عم حسني.. أقدم صانع «مانيكان» في القاهرة

عم حسني.. أقدم صانع «مانيكان» في القاهرة

تطالعها يوميا داخل “فاترينة” العرض أو واجهات المحلات الزجاجية، منذ أن عرفتها بيوت الأزياء العالمية، بداية القرن العشرين، وأخذت طريقها إلى مصر في الخمسينيات، دمية عرض الملابس “المانيكان”، يروي لنا عم حسني، 86 عامًا، رحلة صناعتها ودخولها إلى مصر.

تمثال النحت

على قهوة بجوار محله في شارع 26 يوليو، نظرًا لما لحق بالمحل من هدم دورين بالعقار الموجود به المحل. بدأ عم حسني، 86 عامًا، يسرد رحلته في عالم “المانيكان” قائلًا: “كنت صبيًا لا يتعدى الـ15 عاما، وكنت أعمل مع الفنانين مصطفى متولي ومصطفى نجيب، مدرسين فن النحت في التليفزيون، تعلمت على أيديهم أصول فن النحت دون ورقة أو قلم أو كتاب، بل هي كانت هواية نَمت مع الخبرة التي اكتسبتها منهم، ما أهلني للمشاركة معهم في صناعة تمثال أحمد عرابي في الزقايق، والذي يمثل الفلاح في ثورة 19”.

استمر معهم فترة إلى أن انتقل للعمل مع يوسف طاهر بجوار سينما علي بابا “طبعًا السينما مهدودة دلوقتي”، وكان فنان هو الآخر يعمل في تصليح كل ما يتعلق بالمتعلقات الفنية، إلى أن جاء شخص ومعه “مانيكان” من الشمع مكسور وطلب من يوسف طاهر أن يصلحه له ولكنه رفض وقال له “خلي تلميذي يعملهولك” وكان هذا التلميذ هو “عم حسني”.

المبتكر والصانع

كانت هذه البداية الحقيقية التي أظهرت موهبته، إذا قام بإصلاح “المانيكان” وطلب منه شمع وقام بترميمها وإعادتها كما كانت في الأصل “فالراجل بقا اتكيف من شغلي” مضيفًا عم حسني.

من النحت إلى “المانيكان” كانت مرحلة انتقالية بالنسبة لعم حسني، نظرًا لأنه سيبدأ في مجال لم يكن معروف في مصر لأحد وأيضًا كل ما يتعلق بها سيكون من تفكيره وتخطيطه فهو المبتكر والصانع والمنفذ.

يتابع: “طلب مني العمل سويًا اقترح عمل التمثال من الجبس، كان عنده بيت من طراز قديم وساكن آخر دور، واقترح عمله في السطوح، لما اتعملت الفورمة ولما صبينا جبس طلع تقيل “كنت لسه ما أعرفش المانيكان إيه شكله ومتطلباته” لابد من الخسارة في البداية، هكذا يصف عم حسنى الخطوة الأولى له في عالم “المانيكان”.

يكمل: نظرًا لثقل التمثال لم يقف على قدميه، فطلب مني أن يكون خفيف، ولم يكن يعلم ماذا يفعل عم حسني، فقام بالذهاب إلى ابن يوسف طاهر، لاستشارته، وساعده وعلمه طريقة تخفيف التمثال من الجبس من خلال الليف الأبيض القديم.

كان عم حسنى المنفذ والشريك، إذ كان يسوق لـ”المانيكان” من خلال عمله في مجموعة “صيدناوي” و”شيكوريل” و”سمعان”، وأغلب المحلات الكبرى التي كانت أصولها يهودية، وبعدها قرر فتح محل في “بدروم” تحت الأرض.

جاء حريق القاهرة، وساحت أغلب “المانيكان” بالمحلات وتشوهت، فَطلب من عم حسني تصليحه وهنا أنهى عم حسني تاريخ المانيكان الشمع في مصر قائلًا: “الشمع مقرف وتقيل، ومن غير عين قزاز ولسه هنعمل جفن وشغلانة، قولهم هنعمله جبس ونلونه”.

