فى ذكرى مئوية ثورة ١٩١٩.. حافظ بك الكلحى رفيق سعد زغلول الحاصل على قلادة النيل

فى ذكرى مئوية ثورة ١٩١٩.. حافظ بك الكلحى رفيق سعد زغلول الحاصل على قلادة النيل حافظ بك الكلحي

فى ذكرى مرور 100 عام على ثورة 1919 ينفرد “ثقافة وتراث” بنشر سلسلة “عين الأعيان” التى نرصد فيها رموزا من تاريخنا المصرى ونستهل السلسلة بسيرة حافظ بك الكلحي، المناضل المصرى الملهم.

فى حوار خاص مع الحاج محمد عزت محمد إسماعيل، حفيد حافظ بك من ناحية الأم، وعم والده، ومن خلال مذكرات فخرى عبد النور (دار الشروق 1992) ننظر عن قرب عن دور حافظ بك الكحلى فى ثورة 1919.

 

حافظ بك الكلحي

في مطلع القرن الماضي، وتحديدًا قبل 99 عامًا، بمحافظة قنا، ظهر شاب ثلاثييني يقود المواطنين، أو للدقة الثوار بنجع حمادي، بصحبة زعماء القرى المجاورة، ويقومون يقطع السكك الحديدية التي كانت تحمل تعزيزات لجنود جيش الاحتلال البريطاني من السودان حينها، لمنعهم من الوصول للقاهرة حيث المقر الرئيسي لثورة 1919م، بجبهة عريضة، وأنف شامخ عصي على الرضوخ، وعينين تحمل من الحنين وحب للأهل والوطن ووللحرية والاستقلال ما يجعلها  تبدو قاسية عنيفة على كل ظالم يجور عليهم.. هكذا كان حافظ بك الكلحي، ابن قرية الكلح بالشرقي بهجورة، الحاصل على قلادة النيل فيما بعد، وأحد أهم الزعماء والساسة الوفديين بالصعيد، رفيق سعد باشا زغلول، وصديق مقرب للقطب الشيخ أبو الوفا الشرقاوي.

النيل بقرية الكلح- تصوير: مريم الرميحي
النيل بقرية الكلح- تصوير: مريم الرميحي

قرية الكلح 

ولعل قرية الكلح التي ولد بها عام 1885م وعاش بها حافظ بك الكلحي، أو حافظ  موسى أغا الكلحى، ابن ناظر قسم شمال قنا في عهد الخديوى إسماعيل، وجدة الشيخ جاد الكلحي، شيخ مشايخ الناحية في عهد محمد علي باشا، هي من نسجت تلك الشخصية الجامعة لبعض السمات التي تبدو متناقضة للوهلة الأولى.

ولعل الجبال الملاصقة للقرية، أمدته بالشدة والصلابة، كما أكسبه النيل الذي تطل عليه حب الحياة واللين والحنين للأهل الذي جعل منه زعيما وطنيا فدائيا لوطنه، بل وملهمًا للمحيطين وعلى رأسهم التهامي أفندي، طالب الثانوية، أبن أخيه ورفيقه في الكفاح الوطني، وشاعر ثورة 1919.

حافظ بك الكلحي مع بعض الزماء والأعيان
حافظ بك الكلحي مع بعض الزماء والأعيان

وفي عام 1918 كانت الحركة الوطنية في حراك  سياسي غير عادي، فب تمهيد قدري لثورة 1919 فيما بعد، ولم يكن الصعيد بمعزل على تلك الحركة، في زعمائها الوطنيين كانوا على تواصل دائم بما يدور في العاصمة القاهرة، والقيام بالدور الموازي في الصعيد.

وفي أثناء ثورة 1919م، لم يكتف حافظ بك الكلحي، باقتلاع خطوط السكة الحديد لحماية الثوار بالقاهرة من فتك جنود الاحتلال، بل قام بقيادة الثوار بنجع حمادي، ومهاجمة مستر روس الإنجليزي، مدير مصنع سكر نجع حمادي آنذاك، الذي تمكن من الهروب إلى قنا وقام بإبلاغ القيادة بالقاهرة بالثورة التي يقودها حافظ بك الكلحى وأقطاب الوفد وخطورة الموقف في صعيد مصر.

