عفاريت المحمل.. من هنا بدأ مسرح الشارع

عفاريت المحمل.. من هنا بدأ مسرح الشارع موكب الكسوة قديما.. ويكيبيديا

ارتبط ظهور عفاريت المحمل بموكب إرسال كسوة الكعبة المشرفة، التي تصنعها مصر وترسلها لبلاد الحجيج، يرافقها قافلة من الحجاج المصريين، التي كان من بينها شخصيات مصرية رفيعة المستوى وممثلين عن الحكومة المصرية.

الوالي هو من يحدد موعد الموكب، وبعدها يتم طلاء الجدران وتعليق الرايات، ويحتشد الناس في الشوارع التي تمثل خط سير الموكب للفوز بلمسها ونيل البركة.

عفاريت المحمل

“عفاريت المحمل” البذرة الجينية لعروض مسرح الشارع، ففي مصر ارتبط ظهورهم مع الموكب، ويعود أصل عفاريت المحمل إلى ممثلين هزليين كان يطلق عليهم “طائفة أرباب المساخر”.

هذه الطائفة كانت البداية الحقيقية لفنون عديدة مثل، السيرك والمسرح، إضافة إلي الأدباتية الذين كانوا يجوبون الموالد، وأطلق عليهم بعض المؤرخين والعوام “أصحاب المساخر”، ومع تكرار وجود بعضهم مع المحمل أثناء مروره بشوارع القاهرة قبل وصوله إلى مكة أطلق عليهم المصريين لقب آخر وهو “عفاريت المحمل”.

هم نجوم الاحتفال، يظهرون في أول المحمل بحركاتهم البهلوانية، كما كان من النجوم “البلياتشو” ذلك الرجل الذي يلطخ وجهه بالأصباغ، أو البهلوان الذي يسير على أرجل من الخشب، كما كان المصارعين ومدربو القردة والجمال والخيل، إضافة للغجر الذين كان بعضهم يرقص على الحبال المشدودة.

وهناك الحباظية وهم “لاعبي خيال الظل” الذين يحكون الحكاوي التراثية من خلف ستارة بيضاء بواسطة تحريك العرائس، ويحكون القصص عن السلطان وحاشيته ورجال الدولة، وكان العامة يلقون على كل هؤلاء من “عفاريت المحمل” قطع النقود وكانوا على ثقة أن ما يلقون من نقود سيعود إليهم ببركة الكسوة الشريفة والمحمل.

البهلوان والعفريت المصري

يذكر المؤرخ الدكتور محمد كامل حسين، أن أحد العفاريت قرر أن يقوم بشىء مختلف يجذب الأنظار إليه، فقام بربط حبل في مئذنة جامع السلطان حسن، وربط الطرف الآخر في أعلى طابق في القلعة، وانتظر العفريت البهلوان ظهور موكب المحمل بين المسجد والقلعة.

وبدأ يمشي على الحبل على يديه وعلى رجليه وسط تهليل وإعجاب المشاهدين أسفله، ولزيادة في الاستحواذ على إعجاب الحضور قام بالنزول إلى أسفل من خلال حبل آخر ربطه في الحبل المشدود، وأثناء نزوله على الحبل عمل بعض الحركات البهلوانية وبالطبع كان هذا العفريت البهلوان حديث المدينة جميعها لمدة كبيرة.

وقال ابن حجر العسقلاني، إن هذا البهلوان اسمه “يزبك الجركسي”، وقد ضمه السلطان إلى مماليكه وأنعم عليه بلقب راكب الحصان، وتعالي وتعجرف يزبك على المصريين وتحداهم بعدم وجود من يستطيع أن ينافسه من بينهم.

لكن بحسب العسقلاني، ظهر صبي مصري قرر تحدي الجركسي، ونجح في فعل ما فعله وزاد عليه بأن نام على الحبل المشدود، وكان ينزل على الحبل ورأسه إلى أسفل كما فعل الجركسي لكنه كان يصعد على الحبل مرة أخرى بنفس الوضعية.

طمع المماليك                                  

يشير الدكتور أيمن عثمان، في موسوعة تراث مصري، إلى أنه في عام 1460م أي عهد السلطان الأشرف إينال العلائي، طمع بعض المماليك في ما يلقيه المصريين من نقود كهبات على عفاريت المحمل، فتنكروا في زي العفاريت، لكنهم فشلوا في أن يقوموا بألعابهم، وتم كشف أمرهم وأطلق عليهم “أوباش المماليك السلطانية” وتم السخرية منهم لكنهم استغلوا الزحام وقاموا بأعمال نهب وسلب وخطف.

ومع تكرار هذه الأفعال من العفاريت المزيفة خشي العامة هذا اليوم بعد ما كانوا ينتظرونه بفرحة كل عام، وثار العامة على المماليك، وفي عام 1461، طالب بعض الأعيان السلطان بمنع خروج المحمل، فقرر السلطان عدم مشاركة أي من العفاريت في موكب المحمل، لكن لم يستمر هذا القرار طويلاً حيث عاد عفاريت المحمل لتصدر مشهد موكب المحمل.

 يراها الجميع

يصف المستشرق ستانلي لينبول، في كتابه “سيرة القاهرة”، رؤيته لعفاريت المحمل في عام 1831 أثناء وجوده في القاهرة.

يقول: مشاهدة موكب المحمل جديرة بأن يراها الجميع فهناك الألعاب والمهرجين والأراجيز المصريين الذين يجعلون الطبقات الدنيا يمرحون حتى تكاد جوانبهم تنفجر من الضحك على نكاته حتى الخليعة منها، مضيفا أن المصريين يمكن تسليتهم وإدخال الفرحة والسرور على قلوبهم حتى مع أبسط المناظر وأقل الكلمات والنكات.

اختفاء العفاريت

تقلص دور عفاريت المحمل في قيادة موكب الكسوة، وأثناء الاحتلال الإنجليزي لمصر حل محلهم فرقة موسيقى الجيش المصرية التي كانت تقوم تعزف الأغاني للجمهور في الأزبكية، وهو ما أستاء منه الكاتب فكري أباظة، وكتب في 25 أغسطس في مجلة المصور عام 1925، مقالة التي عاب فيها على تكليف فرقة موسيقى الجيش التي خصصت لاستشارة الحماس في النفوس، أن تغني”وتوبي يا حلوة توبي”، و”ويا دلع دلع” وغيرها من تلك الأغاني.

وعادت موسيقى الجيش عام 1936 إلى ثكناتها، لكن عفاريت المحمل لم يعودوا، لكن الذاكرة الشعبية خلدتهم ويطلق على كل ولد أو صبي شقي “واد عفريت”.

 

الوسوم