كيف ساهمت الحرب الأهلية الأمريكية في شهرة القطن المصري؟

كيف ساهمت الحرب الأهلية الأمريكية في شهرة القطن المصري؟ القطن المصري.. تصميم أحمد طه
كتب -

في العاشرة من صباح أحد أيام شهر إبريل 1823، عُرض للمرة الأولى في سوق القطن بمدينة ليفربول أول قطن مصري، لكن عملية البيع تمت في مزاد شهر مايو، بسعر 11 بنسًا للرطل الواحد، بينما بيع القطن «الأبلاند الأمريكي» بسعر يتراوح بين 6.25 و8.25 للرطل، والقطن «البرازيلي» بسعر 10 و11.75 للرطل، وقطن «سورات الهندي» بسعر 5.50  و6.75 بنسًا للرطل.

القطن المصري

يقول الدكتور مصطفى البهتيمي، في كتابه «تاريخ زراعة القطن في مصر»: إن شركة «إيوارت ماير» المتخصصة في صناعة النسيج ذكرت في تقريرها السنوي الصادر في 31 ديسمبر 1823م، أن 3 آلاف بالة قطن وردت من مصر في هذا العام، ويُنتظر ورود كميات منتظمة من هذا القطن، ووصف التقرير القطن المصري بأنه طويل وناعم التيلة، ولكنه أغبر ولم يُعنَ بنظافته، لم يذكر قيمة تلك الواردات وقيمتها.

وتابع: ووصفت شركة ماريوت وروجرز المتخصصة في نفس المجال في تقريرها السنوي خلال تلك الفترة أيضا، أنّ القطن المصري قد اُستعمل بدلا من القطن البرازيلي، والتجربة نجحت نجاحًا كبيرًا، وما من شك في أنه لو اُعتنى بجني ذلك القطن، وازدادت معرفة أصحاب مصانعنا بطبيعته فمن المُرجح أنْ يصبح بديلاً نافعًا، وذا قيمة أكبر من الرُتبة الواطئة من قطن سي آيلاند (الأمريكي)، وخلال فترة قليلة، ثبّت القطن المصري أقدامه في الأسواق العالمية، وأهمها أسواق لانكشير في إنجلترا، وتم اعتباره أجود الأقطان العالمية لا يفوقه إلا القطن من النوع «سي آيلاند»، واستورده محمد علي باشا لزراعته عام 1827م، وتمت زراعته في شمال الدلتا، وكان يعرف بعد ذلك في بورصة ليفربول باسم القطن المصري درجة أولى، وكان سعره يزيد بنحو (2-4) ريالات في القنطار الواحد عن بقية الأقطان المصرية ومنعت زراعته عام 1838.

تجارة القطن

يوضح حسين تيمور بك، في كتابه «البورصة وتجارة القطن»، الصادر عام 1917، أن مزادات وبورصات الأقطان، هي أسواق تجري فيها المعاملة على قيود وشروط متفق عليها من سماسرة المزادات، وتطورت بعد ذلك إلى سماسرة البورصات، التي أنشئت ويتم البيع فيها بناء على شروط خاصة لكل عميل، سواء كانت تتعلق بنوع واحد أو عدة أنواع من البضائع.

وتابع: ظهرت زراعة القطن المصري خلال القرون الماضية بعدة أشكال وأنواع، ولكنها انتشرت بشكل كبير في عهد محمد علي. كانت البداية في القرن الثالث عشر في عهد الملك الناصر محمد بن قلاوون تنتشر زراعة القطن بشكل محدود، وفي القرن الخامس عشر جاء ذكر القطن في كتاب «خطط المقريزي»، أنه يزرع في برمودة ويخرج في توت ويخرج من الفدان 8 قناطير، وأن مكانا في مصر يطلق عليه “بركة الحاج” ترعى فيه الأغنام ويتم تسمينها عن طريق علف القطن، بينما في القرن السادس عشر رسم نبات القطن من خلال “بروسيبر البينوس” الإيطالي والأستاذ في جامعة “بادوفا” بعد زيارته لمصر في عهد السلطان مراد، وكانت أشجار القطن تستخدم في الزينة.

وفي أواخر القرن الثامن عشر في عهد الحملة الفرنسية، وبالتحديد عام 1799، أعطى عالم النبات الفرنسي “مسيو دليل” بيانات وافية عن أنواع الأقطان التي كانت تزرع في مصر.

وفي عهد محمد علي، بدأت زراعة وانتشار القطن وتجارته في جميع أرجاء مصر وبالأخص الوجه البحري لوفرة المياه، وكان قطن «جوميل» أو «القطن الهندي» أول قطن يتم اكتشافه في عهد محمد علي، عن طريق رجل فرنسي يسمي “جوميل”، مدير مصانع محمد علي بمنطقة بولاق بحديقة “محو بك الأورفلي حاكم لمديريتي دونقلا وسنار بالسودان”، وتمت زراعته بعد تقديم تقرير للباشا بوفرة محصول بالقرب من القاهرة وأرسل مزاياه وبيع بـ16 ريالا للقنطار، كما أن صمويل برجر، التاجر الإنجليزي بالإسكندرية، لعب دورًا هامًا في تجارة القطن المصري طويل التيلة، وأرسله إلى غّزالي لانكشير وقوبل باستحسان وقد زادت صادرات القطن في الفترة زيادة كبيرة.

