كورونا تطفئ بهجة الحسين.. والليالي الرمضانية ذكريات من الزمن الماضي

كورونا تطفئ بهجة الحسين.. والليالي الرمضانية ذكريات من الزمن الماضي حي الحسين بالقاهرة.. تصوير: أميرة محمد

“يا بهجته في حي الحسين منظر يمتع كل العين، بنشوف الناس أفواج أفواج رايحين جايين زي الحجاج، والبياعين في كل مكان منظر مألوف بس في رمضان”، كلمات أوبريت رمضان تجسد الأجواء في الاحتفال بهذا الشهر.

ما بين المقاهي الأثرية والأكلات الشعبية والأماكن التراثية والأغاني الفنية، كنا نعيش ليالي رمضان في الحسين، التي حرمنا منها هذا العام بسبب فيروس كورونا المستجد.. “باب مصر” يفتح الذكريات مع شهر رمضان في الحسين.

حي الجمالية

“كمنطقة فوق العادة”، هكذا يعبر مانويل كاستلز، عالم الاجتماع الثقافي والاتصال الجماهيرى، عن أشكال ليالي رمضان فى ميدان الحسين، الذي كان يضاء طوال الشهر الكريم بالحفلات الفنية والإنشاد الديني، التي تنظمها الهيئة بمسرح سور القاهرة الشمالي وتستمر حتى منتصف الشهر الفضيل، بالإضافة إلى إنشغال المقاهي والمطاعم والأحياء المجاورة له بأفواج المصريين المقبلين من أجل الإفطار أو السحور أو الاستمتاع بليالي رمضان.

أما “ميدان الحسين” فهو أحد الأحياء الشهيرة بحي الجمالية، يضم مسجد وضريح الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب، حفيد سيدنا محمد صلي الله عليه وسلم، وأطلق على الحي اسمه تكريمًا له، كما جاء في كتاب “من سيرة المماليك”، للمؤلفة جيهان مأمون.

يحاوط الميدان عدد من المطاعم والمقاهي الشهيرة، التي تعتبر مقصد لجميع الزائرين خاصة السائحين، وأشهر هذه المقاهي هي مقهى “الفيشاوي”.

ساحة ميدان الحسين في الحظر – تصوير: أميرة محمد
مقهى الفيشاوي

يتردد الكثير من الناس في الطبيعي على مقهى الفيشاوي بشكل يومي، إلا أنه في شهر رمضان كانت تكتظ بالناس، يكاد لا يسع المكان بها وتحاول أن تحجز دورا لك ولعائلاتك، نظرًا لما تتمتع به المقهى بأجواء مصرية أصيلة، ومشروبات ذات طابع مصري، كالشاي بالنعناع الذي لا تتذوق روعته في مكان آخر.

المقهى عمرها 266 عامًا، بنيت في العصر العثماني في عهد والي مصر محمد بك أبوالدهب، لصاحبها فهمي الفيشاوي فتوة الجمالية في ذلك الوقت، كبوفية صغير، ثم استطاع شراء عدد من المتاجر المجاورة وحولها إلى مقهى مكون من ثلاث غرف.

يوضح أكرم الفيشاوي، حفيد الفيشاوي مالك المقهى – في تصريحات تليفزيونية ببرنامج على الهوا – أن الغرفة الأولي بالمقهى تسمى “الباسفور” كانت مخصصة للملك فاروق، آخر ملوك أسرة محمد علي في رمضان، وكبار ضيوف مصر من العرب والأجانب.

وثاني الغرفة “التحفة”، وهي خاصة بالفنانين، والثالثة حجرة “القافية”، وكانت الأحياء الشعبية في النصف الأول من القرن العشرين، تتجمع كل خميس من شهر رمضان في القافية، وعمل منازلة كلامية بين زعمين، أحدهم شخص يمثلها من سماته خفة الظل وسرعة البديهة وطلاقة اللسان والسخرية، فكان يبدأ ثم يرد عليه الآخر.

للمقهى شهرة عالمية وتاريخية لما استقبلته من شخصيات عامة على مدار عمرها، كجمال الدين الأفغاني، وأم كلثوم، ومحمد عبده، وجمال عبدالناصر، وسعد زغلول، وأنور السادات، وسلامة حجازي، فضلًا عن الصلة القوية بين المقهى والكاتب الكبير نجيب محفوظ، الذي كان من المترددين عليها بشكل دائم، “كتب الروايات هنا وأتصور مشاهد من من السكرية وقصر الشوق وبين القصرين هنا”، هكذا قال الفيشاوي.

 موائد الرحمن

عبر صلاح جاهين عن شهر رمضان في الحسين، الذي لم يخلِ كل عام من موائد الرحمن التي كانت تنظم من قبل الكثيرين من قاطني حي الجمالية، وقال عنها.

من حوارى الحسين راحو اشتروا الطرشى

خيار و لفت و بصل و لمـون قديم محــشـي

فوق البوفيه رصّوا برطماناته و لا ساعشى

أَحمر و بنـي و بـمبه وعـنـبــرى و اصــفــــر

و يومين يا دوبك ده كله يروح ما يرجعشى

فيما يقول محمد خليل، مدير إدارة الوعي الأثري، إن موائد الرحمن تعد من مظاهر الشهر الكريم، بالرغم من بساطتها وإقبال الناس عليها – خاصة من غير المقتدرين – إلا أن موائد الرحمن يخضع إعدادها إلى عدة مراحل، تبدأ بعمليات شراء المواد التموينية وتوفير مخزن الطعام، ثم مرحلة اختيار العمالة المأجورة للعمل داخل موائد الرحمن، فمرحلة طهي الأطعمة، ثم إعداد المائدة وتجهيزها تمهيدًا للمرحلة الأخيرة، وهي توزيع وجبات الإفطار على ضيوف المائدة.