ولم يكن من المحتل الغاشم سوى إرسال بعض السفن والقوات رغبة في تدمير قرية الكلح والقبض على حافظ بك الكلحي. يقول الحاج محمد عزت محمد إسماعيل، حفيد حافظ بك من ناحية الأم، وعم والده، حيث دارت معركة غير متكافئة وقبل أن تدخل في خضم أكبر سلم حافظ بك نفسه، ومعه التهامي ابن أخيه طالب الثانوية الذي كان يلهب الثوار بشعره، بعد الحديث مع الشيخ أبو الوفا الشرقاوي، حقنًا للدماء، وتم ترحيله إلى سجن قنا وحكم عليه بالإعدام، ولكن لم ينفذ، وأفرج عن التهامي بعد قضاء عام وبضع شهور، ثم حافظ بك بعد عامين وبضع شهور.

ولم يقل حماسه ووطنيته مثقال ذرة، رغم مروره بفترة السجن،  حيث كان من ضمن زعماء الصعيد الذين دعوا سعد باشا زغلول لزيارة الصعيد، عام 1921 رغبة في إشعال فتيل الكفاح من أجل الاستقلال مرة أخرى، وتوحيد الصف الوطني في جميع أنحاء البلاد.

وعقب موافقة سعد باشا زغلول والتجهيز للزيارة عبر الباخرة “نوبيا”، أصدرت سلطات الاحتلال تعليمات بعدم استقباله من قبل المواطنين، أو السماح له بالنزول من الباخرة، وبناء على هذه التعليمات حضر مأمور مركز نجع حمادى إلى حافظ بك الكلحى ليبلغه هذه التعليمات وتحذيره من تجاوزها، فرفض حافظ بك الزعيم الوفدي الوطني، وعندما اقتربت الباخرة من قريه الكلح خرجت الجماهير تستقبلها بالمراكب الشراعية في عرض النهر وسط هتافات بحياة الزعيم سعد زغلول وبسقوط الاحتلال إلى أن رست الباخرة أمام مضيفة حافظ بك الكلحي، وسراياه.

وقضى سعد باشا زغلول عدة ساعات هو رفاقه من زعماء الوفد، بالإضافة للشيخ أبو الوفا الشرقاوي وفخري عبدالنور، الذي أورد كل تلك التفاصيل في مذكراته، في مهرجان وطنى عظيم وعروض الخيول والطبول والمزمار البلدي احتفالًا بسعد باشا.

وقد ظل لهذا الموقف دوي لدى سلطات الاحتلال حتى أنها قامت بمحاربة حافظ بك الكلحي، حين نجح علي قوائم حزب الوفد في انتخابات مجلس النواب التي أجريت بتاريخ 17 مارس 1925، الجمعية التشريعية الثالثة من 1926 حتي 1928، وطلب منه بعد ذلك الانشقاق عن حزب الوفد والانضمام لحزب الأحرار الدستوريين، بقيادة محمد محمود باشا رئيس وزراء مصر حينها، ولكنه رفض كل أساليب الترغيب والترهيب وتمسك بانتمائه لحزب الوفد وصداقته بالزعيم سعد باشا زغلول مما كان سببا في تعمد الحكومة إسقاطه فيما بعد في انتخابات الهيئة النيابة الرابعة بفارق 100 صوت فقط عن منافسة في ذلك الوقت، بعد تجاوزه مكيدة زرع الفتنة بين زعماء الوفد في قنا، أثناء انتخابات مجلس النواب بفطنة ومحبة حيث دعى حافظ بك الكلحي مكرم بك عبيد لترشيح نفسه في دائرته “نجع حمادي”،  بدلاً عنه.

وبعد فوز الوفد برئاسة الحكومة، منح حافظ بك الكلحي قلادة النيل من فؤاد الأول في عام 1928، تقديرًا لمواقفه الوطنية،  كما استقبل حافظ بك الكلحي الزعيم مصطفى النحاس باشا في صعيد مصر عام 1926م أثناء زيارته الأقصر مع عدد من قيادات حزب الوفد، كما استقبل حافظ بك الكلحى الزعيم فؤاد سراج الدين عام 1942م أثناء زيارته صعيد مصر.

وعلى الجانب الإنساني كان حافظ بك شخصا ودودًا محبا لعائلته، تزوج 4 مرات، وأنجب 3 أولاد، ماتوا جميعًا في ريعان شبابهم، أبرزهم أبنه الأكبر فؤاد الضابط بالحربية، و5 بنات، أصغرهن الحاجة سعاد التي ذكرت لنا كم كان ودودًا وعدلاً ومحبا لهن كما روت لها والدتها، حيث توفي وهي في عامها الثالث، وتحديدًا في 6 فبراير من عام 1949، عن عمر يناهز 64 عامًا.

الوسوم