محمود رضا: الحياة في محراب الرقص

محمود رضا: الحياة في محراب الرقص محمود رضا في طفولته

يحكي يحيي حقي في كتابه البديع «يا ليل يا عين» عن اتفاق تبادل ثقافي بين مصر والصين في عام 1955.. أرسلت بمقتضاه الصين فرقة للرقص الشعبي، أثارت الإعجاب الشديد. وجاء دور مصر، لتقديم فنها هناك.

وقتها كان حقي رئيسا لمصلحة الفنون، كان السؤال ماذا نفعل؟، هل لدينا رقص شعبي؟، وهل هو قابل للتصدير؟، وهل لدينا الخبراء المتخصصون في الإخراج والديكور والأزياء..؟، هل نعتذر وننكشف؟

يجيب حقي: كان واضحا كل الوضوح أن بعض هذه الخبرات تنقصنا. بدأ مسؤولو الثقافة اجتماعات متعددة، انتهت بتكليف زكريا الحجاوي بالبحث في كل القرى المصرية عن «النماذج الصادقة مما يسمى بالرقص الشعبي».

مصاعب الرحلة

يصف حقي المصاعب التي واجهها الحجاوي في رحلاته: «ربما كانت ركوبته أياما كثيرة هى الحمار بلا سرج أو بردعة، يشق مدقا متربا وسط أعواد صفر من الذرة الشامى أو القصب.. خطى القنا – بدلا من أن يمشى سنة.. تأرجح فوق الشراقى. وهبط جسرا وعلا جسرا حتى وصل إلى هذا الخط الرهيب الذي يجتمع عنده آخر الخصب وأول الصحراء، ربما نام في جرن أو بجوار ساقية أو في دوار عمدة أو تحت واحدة من القباب البيض المتناثرة في الوادي لأولياء أكثرهم اسمه الشيخ مبارك يستمد منه الفلاحون اطمئنانهم بأن زرعهم تحل به البركة. ربما نام ضيفا على فتى صبوة من الصعيد، يسند رأسه على حرام أو قفة يهدهده خوار البقر ويوقظه آذان ديك عجوز بصوته المبحوح، وربما كان حك جلده بظفره هو مدخله للنوم لا للفلحان فحسب، ربما أكل البتاو والمش والمرحرح، والفطير المشلتت حين يفتح الله عليه».

بعد هذه الرحلة، وجمع الأغنيات والرقصات من أقاليم مصر، بدأت رحلة بحث أخرى عن فكرة درامية أو خيط رفيع يجمع بين بعض فنوننا ورقصاتنا الشعبية من الصعيد والقاهرة والسواحل.. اقترح وقتها توفيق حنا الاستعانة بالأسطورة المصرية «يا ليل يا عين». ليل ابن ملك البحر وعين ست الحسن والجمال بنت السلطان، كان ليل يخرج على الناس في صورة فتى من البشر تشهق الحناجر لفرط وسامته وبهائه، أحب عين التى ترفض أحسن العرسان جاها ومالا.. ويهجر عين قصر أبيه بكل ما فيه من حوريات من أجل حبه، بعد أن استأمن أحد الصيادين على سره.. ولكن بدلا من أن تنتهي الأسطورة بالنهاية السعيدة، نفاجئ بنهاية حزينة بعد أن غدر به صديقة وحامل سره وكشف لأسرة عين أن ليل سوف يسحب عروسه معه إلى قاع البحر.. اختفى ليل عن العيون واختفت  عين أيضا.. ولكن الناس لم يكفوا عن النداء عليهما «يا ليل.. يا عين».

بعد مناقشات واجتماعات عديدة تم قلب الأسطورة، ليصبح ليل صيادا، وعين ابنه ملك البحر، وقام توفيق حنا بكتابة الهيكل الأساسي للنص، وقام بتعديله أحمد على باكثير بمساعدة زكريا الحجاوي، ثم أدخل عليه نجيب محفوظ التعديلات النهائية، التى «أكسبت النص منطق متماسك متسق لا يتخلخل». ثم بدأت رحلة البحث عن الأبطال، فتم الاستقرار على البطلة التي ستقوم بدور عين: نعيمة عاكف..ولكن من سيؤدي دور البطل؟

حسب حقي كانت يا ليل يا عين بمثابة المغناطيس الذي يجذب ويجمع لصفه أعوانا لم يكن لهم به من قبل علم ولا صلة. وكان من المجذوبين فتى جالس في شركة بترول في مدينة السويس: القامة ممشوقة لها هذا الجمع العجيب بين الإيحاء بالصلابة والإيحاء باللين، سلسلة الظهر عمود مسجد وخيرزانة معا، الكتفان عريضتان، والهامة مرفوعة بكبرياء تتقبله بفضل وداعة عينيه وتسارع حمرة الخجل إلى وجهه من فرط الأدب، واليد رخصة وقوية معا. حسب حقي ولد هذا الفتى لا ليجلس على مكتب، وإنما ليرقص،  في جسمه قوة تريد أن تنطلق أن تعبر برشاقة عن أحلام  تبحث عن تفسير لها. عرضت المسرحية لأيام قليلة، قبل أن يهاجم العدوان الثلاثي مصر، ويتوقف العرض.

