قصور الفيوم.. هل يطالها الهدم؟

قصور الفيوم.. هل يطالها الهدم؟ قصر السوداني بشارع السواقي بالفيوم.. تصوير: منال محمود

قصور عريقة ومنازل قديمة، شرفات ومشربيات خشبية، شبابيك وأبواب عالية ومرتفعة، زخارف وتيجان وأعمدة تقاوم الزمن، بعضها تغير واختفى لونها الأصلي بفعل قسوة حرارة الشمس، تعلوها طبقات من التراب، بعضها تركها ساكنيها، لكنها لا تزال صامدة رغم قسوة الزمن وتغير ملامح المكان والمدن والقرى من حولها عشرات المرات، يرغب ملاك الكثير منها في هدمها وبناء أبراج سكنية مكانها، لكن الدولة ممثلة في جهاز التنسيق الحضاري وفريقه بمحافظة الفيوم، يناضل لمنع هدم تلك القصور والبيوت، ونجح بالفعل في منع هدم العديد من تلك القصور والبيوت للمحافظة عليها وحمايتها.

قصور الفيوم

تتولى لجنة تابعة لجهاز التنسيق الحضاري، حصر المنشآت والمباني ذات الطرز المعمارية المتميزة والشخصية التاريخية المتفردة، والتي تمثل تاريخا لحقبة مهمة، أو تلك المباني التي تعتبر مزارًا سياحيًا، التي تخضع لمعايير ومواصفات أهمها أن تكون مرتبطة بالتاريخ القومي.

وتسجل اللجنة المبنى وكل ما يتعلق بالمبنى اسم المالك وحالته القانونية، واستخدام المبنى وحالته الإنشائية الظاهرية، تقييم الأجزاء والعناصر التي تحتاج إلى ترميم للحفاظ عليها، مع تدعيم كل ذلك بالصور الفوتوغرافية للتوثيق.

التنسيق الحضاري

ووفق سجلات جهاز التنسيق الحضاري بالفيوم، تتنوع المباني التي تم ضمها إلى الجهاز بالمحافظة، حيث إن بعضها تستخدمه أجهزة وهيئات الحكومة، وبعضها الأخر يمتلكه مواطنين آل إليهم بالوراثة أو بالشراء، ووفق سجلات الجهاز فإن تلك المباني تم ضمها للتنسيق الحضاري وهي:

مبنى السكة الحديد، حيث محطة قطارات الفيوم، في شارع محمد بك جعفر، بداية شارع الورشة وفي الجهة المقابلة لقصر ثقافة الفيوم، ويعود تاريخ إنشاء المبنى إلى عام 1903، ويتبع هيئة السكك الحديدية.

مبنى بنك مصر، يقع على جانب بحر يوسف، بشارع الحرية، يرجع تاريخ إنشائه إلى عام 1926، هناك أيضًا قصر أنيسه ويصا، والذي يقع خلف نادي الشرطة، والذي يستخدم كمقر لمجلس الدولة، مبنى البنك الأهلي بشارع الحرية، منزل المستشار ربيع توفيق السوداني بشارع الحرية، فيلا الجمال بشارع إسماعيل الدوري آخر شارع الورشة، قصر همم بشارع المعتصم بالله، مبني مديرية الري بالفيوم شارع سعد زغلول، استراحة وكيل وزارة الري بشارع سعد زغلول أمام مستشفى الرمد، مدرسة الفيوم الإعدادية بنين “المدرسة الأميرية”، شارع عدلي يكن، مدرسة جمال عبدالناصر الثانوية العسكرية  بشارع بطل السلام، وتقع جميع تلك المباني بمدينة الفيوم.

أما المباني خارج مدينة الفيوم، التي تم تسجيلها فليست بالكثير وتتمثل في: المباني الواقعة بمركز ومدينة سنورس وهي، فيلا أحمد أبو زيد طنطاوي، منزل عبدالحميد أبو زيد طنطاوي، أو برج الفيوم الشهير الذي يقع على ضفاف بحيرة قارون.

ويوجد في مركز إطسا فيلا عبدالقادر الباسل بقرية السعدة القبلية، قصر حمد باشا الباسل بقرية قصر الباسل، قصر عبدالستار بك الباسل بقرية قصر الباسل، قصر أحمد حشمت باشا بقرية حشمت بـ تطون.

وتم تسجيل استراحة الأميرة فوزية على طريق بحيرة قارون في مركز أبشواي، وفي مركز طامية يوجد قصر السيد ممدوح عبد الظاهر الجمال بقرية منشأة طامية.

عقبات كثيرة

تواجه لجنة التنسيق الحضاري عند قيامها بتسجيل المباني وضمها للجهاز العديد من المشاكل، تقول الدكتورة منى حسن سليمان، رئيس قسم الهندسة المعمارية بكلية الهندسة جامعة الفيوم ورئيس لجنة التنسيق الحضاري بالمحافظة، نواجه بعض المشاكل والعقبات التي تقف في طريق عملنا ومنها وجود صعوبة كبيرة في معرفة المباني ذات الطرز المعمارية المتميزة لتسجيلها، حيث لا يوجد أي أرشيف يمكن عن طريقه الوصول بسهولة لتلك المباني، كما نتعرض لرفض الكثير من سكان المباني تسجيل المبنى، وعدم السماح لأعضاء اللجنة بدخول المبني أو حتى التواجد خارجه بالقرب منه، وذلك لرغبة الملاك إما في البيع أو الهدم.