أصناف جديدة

أما عن محاولة استنباط أصناف جديدة، فقد ورد في خطاب محمد علي إلى كتخدا بك بتاريخ 19 سبتمبر 1820، أنه علم بوجود بعض شُجيرات قطن في حقول القطن المزروعة بأرض الخصوص بجهة القليوبية ذات لوز صغير وقطنها أجود من باقي النباتات الأخرى ذات اللوز الكبير، والنباتات ذات اللوز الصغير مُحملة بقطن كثير، لذلك أمر بالمحافظة على هذه النباتات واختار لها ناظر (جنايني) من المجتهدين لجمع هذه النباتات على حدة، والمحافظة على قطنها لحلجها بدولاب خاص، يقوم بعمله مسيو جوميل، وتُجمع البذرة الناتجة وتُحفظ في محل مُؤتمن وإفادته بالنتيجة عند إتمام هذه العملية.

أنواع منقرضة

في عهد الخديوي إسماعيل، تم استنباط أنواع جديدة من القطن لاقت استحسان الغزالين في أوروبا، التي انقرضت في العصور الحديثة لعدم الحفاظ على جودتها وبذورها، ومن تلك الأصناف:

“الأشموني” ظهر في عام 1860 في بلدة أشمون مديرية المنوفية، تيلته منتظمة لونها قشدي غامق محصوله وفير، بدأت زراعته في أول عهد الخديوي في الوقت الذي نشبت فيه الحرب الأهلية الأمريكية، التي تسببت في أزمة صناعة القطن بأوروبا، فأشتد الإقبال على القطن المصري، وبعد عام 1865 أصبحت مصر من أهم ممالك العالم في زراعة القطن، واستمرت سيادة القطن الأشموني حتى ظهور القطن الميت عفيفي الذي نافسه في مناطق بحري، ولقب الأشموني تجاريا باسم القطن الصعيدي لانتشار زراعته في صعيد مصر.

أما “القليني” فقد ظهر بمنطقة قلين بمديرية الفؤادية، ويعتبر من إحدى سلالات قطن سي آيلاند الأمريكي المتأقلمة في مصر لشدة الشبه بينهما، وكان يباع في أسواق ليفربول تحت مسمي “سي آيلاند المصري”، استنبطه مزارع يوناني اسمه “أميلكوفتيس”، يمتاز أنه طويل التيلة ناعم حريري الملمس سريع التأثر بانخفاض الحرارة ولا يقاوم العطش. وعرضه الخديوي إسماعيل في المعرض الدولي للاقطان عام 1875، الذي أقيم في كولونيا بألمانيا مع نماذج من الأقطار المصرية الأخرى.

وهناك “البامبا” الذي ظهر في منطقة بركة السبع مديرية المنوفية عام 1873، لا يعرف عنه إذا كان هو من شوارد القطن الأشموني أم هجين طبيعي بين الأخير والقطن السي آيلاند، اكتشفه أحد المزارعين المصريين المجهولين الذي لم يستدل على اسمه ولا محل إقامته، يتميز أنه طويل التيلة تبلغ نحو 3 أمتار قليل التفرع وافر المحصول، ويقال أن تيلته أطول من تيلة الأشموني.

وفي عهد الخديوي توفيق ظهر قطن “الزفيري”، وتم استنباطه من قطن القليني عن طريق شخص يدعى “مسيو زفيري براخيموناس”، يتميز بتيلة بيضاء لامعة جدا ولكنها غير متجانسة.

أما في عهد الخديوي عباس حملي الثاني، ظهر القطن العباسي، وسمى على اسمه، وهو هجين طبيعي بين الزفيري والميت عفيفي، تيلته بيضاء ناصعة اللون لامعة جدا أطول وأنعم من الميت عفيفي، يبلغ طوله 37-38 مم، ومعدل حلجته من 100-107 أرطال.

وأخيرا قطن “اليانوفتش” الذي ظهر عام 1893 بجهة سمنود، صنف مستنبط من الميت عفيفي من قبل شخص يدعي “مسيو يانوفتش” تيلته طويلة 37.5-40 مم، أنعم وأمتن من أقطان هذا العهد، لونها قشدي فاتح، بدأ إقبال الغزالين عليها من عام 1989م، وكانوا يدفعون فيه ضعف سعر الميت عفيفي، له شيوع لدي غزالين لانكشير بإنجلترا واندثر عام 1924، لأسباب عديدة.

اندثرت تلك الأنواع من القطن، التي كانت تزرع في مصر وبقيت الأنواع الموجودة حاليا التي أقرتها وزارة الزراعة.

 

الوسوم