عرض لكتاب “وردة للخونة” محمد عبد النبي

عرض لكتاب “وردة للخونة” محمد عبد النبي غلاف الكتاب

كتب – مارك أمجد

تتضمن مجموعة “وردة للخونة” للروائي المصري محمد عبدالنبي إحدى عشرة قصة قصيرة يهديها للحظة كتابتها والأيام والأماكن والرفقة، معظمها كُتب في التسعينيات ومعظمها يُروى على لسان ضمير المتكلم، وحتى التي يرويها عن بطله تتسم بنبرة غير باردة ومتلامسة بجدية مع شخوصه.

تتباين أطوال القصص بشكل يلغي فكرة أن الكاتب يحصر نفسه في قوالب زمنية محددة، وإنما يترك نفسه لمتطلبات الخط السردي للقصة وحبكتها، لُغة عبدالنبي أيضا غير متكلفة، ورغم رصانتها إلا أنه لا يبخل ببعض المصطلحات العامية التي يمكن أن يستوعبها قاموس الفصحى دون أي إحساس بالنشاز الإيقاعي.

أيضا تعكس الموضوعات التي يتطرق إليها من خلال قصصه جرأة في تناول التابوهات، سيظل محافظا عليها حتى في روايته الأخيرة التي صدرت عن دار العين “في غرفة العنكبوت”، لذلك يكون من اللطيف دوما التعرض للكتابات المبكرة لروائيين حققت أعمالهم صدى واسعا، كي نرى كيف كان لمشروعهم الأدبي إرهاصات واضحة من البداية، وكيف تطورت حتى وصلت للمرحلة الأكثر نضجا الآنية.

المناخات التي تختارها المجموعة ليست بعيدة عن معظم البيئات التي يكون مرّ بها عادة أي قارئ، فنجد القصص تدور أحداثها في الجامعة والحارة والشارع وغرف النوم ومقرات الصحف، مما يجعل القارئ سريعا ما يتضافر معها ويرى نفسه في أبطالها، وإن كانت الأجواء مألوفة لكن الحبكات نفسها منحوتة من قِبل المؤلف، فحتى علاقات الغرام التي يضعها بين عشاقه غير مطروقة أو غير مُقدمة على الأقل بالشكل الذي يتحول لكليشيه في أعمال أخرى سابقة، كذلك شخوصه لا يميل لاستنباطها إلا من وحي شواغله الخاصة مثلما نجد في تلك القصة التي بطلتها كلبة شارع في حارة.

أما بخصوص كسر التابوهات، فلا يميل عبدالنبي لما يُسمى بالفرقعة، أي أنه يمرر أفكاره في صورة كلمات أو توصيفات عابرة، من الصعب أن تصطدم بعقلية المتلقي حتى لو كانت خلفيته وموروثاته تتعارض معها. وإن دلّ ذلك على شيء فهو أنه يستخدم فقط التفاصيل التي تخدم قصته، لا التي تسبب إرباكا وضوضاء من أجل لفت الأنظار، على غرار أعمال كثيرة تنال مرتبة “البيست سيلر” أو تُرشح لجوائز هامة،فقط من أجل ذلك السبب.

يغلب على الحكي طريقة التداعي في السرد، ويندر جدا الحوار إلا عند الضرورة. التصويرات غير مبتذلة وغير مكررة. يبدو اهتمام الكاتب بعالم السينما ونجومه وتأثره بتكنيكاته في القطع بين المشاهد، لا يميل للمباشرة ولا يعطيك التفصيلة القصصية أو المعلومة الفارقة في فمك، لكنه في الوقت ذاته لا يتعمد أي ريبة أو غموض.

إذا افترضنا أن أي كاتب في الدنيا يتخيل دوما الشريحة التي يكتب من أجلها، فمحمد عبدالنبي في تلك المجموعة لا يقصر نفسه على شريحة بعينها، يخيل للمرء أنها مجموعة قصصية قادرة أن تكون مُستساغة لكل من يطّلع عليها.

من أجواء المجموعة نقرأ:

اشربي قهوتك وفكري جيدا في كلامي، معذرة، أنا ثرثار كبير، لكن لابد أن أثرثر وأوجع دماغك لأفهم أنا نفسي ما أود أن أقوله، فماذا ستخسرين أنتِ غير الإرهاق المستمر والتشوش والخوف من عودتك وحدك متأخرة؟، تخسرين سامية المسترجلة، انظري كيف تشدّ أنفاس الشيشة بغضب وغل، طبعا هي تنتظرك لتلومك على تركها تنتظر كل هذا الوقت، وتعود تشدك إليها وتطيرك وتعصب عينيك وتبتز مشاعرك، وجسدك أحيانا، هي يمكنها أن تجد ضالتها لدى أي واحدة غيرك، أي ريفية ساذجة تبهرها أضواء المدينة، لكني أنا لا أريد غيركِ، وإذا جاءوا يزفوننا جرّبي حمرة الخجل والخوف، ادخلي برجلك اليمنى وربما نجد أن أهلك قد وضعوا لنا على المخدة المنديل إياه، القماشة البيضاء الرقيقة، راية العفة. عندئذ ستحدث المعجزة، سنقطف معا وردة البكارة التي ذبلت منذ سنوات على أسرّة مؤقتة، وردة الآن: تاج الخونة.

محمد عبد النبي

روائي ومترجم مصري من مواليد 1977 تخرج في جامعة الأزهر كلية اللغات والترجمة قسم اللغة الإنجليزية، حصلت مجموعته “شبح أنطون تشيخوف” على المركز الأول بجائزة ساويرس 2010، كما حصلت روايته “رجوع الشيخ” على المركز الأول بجائزة ساويرس 2013 ووصلت للقائمة الطويلة بجائزة البوكر العربية.

عن المجموعة

صدرت للمرة الأولى عام 2003 ضمن سلسلة “إبداعات” عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، ثم صدرت مرة أخرى عام 2016 عن دار الربيع العربي في 86 صفحة من القطع المتوسط بغلاف من تصميم عبدالرحمن الصواف.

الوسوم