ماذا كتب جورج حنين في يومياته عن كوليرا القاهرة؟

ماذا كتب جورج حنين في يومياته عن كوليرا القاهرة؟ صورة نادرة لـ"جورج حنين" مع بولا العلايلي

في عام 1980، جمعت إقبال العلايلي الشهيرة بـ”بولا” زوجة رائد ومؤسس السريالية المصرية جورج حنين (1914-1974) أوراقه غير المنشورة، ويومياته وملاحظاته لتصدر بالفرنسية تحت عنوان «الروح الطارق»، تتشكل اليوميات من عدد من الدفاتر، التي تكشف تطورات الكاتب الفكرية وآرائه النقدية في كتاب، وأعمال وظواهر.

جورج حنين

رصد مؤسس جماعة الفن والحرية شكل القاهرة تحت حصار وباء الكوليرا الذي أصابها عام 1947، وهي فترة أعتبر أنها اللحظة الملائمة بامتياز لزعزعة يقين الجميع إزاء كل الأشياء، وكانت هذه اللحظة التي عانى فيها الجميع من الحصار، سببا في تفكير حنين في تأسيس مجلة حصة الرمل الصوت المعبر عن السريالية المصرية، لم تستمر المجلة طويلا، إذ صدر منها عددان فقط تحت رئاسة تحرير حنين، وبعد رحيل حنين صدر عدد ثالث احتوى على مقالات عديدة تكريما له من بينها مقالات لبطرس غالي ولويس عوض.. وآخرين.

كانت الكوليرا سببا في التفكير في تأسيس المجلة التي كان يهدف إلى زعزعة اليقين وإعادة التفكير في كثير من المسلمات، تماما كما فعلت الكوليرا، الشاعر المغربي مبارك وساط ترجم مقاطع من يوميات حنين، ومن بينها هذا النص الذي يصف فيه الوباء الذي أصاب المدينة، تحت عنوان القاهرة:

لقدْ ظهرتْ الكوليرا. نوعٌ من العزلِ الأخلاقيّ بدأ يفصلُنا بشكل لَامَحْسُوس عن الغرب. وكما هو الحال دائمًا في فترات الدّواهي، أشْعُرُ بأنّي خفيف وأنّ مزاجيَ رائقٌ بشكلٍ بديع. آملُ أن يكتسب الأمر، في القريب العاجل، هيئةً إِعْرَابِيَّة متلائمة مع اللوحات التي تُصَوِّر الأوبِئة الفادحة المُكتسِحة. لا يبدو في أيّ مكان ما يُمكن أنْ نتعزّى به، فيما عدا الكوليرا، التي تبقى مِلْكًا لنا ومفخرة وطنِيّة. إنّ مداشر بأكملِها تُحيطُ نفسها بالمتاريس لدى دُنُوّ الأطبّاءِ منها، وتُقامُ فيها حصونٌ صغيرة، وتُحفَرُ خنادق، ويَرْفُضُ أهلها تسليم موتاهم، ويَحْدِجُون جالبي اللقاحات من علياءِ جراثيمهما.
إنّها اَللَّحْظَة المُلائمة بامتياز لزعزعة يقينِ الجميع إزاءَ كُلّ الأشياء. هذا سيكون الهدف المُبْتغى مِنْ [مجلّة] حِصّة الرّمل. لقد طلبتُ من مِيشو أنْ ينضَمّ إلينا، وكان جوابُه: ما عُدتُ أُمارِسُ اَلرَّسْم التّشكيليّ، ولذا فإنّي على وشك أنْ آخُذَ بِجِدّية اقتراحك المتعلّق بالكلمات المطبوعة… لَرُبَّمَا ينبغي أنْ نُوافق على ما قاله… أمّا جان غرونيه، رجُلُ الوساوس، اَلْمُنَظِّر لِلتَّرَدُّدِ، فإنّ مُقدّماتٍ طويلة وصَعبة تفرضُ عليه نَفْسَهُا حين يرغب في اختيار وجبةٍ في مطعم، أو في تحديد ما يُفضّله من بين ما تعْرِضُه قاعةُ سينما من برامج. في أيّ جانب من الحاجز يُوجَد اَلشَّرّ؟ أمّا إذا لمْ يكنْ هنالك حاجز، فالاختيار يُسَبّبُ له قلقًا أكبر. إنّه من ذلك النّوع من النّاس الذين ينبغي لهم أنْ يتزوّجوا راقِصاتٍ على رؤوسِ الأصابع مُصاباتٍ بِالرَّبْوِ وأنْ يقضوا شَهْر العسل على رِمالٍ متحرّكة. الحياة، من دون إخضاعها للحسابات، ومن دون تأجيل ولا ضمانات. يصعب عليّ أكثر فأكثر أنْ أُمسِكَ قلمًا لغاية أدبيّة. ففي أوقاتٍ متباعدة، أطلق العنان لخاطرة أو شذرة، وبي حنينٌ مِمَّا قبل الولادة، إلى كتاباتٍ نُقِشَتْ على الصّخور، يبدو لي أنّهُ آن حَقًّا أوانُ العودة إليها.

 

الوسوم