كيف تعاملت الثقافة الشعبية مع الأوبئة؟

كيف تعاملت الثقافة الشعبية مع الأوبئة؟ التعقيم لمواجهة وباء الكوليرا عام 1947 - ويكيبيديا

“بالرغم من الفاجعة التي هم فيها إلا أنهم كانوا يمارسون حياتهم بشكل طبيعي مثير للدهشة، فهذه اللحوم معلقة في الأسواق دون خوف من الأتربة أو الجراثيم، وهناك الخضر والبلح في السوق دون غطاء”.

هكذا قال هيكل في مذكراته عندما زار قرية القرين المصرية، إثر تفشي وباء الكوليرا في مصر عام 1947، والغريب أن هذه الثقافة في التعامل مع الأوبئة لم تتغير حتى وقتنا هذا.

المؤمن منصاب

“المؤمن منصاب”، هكذا يوضح الباحث الروائي عصام الدين زهيري، تعامل المصريون مع الأوبئة، إذ كانوا حتى وقت قريب يختزلون موقفهم من النوازل الشديدة الصادمة مثل، الموت والمرض والخسارة المادية القاسية، مع ملاحظة أن كلمة “المؤمن” لم تكن تتضمن أي معان فئوية أو أبعاد طائفية.

القاص عصام الزهيري- صفحة الكاتب على فيسبوك
القاص عصام الزهيري- صفحة فيسبوك

وتابع: الكلمة تعني في استخدامها الشعبي الإنسان القريب من الله روحانيا وسلوكيا، غير أن التشدد والتزمت الديني والنزوع الطائفي والتمييزي، جعل لفظة المؤمن هي اللفظة المستخدمة على نطاق واسع للتعبير عن هؤلاء الأشخاص النموذجيين من جهة سلوكية وأخلاقية، وإنما حلت محلها مصطلحات أخرى تحمل دلالات أخرى مثل كلمتي مسلم وإسلامي.

ويوضح زهيري، أن المؤمن إذن في نظر المأثور الشعبي المصري “منصاب” لأن الله إذا أحب عبدا ابتلاه حسب الموروث الديني، لذلك لم يكن من المناسب أن يحزن المصريون لبلاء يصيبهم إنما كان عليهم في كل الأحوال أن يتقبلوا مصابهم ويتصبروا على أحزانهم بل ويتكتموا في أحيان كثيرة هذه الأحزان حتى تدوم وقتا أطول، لأن “الحزن في القلب” يدوم بأطول مما تدوم أحزان المظهر واللسان.

أرواح في خطر

يذكر الدكتور أحمد ذكي، طبيب وباحث ومترجم خلال دراسة “أرواح في خطر” للكاتبة والباحثة الأمريكية لافيرن كونكه، التي تؤرخ فيها  لأحوال الصحة العامة في مصر في القرن التاسع عشر، أنه من خلال الرواية التفصيلية لمواجهة العالم مع وباء الكوليرا الذي اجتاح العالم في مرات شبيهة لما هو حادث لنا الآن مع كورونا.

ويضيف أن علم الطب الأوروبي وقف وقتها عاجزا، رغم التقدم الظاهر الجاري طوال القرن الثامن عشر الذي بلغه في الربع الأول من القرن التاسع عشر في مجال علوم التشريح والتغيرات التي تحدث بسبب المرض في أعضاء الجسم وأنسجته والتشخيص والتسجيل الطبي بالمستشفيات، في مواجهة وباء الكوليرا.

ونوه ذكر بأنه في ذلك التوقيت لم يكن الطب قد اكتشف الجراثيم المسببة للمرض، كما لم يكتشف بعد المضادات الحيوية كعلاج ولهذا لم تكن تدابير مواجهة الوباء التي اقرحها الطب الحديث وقتها سوى إنشاء المعازل “الحجر الصحي” والاهتمام بالنظافة.