وطبقا لدراسة الدكتور على أحمد الطايش، أستاذ الآثار والفنون الإسلامية بكلية الآثار جامعة القاهرة، يذكر أن فكرة موائد الرحمن ترجع إلى الولائم التي كان يقيمها الحكام وكبار رجال الدولة والتجار والأعيان فى أيام الفاطميين وهو ما يطلق عليه سماط الخليفة.

وكان القائمون على قصر الخليفة الفاطمي يوفرون السكر والدقيق لصناعة حلوى رمضان من الكنافة والقطايف وغيرها، وهناك أيضا دار الفطرة ومهمتها إعداد الكعك وما شابه لتوزيعه في ليالي الفطر والعيد وتعد بالقناطير لتوزع على مجموع المصريين في القاهرة.

ويحكي المقريزي عن سماط رمضان الذي تطور إلى موائد الرحمن، ويقول: “كان السماط يمد من في قاعة الذهب بالقصر الشرقي الكبير في ليالي رمضان وفي العيدين، وهذه القاعة كان بها جلوس الخلفاء في الموكب يومي الإثنين والخميس”.

ويصف المقريزي الولائم الفاطمية، ويقول: “لا يفوته شيئ من أصناف المأكولات الفائقة والأغذية الرائقة وهو مبسوط في طول القاعة ممتد من الرواق إلى ثلثي القاعة، والفراشون قيام لخدمة الحاضرين، فيحضرون الماء المبخر في كيزان الخرف إلى الحاضرين ويستمر ذلك إلى العشاء”.

مقهى السكرية، أرشيفية- تصوير: أميرة محمد
خان الخليلي

أما في خان الخليلي، فهنا أجواء الشهر الكريم على حق، وهو أحد الأحياء المجاورة لحي الحسين، ويتحول من قبل بداية شهر رمضان، إلى قبلة المصريين، لما يحويه من بائعي الفوانيس ومستلزمات رمضان من الياميش في جميع محال العطارة.

أما عن سهرات المقاهي في هذه الحارة، يكون لها نشاطًا خاصًا، حيث تأتي الفرق الغنائية لتحيي المهرجانات، في ظل الإقبال الشديد والتزاحم من قبل الزوار، ومن أهم هذه المقاهي، مقهي نجيب محفوظ، ومقهى السكرية.

يصف نجيب محفوظ في روايته خان الخليلي، أجواء شهر رمضان في الحي، بقوله: “جاءت الرؤية وانتظر الناس بعد المغرب وعند العشى أضاءت مئذنة الحسين إيذانا بشهود الرؤية، وزينت المئذنة بعقود المصابيح مرسلة على العالمين ضياء لألاء، فطاف بالحي وما حوله جماعات مهللة هاتفة صيام صيام كما أمر قاضي الإسلام، رمضان في حينا إنه النور والسرور إنه الليل المنار اليقظان إنه الليل العامر بالسمار والمنشدين واللهو البري”.

وتذكر جيهان مأمون، فى كتابها أيضًا، “حي الجمالية يضم أشهر سوق شرقي في مصر، وهو سوق خان الخليلي الذي سارت شهرته عالميًا، أنشاه الأمير جهاركس الخليلي أحد أمراء السلطان برقوق فوق مدافن الفاطميين التي تجاور القصر الشرقي الكبير وتعرف باسم تربة الزعفران، وقد نبش جهاركش قبور الفاطميين وألقي ما بها من رفات علي التلال الموجودة خارج القاهرة لإنشاء الخان”.

ويقول المقريزي، إن الخان كان عبارة عن مربع كبير يحيط بفناء، ويشبه الوكالة تشمل الطبقة السفلي منه الحوانيت وتضم الطبقات العليا المخازن والمساكن.

شارع المعز في الحظر.. تصوير: أميرة محمد
شارع المعز

إذا ذكر رمضان ذكر المعز، تزين الشارع بصورة مبهرة كل عام فى شهر رمضان، وتفرش ساحته الواسعة بالمقاعد ليستخدمها المارة في الجلوس والإفطار والأسحار، ليجذب إليه أفواجا تلو أفواج من المصريين والسياح، للاستمتاع بالحفلات الفنية والإنشاد الديني في بيت السحيمي وقصر الرحماني، وأداء صلاة التراويح التي لا يضاهي جمالها جمال في جامع الحاكم بأمر الله.

وجاء في كتاب “من سيرة المماليك”، أن شارع المعز لدين لله الفاطمي أقدم وأطول شارع أثري في العالم تبلغ مساحته أربعة آلاف وثمانمائة متر، ويعد أكبر متحف مفتوح للآثار الإسلامية يجسد تاريخ مصر عبر رحلة عمرها ألف عام، وهو من أقدم الشوارع التاريخية في القاهرة.

ويقع شارع المعز في منطقة الأزهر بحي وسط القاهرة، ويحده شمالا باب النصر وباب الفتوح، ومن الجنوب شارع باب الوزير، أما من الغرب يحده شارع بورسعيد، ومن الشرق شارع الدراسة وبقايا أسوار القاهرة، وقد أسماه الرحالة والمؤرخون بـ”الشارع الأعظم”، لذا يقصده الجميع من داخل مصر وخارجها لتنشد عبق التاريخ والحضارة الإسلامية وخصوصا في الليالي الرمضانية.

الوسوم