فيديو| محمود عرفة.. من البناء إلى النحت

فيديو| محمود عرفة.. من البناء إلى النحت محمود عرفة نحات من محافظة الفيوم .. تصوير منال محمود

دون أن يخطط الشاب العشريني الذي يعمل في مهنة البناء، وجد نفسه منجذبًا لعمل تماثيل كتلك التي يشاهدها وتملأ ذاكرته البصرية وهو يمر في طريقها ويراها ملقاة في مساحة من الأرض الفضاء بمنطقة كيمان فارس بمدينة الفيوم.

وهكذا بدلا من أن يصبح أسطى كبير في مهنته أصبح مجذوبا إلى فن النحت الذي فجر بداخله موهبته الإبداعية التي ساعدت على بزوغها ورؤيتها للنور ذاكرته البصرية، حيث كان يتمتع بوعي بصري حاد قادر على حفظ أدق التفاصيل الفنية التي تضمها التماثيل التي كان يشاهدها.

موهبة

طوال خمسين عامًا مارس محمود عرفة النحت دون أن يعلم أحد عنه شيئًا من فناني أو مثقفي محافظة الفيوم، على الرغم من أن بعض قطعه النحتية قد تكون موجودة الآن في بعض دول العالم، حيث كان عرفة طوال تلك الفترة التي تجاوزت نصف قرن يبيع ما ينتجه للعديد من البازارات ومحال بيع التحف في مناطق الحسين والهرم والزمالك.

لا تفارق البسمة وجه عم محمود عرفة هذا الرجل السبعيني الذي مازال حتى هذا العمر يعمل ببناء بيوت أهالي قريته بمنشية عبدالله، التابعة لمركز ومحافظة الفيوم، وينتج أعمالاً إبداعية شديدة الخصوصية، لم تعرفها قاعات العرض إلا منذ سنوات ثلاثة، وقد لفت إليه الأنظار منذ أن شارك في المعرض القومي العام بدار الأوبرا، وتم اختيار إحدى أعماله النحتية ضمن مقتنيات وزارة الثقافة.

النشأة والبدايات

لم يدرس عم محمود الفن، بل لم يتلق تعليما منتظما، اعتمد على نفسه، يقول: “خدت الفن هواية، وبدأت بتشكيل الطين، كنت بشوف التماثيل في التلفزيون، وبروح أتفرج عليها في منطقة كيمان فارس بالفيوم، وعلمت نفسي بنفسي من غير ما أعرف إن اللي بعمله فن، كنت بحس بسعادة كبيرة بعد ما بخلص قطعة أو تمثال”.

هكذا بدأ هذا الفنان الفطري طريقه في الفن، معتمدًا على ذاكرته في الحفظ واستخدام الطين في التشكيل، وما تركه الأجداد من ميراث عظيم .

مرحلة الاحتراف

بعد أن شعر العم محمود بأنه أتقن النحت، بدأ يسأل عن أماكن لبيع ما ينتجه من تماثيل كان أغلبها يأخذ الطابع الروماني، تأثرا ربما بما التماثيل التي كان يراها بمنطقة كيمان فارس والتي يرجع الكثير منها الفترة الرومانية.

وبموهبته الجديدة استطاع أن يتحصل على دخل أكثر مما كان يجنبه من مهنة البناء، يقول: “قررت النزول للقاهرة وكان ذلك في الثمانينيات، ومعي مجموعة من شغلي، لفيت على البازارات الموجودة في الحسين في البداية تعرضت للنصب من بعض التجار كانوا يريدون التعاقد معي على 15 جنيها ثمنا للقطعة الواحدة، لكن بعد ذلك عرفت قيمة شغلي كنت ببيع القطعة بـ200 جنيه و300 و500 حسب الحجم، إلى أن أصبحت معروفا لديهم، وكان بعض الأجانب يأتون إلى منزلي بالفيوم برفقة أصحاب البازارات ليشتروا مني بعض القطع”.

شرطة الآثار

أثار وجود غرباء بشكل متكرر في بيت عم محمود وخروجهم يحملون أشياء كبيرة الحجم وملفوفة لا يظهر شيئًا منها، الشكوك لدى جيرانه وبعض أهل قريته فأبلغوا عنه شرطة الآثار لشكوكهم التي تنامت بأنه يتاجر في الآثار، لاسيما أنه طوال سنوات طوال لم يكن يريد أن يعرف أحد ما يفعله خوفًا من السخرية منه، فاقتحمت الشرطة منزله بحثًا عن الآثار فلم يجدوا شيئًا مخفيًا ووجدوا بعض القطع التي لم يصدق ضابط قوة الشرطة أنها قطع نحت وأعمال فنية وليست أصلية، ولم يصدق ذلك ألا بعد قرار خبير، “ومن وقتها اشتغلت في العلن أمام الجميع دون خوف من السخرية”.

خامات وأدوات طبيعية

لا يستخدم عم محمود أي آلات كهربائية في تشكيل منحوتاته، فقط يستخدم يديه، وبعض العدد البسيطة كالشاكوش والمبرد والأزميل، كذلك يستخدم المواد الموجودة في بيئته مثل، الطين والحجر من الجبال بصحراء الفيوم، كما يستخدم “الكانون” البدائي لحرق تماثيله المصنوعة من الطين، فلا يذهب إلى الأفران المخصصة لحرق هذه الأعمال، كما يستخدم هذا الموقد البدائي الصنع، في الطهي وتحضير الشاي.

الثقافة والمعارض 

لم يهتم عم محمود كثيرا بأن يتعرف على الفنانين الذين يعملون في هذا المجال، كما كان لا يعلم شيئا عن فرع الثقافة بالفيوم أو المعارض أو الحركة الفنية، وتعرف منذ ثلاث سنوات فقط، على أحد العاملين في المجال الثقافي، وهو من أخذه إلى قصر ثقافة الفيوم وعرفه على بعض فناني النحت هناك.

وهنا بدأ يتعرف على معنى الفن والثقافة والمعارض والمشاركة في الحركة الفنية، بأعمال إبداعية خاصة ليست نسخًا مقلدة للتماثيل الأثرية.

وكانت أول مشاركة له في المعارض من خلال المعرض القومي العام بدار الأوبرا، وقد أدهش عمله الذي شارك به لجنة التحكيم، ففاز باختياره ضمن مقتنيات الوزارة، وحصل على عشرة آلاف جنيه، ثم شارك بعدها في العديد من المعارض، “مكنتش عارف أتمالك نفسي من الفرحة مش عشان الفلوس بس، لا عشان الناس دي عجبهم شغلي وحمدت ربنا أنه وصلنى للمكان ده”.

وقد حصل عم محمود مؤخرا على منحة تفرغ من وزارة الثقافة لمدة عامين متتاليين.

طقوس خاصة

“النحت فن عاوز الصبر، لأن أي غلطة فيه يروح الشغل كله في داهية، عكس استخدام الطين أو الخزف الذي يمكن إعادة تشكيله”، هكذا قال ولذلك يختار عم محمود مادة أعمالة النحتية من الأحجار التي يختارها بعناية، ويبدأ في النحت.

“أحب أشتغل في هدوء بعد أن ينام من في المنزل والشارع، أبدأ في عملي حتى وأنا حزين أو زعلان اتجه للنحت، وبحمد ربنا على إني في هذا السن وقادر على العمل”، تركته وهو يعمل في أحد قطعه الفنية التي سيشارك بها في أحد المعارض، وهو يدندن بأغنية لفريد الأطرش، والأمل يشع من عينيه، و يقول وهو يودعني على باب منزله “ربك كريم”.

 

الوسوم