50 قرشًا

“في المدرسة أنا غاوي رسم فلونته وكنت أعمل الرموش من البروكة الشعر أفتحها وأطلعها فتل وأقص الشعر” كانت هوايتي، قالي ندخل شركة مع بعض بس هو طمع وسبتله المحل ومشيت، ولكن طلب مني العودة مرة أخرى وأشترط عليه أجرة كبيرة 50 قرشا، واشتغلت معاه وأجيب ناس وأعلمها ماقدرتش اشتغل لوحدي” فتحوا محل واستقلوا وباعوا للناس “المانيكان”.

عن الشارع ورد فعل أصحاب المحلات يوضح عجوز السن صبي الروح، أنه كان يأخذ “المانيكان” لأصحاب المحلات ويرفضوها لعدم معرفتهم بها، إلى أن اقترح عليه أحد أصدقائه بالتعامل مع الأشخاص المسؤولين عن تنسيق الفترينة، واتفق معه على نسبة 5% في البداية.

وكانت المرحلة الثالثة في عالم “المانيكان” عند دخول فايبر جلاس مصر وتجريبة بدلًا من الجبس “مع إنى كنت بعمل الجبس مع دقته وشغل “المانيكان” يشوفه الزبون تمثال وفي كل المواصفات”.

مراحل أخرى

يضيف الفنان جربنا أيضًا البلاستك مع التدريب وبعدين طلعت قوالب كوتش بدل قوالب جبس، عشان تطلع تفصيل اتعلمنا إزاي “المانيكان” ومشينا على هذا إلى الآن.

الدنيا لعبة

من المحطات الهامة في حياة عم حسني أنه قام بصنع تماثيل لعدد من الشخصيات البارزة، وعمل “مانيكان” لممثلين فيقول: “كانت رجاء الجداوي عارضة أزياء قديمًا كنت أصنع لها مانيكان مخصوص وكانت من الزبائن الدائمة، وكانت تسميني “حسني الجداوي”، وأيضًا فوازير “الدنيا لعبة” للفنانة الاستعراضية نيللي، طلبت مني الكور التي تستخدمها في الاستعراض”، فضلًا عن أن هناك زبائن تأتي لي بمانيكان اشترته من الخارج وتريد تصليحه نظرًا لأن شراء آخر مكلف ما بين 5 إلى 10 آلاف جنيه.

أحمد زكي

في الأربعينيات كان هناك  شخصية هامة، هو أحمد زكي مدير مسرح الجيش، جاء إلى رجل وطلب مني تصميم تمثال لوجه أحمد زكي، فطلبت رؤيته فقالي “ده راجل عايش في فرنسا وقته من دهب لما يكون جاهز هيجي” وطلبت 15 جنيها منه، وحددنا ميعاد بعد أيام يجي أحمد زكي، فقمت بتحضير كل حاجة “الباجور وصفيحة مياه وفازلين وجبتله فوطة بـ 15 قرشا حاجة كبيرة يعني قطيفة، ولم يأتي”.

في يوم من غير ميعاد أتى أحمد زكي بعد أن فات وقت كبير، قولتله “مين ده أنا شلت الحاجة أنت ماجبتهوش في اليوم اللي اتفقنا عليه، مش هعمل حاجة، اللي مجاش في وقته ما عنديش شغل ليه”.

ولكن أحمد زكي قالي اسمحلي أنا آخد منك ميعاد قولتله بعد بكرة الساعة 10 جالي في الميعاد فعلا، وأعطاني كارت بعنوان المسرح وعندما ذهبت هناك وجدت جميع العاملين يتحدثون عن ما فعلت بأحمد زكي.

فقدم له التمثال وأراد أن يأخذ رأي الكثير فجمعهم وقالهم “إيه رأيكم” ردوا جميعًا “ليه حق يرجعك”.

هكذا كان التاريخ إلى أن قرر عم حسنى من 5 سنوات أن يوقف التصنيع وتصبح الورشة تصليح مانيكان فقط، إلا أن سمعته في السوق لازالت رقم 1.

“كل دة وطربقوها علينا” هكذا يعود بي عم حسن من الماضي إلى الحاضر، فبعد كل هذا التاريخ يقف بي على تل من الهدم أمام العمارة الكائن بها المحل ويشير لي من بعيد عن بقايا المحل من ما يحدث فيه.

يقول عم حسني “طلعونا من محلنا وخربوها علينا ولا في مصدر رزق للحاضر ولا في تاريخ أحكيه لحد”.

الوسوم