بدايات أخرى

هكذا كانت بداية محمود رضا الذي «أحدث نقلة في رقص الرجال يؤرخ بها» حسب تعبير حقي.ولكن قبل هذه البداية وبعدها بدايات أخرى.

في الطفولة وبدايات الشباب، كان محمود منشغلا بالدراسة، وممارسة الرياضة، لعب كرة القدم، والسباحة والغطس والجمباز، حتى استطاع تمثيل مصر في الدورة الأولمبية سنة 1952 في هلسنكي. وفي الوقت نفسه كان يعمل حتى يستطيع الإنفاق على نفسه، فعمل في مطار القاهرة الذي كان يسمى وقتها مطار فاروق، كان يرسم الخرائط  لدرجات الحرارة والرطوبة والرياح والضغط. فى تلك الفترة كان يتردد على السينما، يطارد الأفلام الاستعراضية الأمريكية، وفي 1953 بدأ في تلقي دروس لتعليم البالية: «ذهبت إلي مدرسة في مصر الجديدة لتعليم الأطفال فن الباليه. كنت أتعلم مع الأطفال وعندي 23 عاما مبادئ وأسس الباليه». وفي إحدى جولاته لمشاهدة فرق الرقص ذهب لمشاهدة عرض فرقة أرجينتينية، وعندما أخبرهم أنه يرقص أيضا طلبوا مشاهدته: «أعجبهم رقصي وانضممت إلي الفرقة وبدأت أتعلم معهم. سافرت معهم في رحلات إلي إسكندرية وروما وباريس. وفي إيطاليا ذهبنا إلي بلد اسمها برنديسي ومنها ركبنا القطار إلي روما، وأتذكر أن الملك فاروق شاهد عرض الفرقة التى كنت أحد أفرادها. واطلقوا علي في الفرقة الأرجنتينة “ماك رضا”. الغريب أن فكرة فرقة رضا واتتني وأنا أرقص مع الأرجنتين في باريس. وسألت نفسي لماذا أرقص فلكور أرجنتيني؟ صحيح أنني تعلمت منهم لكن لماذا لا أرقص فلكور مصري. تركت الفرقة بعد أن رقصت معهم أكثر من ستة أشهر وعدت بفكرة تأسيس فرقة تقدم رقصات من الفلكور المصري عام 1955. وهذه تمثل بدايتي كراقص محترف».

بعد عودته حاول طويلا تحقيق حلمه، ولكن اضطر للعمل فى شركة بترول بالسويس، حتى تلقي خطابا من يحيى حقي لبطولة أوبريت يا ليل يا عين.. وكان شقيقه الأكبر علي وراء الترشيح. في العرض اختار حقي مصممة رقصات أجنبية، ولكن وزير الثقافة وقتها فتحى رضوان اعترض على تصميم الرقصات إذ رآها غير معبرة، فقام محمود بتصميم الرقصات بنفسه.

حلم الفرقة الخاصة

ظل محمود رضا يحلم بتأسيس فرقته الخاصة ونجح فى ذلك عام 1959، أطلق على الفرقة في البداية فرقة الفنون الشعبية، ولكن السيناريست محمد عثمان اقترح تسميتها فرقة محمود رضا.. وهو ما رفضه محمود: «شعرت أن هذا كثير أن تحمل الفرقة اسمي. المهم توصلنا إلي أن يصبح اسم الفرقة «فرقة رضا».

بعد أن حققت الفرقة بعض النجاح، قرر محمود رضا أن يصطحب مجموعة من العاملين معه فى الفرقة، وبدأ يجوب مصر -مثلما فعل زكريا الحجاوي- ليبدأ جمع أغنيات ورقصات من كل القري.. اكتشف كما يقول: إن الفلكور ليس رقصا فقط بل حكايات وأساطير  وخرافات وأزياء وموسيقي وأغان. الفلكور لا ينتهي. وفى عام 1961 علم الرئيس عبدالناصر أن الفرقة تواجهها بعض المشكلات المادية فقرر ضمها لوزارة الثقافة.

وفي عام 1972 توقف محمود رضا عن الرقص بعد أن اكتشف إصابته بفيروس نادر يؤثر على الأعصاب، حذره الأطباء من ثلاثة أشياء: النور والضغط والحمي. توقف رضا عن ممارسة الرقص، لكنه لم يتوقف عن ممارسة الحياة، والحب، وبث الأمل.. حتى غادرنا أمس.

الوسوم