الدكتور أحمد ذكي - صفحته على فيس بوك
الدكتور أحمد ذكي – صفحة فيسبوك

ووفقا لكتاب “أرواح في خطر” الذي ترجمه “ذكي” عن مؤلفته التي قالت: “منيت مصر بوباء الطاعون أو الكوليرا عشرة مرات ما بين عام 1881 وحتى عام 1902، حيث ظهر الطاعون في مصر عام 1865 بسبب الحجيج، وكان آخر وباء للطاعون والأشد فتكا، كان في نهاية القرن التاسع عشر وتحديدا عام 1899، بعد غياب استمر لمدة 55 عاما، نتيجة لا مبالاة المصريين وإيمانهم بالقضاء والقدر وما أنتجته العقلية الشعبية من تمثلات شعبية تكرس لعدم الاهتمام والأخذ بالأسباب”.

وتضيف تشير كونكه، أن صراعًا كان يدور بين الأهالي والمسؤولين بخصوص المعازل الطبية، فقد ذكرت أن الأهالي كانوا يدفنون موتاهم في أفنية المنازل سرًا، وأن الفلاحين في القرى كانوا يخفون الموتى والمصابين داخل صناديق تحت الأسرة، أو بداخل الأفران المنزلية، خوفا من العزل، وذلك لتشدد إجراءات الحكومة في تنفيذ إجراءات العزل بالقوة في كل من المستشفيات والمدارس والأسطول الحربي والمصانع وحتى قصور الحريم الخاصة بالعائلة المالكة، وهو ما نراه الآن في بعض الأماكن في مصر في التعامل مع وباء كورونا، من عدم الاستجابة لتحذيرات الحكومة.

وبحسب ما ذكره ميخائيل دولز، مؤرخ الطاعون في الشرق الأوسط، الذي جمع العديد من المخطوطات والكتابات العربية التي تناولت الطاعون، قال إن فكرة العدوى بالمرض غير واردة في ثقافة المصريين الشعبية، واصفا اقتناعهم بأنه نابعًا من ثلاث مأثورات، هم: “على المسلم ألا يفر من أرض ضربها الطاعون، أن الطاعون ما هو ألا رحمة من الله ويمثل عقابا للكافرين، وأنه لا توجد أي عدوى بالمرض”، وهو ما نراه الآن من استمرار التجمعات في الشوارع أو داخل البيوت بالرغم من وجود العديد من الوسائل الحديثة الإعلامية منها والإرشادية عما كان في الماضي.

رصد للوضع الحالي

يرى الروائي محمد جمال الدين، الكاتب والروائي وعضو اتحاد كتاب مصر، أن هذا السلوك المنفلت للمصريين من تجمعات وخلافه يمكن أن يكون سببًا في حدوث كوارث.

ويضيف، من نافذة منزلي بإمكاني أن أشاهد العالم الغريب الذي لا يلقي بالًا لأي شيء، مقهى صغير من اختراع مجموعة من الشباب بعد إغلاق مقهى الشارع الرئيسي، ونساء يقبلن بعضهن قبلات حارة كلما التقين، ودوائر صغيرة للأطفال يلتصقون ببعضهم وهم يلعبون، وجارتي شديدة الفضول التي لا تترك أنسيا ولا جنيا يختفي إلا وترصده وتطارده وتسأله من أين جاء؟، وإلى أين هو ذاهب؟، وماذا يأكل وماذا يشرب؟

الروائي محمد جمال الدين - صفحة فيسبوك
الروائي محمد جمال الدين – صفحة فيسبوك

وتابع جمال الدين: شارع بحي شعبي يجعلك ترى ما يدور في العقول وما يستحوذ عليها من اللامبالاة، لا يستوعبون فكرة كوارث ولا أزمات، عقول في حد ذاتها كوارث وأزمات تلقي بظلالها علي معاناتنا فتزيدها ألما وتزيدنا خوفا من مجهول قادم يقف رابضا كوحش سيقفز ليفترس دون رحمة.

كما أن قلة المتابعة أو صعوبتها في الأحياء الشعبية جعل هؤلاء يظنون أنه لا يوجد حظر ولا يوجد كورونا، وفي لحظة ما تشعر أن ميكروب معين دخل تلك الأمخاخ فامتصها فلم يعد هناك شيء برؤوسهم يجعلهم يفكرون.

 

 

الوسوم