عاطف، ابنة محافظة الإسكندرية، خريجة كلية التجارة عام 2010، التي حولت هوايتها وموهبتها في الرسم، إلى توثيق فني للطعام المصري والأكلات المصرية الشهيرة بطريقتها الخاصة، وعمل مجسمات متناهية الصغر.. «باب مصر» يفتح على مطبخها.

عزة عاطف

اكتشفت “عاطف” حبها للرسم منذ الطفولة، فهي تعشق الرسم وتهتم بحصته في المدرسة دون غيره، وتميزت في ذلك، وعرفت في المدرسة لاسيما بين مدرسي مادة التربية الفنية الذين شجعوها، واستخدمت الألوان والفحم والقلم الرصاص، وتمنت أن تدخل كلية الفنون الجميلة وسعت لذلك، لكن الحظ لم يحالفها والتحقت بكلية التجارة التي تخرجت فيها عام 2010، وطوال سنوات الدراسة بالجامعة لم تمارس الفن وانقطعت عن موهبتها التي لازمتها في سنوات طفولتها.

تقول عزة عن تلك الفترة: “شعرت بالإحباط لأني لم استطع دخول كلية الفنون الجميلة، بعدت عن الفن ونسيت موهبتي، ثم تزوجت وأنجبت ثلاثة أبناء”. مشيرة إلى أنها انقطعت عن الفن بسبب أطفالها واهتمامها بهم، لكنها شعرت بالحنين، فقررت العودة مرة أخرى لهوايتها لعل وعسى أن تخفف عنها أعباء تربية الأبناء، وهو ما شجعها عليه زوجها.

وتابعت عاطف: شعرت بحالة من الروتين اليومي، لذا فكرت في العودة للرسم، وبالصدفة البحتة وأنا أتصفح الإنترنت، شاهدت إعلان عن مادة الصلصال الحراري، التي لم أكن أعلم عنها شيئا، وكانت تلك البداية، وبدأت التعامل مع الخامة الجديدة كأنها لعبة في أيدي طفلة شغوفة باكتشافها، وبدأت العمل لأول مرة بالصلصال منذ ثلاث سنوات فقط.

التشكيل بالصلصال

بدأت الفتاة الثلاثينية مرحلة التشكيل بالصلصال والتعرف على تلك الخامة الجديدة، بعد أن ينام أطفالها كما تقول: “كنت انتظر أن ينام أطفالي، وبعد عناء اليوم، أجلس في ركن مخصص من المنزل، وابدأ في الدخول إلى عالمي الخاص، أسمع موسيقى خاصة عمر خيرت، وأحاول أن أنفصل عن متاعب وإرهاق اليوم بممارسة هوايتي الجديدة، واللعب بالصلصال”.

تملكت الهواية من عزة، وأصبحت تستحوذ على جزء كبير من تفكيرها، وتحول اللعب إلى أفكار وقطع فنية، بدأتها بأشكال صغيرة متعددة حولتها إلى ميداليات بأشكال مبتكرة، وفوجئت أسرتها بما تنتجه من أشكال، وشجعتها على تدشين صفحة على الفيسبوك، لعرض تلك القطع الفنية، وهو ما تم بالفعل، فتقول: لم أكن أتوقع كل هذا الإعجاب، الذي تحول إلى طلبات شراء كثيرة، حيث بدأ يُطلب منى تصميم ميداليات بأشكال متنوعة، فهناك من طلب ميدالية لزوجته بمناسبة إنجابها، فقمت بتصميم ميدالية بها “حفاض وعلبة حليب وببرونة”، وهناك من طلب هدية لدكتور فقمت بعمل “بالطو  أبيض وسماعة”، وهكذا، أسعدتني كثيرا رغبة الناس في اقتناء ما أصممه وإعجابهم بشغلي، لكنى كنت لا أجيد التكرار لما أصممه من قطع، فأنا استمتع بأول قطعة أنفذها، لكن لا أستطيع نسخها وعند إعادة تصنيعها أشعر بملل، لكن هذا لم يعجب الناس مما زاد من الضغوط.

قررت عزة فجأة وبعد النجاح الذي حققته أن تغلق صفحة الفيسبوك، واعتذرت لعملائها، فتقول: “شعرت بضيق وضغوط زيادة، فقد لجأت إلى هذا  كي أشعر بعمل شئ يفرحني وليس بما يسبب لي ضغطًا، فقررت التوقف، وأخذ فترة راحة”. ولكنها لم تترك هوايتها الجديدة، فقد كانت آخر قطعة من الميداليات قبل أن تغلق صفحتها، ميدالية عبارة عن “طبق من المكرونة باشميل”، فقد طلب منها أحد العملاء ميدالية لخطيبته وبعد مناقشة بينهم عما تحبه خطيبته، قال بضحك: “المكرونة باشميل”، ومن هنا صممت عزة تلك الميدالية، والتي كانت محط إعجاب كل من شاهدها، ومنها جاءت الفكرة في عمل أطباق من الأكل المصري، الذي تجيد “عزة” طبخه ببراعة، وتوثيقه من خلال مجسمات متناهية الصغر، وباستخدام الصلصال الحراري وألوان سوفت باستيل.