تكمل رئيس جهاز التنسيق الحضاري: تعمد بعض ملاك المباني إلحاق الأضرار بالمباني  لتكون آيلة للسقوط فيسرع هدمها، وبالرغم من قيام اللجنة باتخاذ الإجراءات القانونية حيال تلك الأفعال، إلا أننا نجد صعوبة في حماية تلك المباني من آثار الأضرار التي لحقت بها أو إعادتها إلى طبيعتها وشكلها الأساسي، كما أن الخلافات بين ورثة تلك المباني تعد عقبة أخرى، وفي بعض الحالات نجد صعوبة في الوصول للمالك الحقيقي للمبنى، مما يعرض المبنى لإلغاء تسجيله بحكم قضائي، كما يقف ضعف الإمكانيات وعدم وجود ميزانية لترميم تلك المباني كعقبة أخرى أمامنا، إلى جانب عدم رغبة أغلب الملاك بعملية الترميم بهدف هدم المبنى. وتتمنى الدكتورة منى التعاون من قبل الأهالي مالكي تلك العقارات بشكل أكبر للمحافظة عليها.

شكل العمارة

وحول العمارة القديمة في الفيوم، تقول الدكتورة غدير دردير خليفة، أستاذ الآثار والعمارة الإسلامية المساعد، بكلية الآثار جامعة الفيوم، منذ مطلع  القرن التاسع عشر اهتم الأعيان وذوي الشأن من مواطني الفيوم بتشييد القصور، وبناء البيوت ذات المساحات الواسعة، ولم يحدث هذا في المدن فقط، بل ً حدث أيضا في القرى، حيث تأثرت البلاد أثناء حكم أسرة محمد على بالعمارة الأوروبية، فقد كان حكام الأسرة العلوية ينظرون إلى أوروبا كمصدر من مصادر الحضارة والتقدم، وسعى محمد على لدفع البلاد إلى الأخذ من هذه الحضارة لاسيما في عمارتها وفنونها المختلفة، وقد أُطلق على العمارة وقتها مصطلح ” التفرنج”.

تكمل دردير: كانت محافظة الفيوم آنذاك تضم طبقات اجتماعية مختلفة، حيث تنوعت ما بين الحكام والتجار والعامة في المدن والقرى، وقد أصبح لكل طبقة متطلباتها التي تتناسب مع مكانتها، وكانت القصور نموذجا واضحا  وقويا لبيان غنى ومنزلة أصحابه وقاطنيه.

ومن أهم الملامح المميزة لواجهات القصور بالفيوم هو الاتجاه نحو البساطة، والتكرار الرأسي والأفقي للعناصر المعمارية، كالنوافذ التي توجد على الواجهات، ظهور الزخارف النباتية والهندسية البسيطة والمتكررة، وضوح عدد الطوابق من خلال الواجهات.

أما فيما يتعلق بمداخل تلك القصور، فقد لوحظ أنها لم تعد قاصرة على الحماية والأمان ونقل الفرد من الفراغ الخارجي إلى الفراغ الداخلي فقط، لكن بدت عليها الملامح الزخرفية الأولية الطابع، والاهتمام بالتفاصيل الدقيقة للمدخل حتى يتوافق باب الدخول مع ملامح العمارة المحيطة،  كما احتوت قصور الفيوم إبان القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين على الأعمدة ذات التيجان متنوعة الأشكال، سواء كان ذلك بغرض وظيفي أو غرض زخرفي، كما لوحظ أن الأعمدة كانت تتقدم أبواب الدخول، كما احتوت تلك القصور على العديد من الملامح المعمارية والفنية المستحدثة مثل: الفرنتون، والفرندات، والبانوهات، أو الأبراج وحجرات الحراسة والأرضيات الباركية.

وبرغم ما يواجهه جهاز التنسيق الحضاري في الفيوم من عقبات، إلا إنه يعمل بمجهود فردي، فلا منظمات مجتمع مدني تقف ورائه لدعمه، ولا مؤازرة من المثقفين، ولا حملات للحفاظ على هذا التراث المعماري الذي تزخر به الفيوم، ويدعو الجهاز كافة أهالي الفيوم بالمساعدة في الكشف عن أي مبنى قديم يحمل طابعًا معماريًا مميزًا، وحتى لا نستسلم لمحو جزء من ذاكرتنا التاريخية، ومازالت العشرات من تلك البيوت تنتظر التدخل العاجل لحمايتها والحفاظ عليها وأتمنى ألا نحمل الرايات البيضاء في مواجهة القبح.

اقرأ أيضا

لوكاندة قارون.. تاريخ ينتظر الإحياء

الوسوم