مصغرات الأطعمة المصرية

لأنها تجيد الطبخ الشرقي، بدأت عزة في تصميم الأطباق الشرقية، تلك المرة قررت ألا تتخلى عن أي قطعة تقوم بتنفيذها، ولن تعرضها للبيع، فهي تحتفظ بكافة القطع التي تقوم بتنفيذها، والتي تنوعت ما بين اللحوم والأسماك والأكلات الشعبية الشهيرة، مثل: “الفلافل والفطير والأسماك وأكل المسامط”، وكانت البداية بتصميم الأطباق الصغيرة، حتى تطور الأمر إلى أن شرعت في تكوين مائدة تضم أكثر من أكله مثل ما هو موجود في الحقيقة، بعد ذلك بدأت في توثيق أكلات المواسم والأعياد، فترى نموذج لعملية الذبح في العيد الكبير، وبعده عملية الشواء، وبعده الأكل على المائدة، ولم تنس التفاصيل الصغيرة على سبيل المثال لكحك العيد والصيجان والطبلية، وها هي تسجل مائدة شم النسيم وأطباقها الشهيرة من فسيخ ورنجة وسردين وبصل وملانة وترمس، يحتوى مطبخ عزة على الطواجن الشهيرة، كما لا تنسى السندوتشات أيضا.

وبالرغم من صغر مجسمات “عزة”، إلا أنها ملئت المنزل، فبعد أن كانت تكفي لوضعها على إحدى المناضد، انتقلت إلى أرفف النيش لوضعها، وطورت عملها فهي الآن تصمم عربات الشاورما، كنسول من الخشب يحمل أطباق، طبلية عليها أطباق وهكذا، لكنها لا تفكر في بيعها.

عادت عزة لنشر صور ما تنتجه على صفحتها الخاصة، لكن ما أزعجها أن هناك من يشكك في أن تلك الأشياء المصورة هي صغيرة الحجم، بالرغم من سعادتها لأن ذلك من فرط إتقانها لتلك القطع، إلا أنها انزعجت، فتقول: “أقوم بوضع عملة معدنية وهي الجنيه بجانب كافة الأطباق التي أعرضها كي أوضح للمشككين مدى صغرها، كما قمت بعمل مقاطع فيديو وأنا أحمل الأطباق بين أصابعي، فهناك أطباق لا تتعدى عقلة الإصبع”.

تستعين عاطف بذاكرتها وحبها للطبخ في تشكيل الأطعمة بتفاصيلها الدقيقة والصغيرة، لكنها على سبيل المثال تستعين بالصور في الأشياء البعيدة عنها مثل، عربات الأكل، كما تستعين بخبرة والدتها أيضًا في الأكلات التي لا تعرفها، كما يتعاون معها زوجها في اقتراح بعض الأطعمة الجديدة عندما لا تسعفها ذاكرتها، فهي تسعى دائما لتصميم أكلات جديدة وكلها عزم على توثيق كافة الأكلات المصرية بالمجسمات الصغيرة.

الاهتمام بالتفاصيل

«لا أفضل أن يظهر الطبق بالشكل المثالي، فأنا أريد أن يكون شكله طبيعي كما نراه، فأنا عندما أغرف الأرز على سبيل المثال يكون هناك بعض الحبات على جانب الطبق، قطع من اللحم المفروم المتناثر تحت قطعة من الجلاش، بعض القطع المحمصة والمفتتة من الفطير وبعض السمن السائل على جانب الطبق، فتافيت الخبز وهكذا، مما يعطي الشكل الطبيعي للأطباق».. هكذا حاولت عزة إضفاء الشكل الطبيعي لما تبدعه، بجانب محاولاتها المتعددة التي تصفها بأصعب المراحل، وهي الوصول للدرجة اللونية المطلوبة لشكل الطعام من ألوان الصلصال.

تصف عاطف ما تعمل بقولها: “اهتم كثيرا بالتفاصيل، وأكثر ما أرهقني وكان صعبا للغاية في تنفيذه هو طبق الأرز أسفل الفخذة الضاني، فأنا أصمم الأرز حبة حبة، أي تكون أصغر من رأس الدبوس، أما أصعب الأطباق كان طبق الترمس والحلبة. أبذل مجهودا كبيرا، فأنا استخدم فقط يدي وأظافري ومشرط صغير لقطع الصلصال، وأصعب مرحلة هي الحصول على درجة لون الأطعمة بعد الطهي”.

لم تكن تعلم عزة أن ما تقوم به في البداية هو فن معروف، ولم يعلمها أحد، لكنها بعد البحث اكتشفت أن موهبتها في تصغير الأطعمة، هو فن مشهور في اليابان، لكنها بالطبع تتميز في أن كافة ما تبدعه عبارة عن أطعمة مصرية أصيلة، فهو مشروعها الخاص لتوثيق الأكلات على طريقتها الفنية، وبالرغم من أن كثيرين عرضوا عليها أفكار للعديد من المشروعات، إلا أنها لا تفكر في أي شيء الآن سوى استكمال مشروعها في توثيق الأكلات، وتنتظر أن يكبر أبنائها لكي تكون متفرغة بشكل أكبر.

واختتمت عاطف حديثها، فتقول: “لا أستطيع أن أكون ملتزمة الآن بمواعيد، وأتمنى أن أحقق أحلام كثيرة أحضر لها لكن مشكلتي الرئيسية هي الوقت، فأنا ليس لدي الوقت الكافي”.

الوسوم