عرض لكتاب “مقالات نجيب محفوظ الفلسفية”

عرض لكتاب “مقالات نجيب محفوظ الفلسفية” غلاف كتاب مقالات نجيب محفوظ
كتب – مارك أمجد

يضم كتاب “مقالات نجيب محفوظ الفلسفية” 15 مقالة نشرهم الروائي العالمي في ثلاثينيات القرن العشرين، في مجلة “الجديدة” لصاحبها المُفكر المصري سلامة موسى، الذي عُرف منذ صغره بتحركاته الفكرية سواء في عصر الملكية والاستبداد أو في عصر الجمهورية والاستقلال من الاحتلال.

أما مقالات محفوظ فتنقلت موضوعاتها بين ثيمات أدباء عصره، والغريزة الجنسية والبراجمتزم، والمجتمع والرقي البشري، والسيكلوجية الإنسانية والحياة الحيوانية، والحواس والإدراك، والذات الإلهية والفن والثقافة.

وتأتى أهمية ذلك الكتاب في أنه يمثّل مرحلة مفصلية كان محفوظ فيها مُحتارا؛ إن كان عليه أن يختار الفلسفة للتعبير عن أفكاره أم الأدب؟، حتى توصل في النهاية إلى حقن نصوصه الأدبية باتجاهاته الفلسفية.

وقد سهّل عليه ذلك الحقن، مرحلة الاصطدام بالمجتمع التي حذّره منها كثيرون، ومن المعروف أنه في تلك المواقف يلجأ الروائي عادة للاختباء خلف أفكاره الشخصية، مُدعيا أنها لا تخصه وإنما تخص شخصياته الأدبية، بيد أن الاصطدام وقع فعلا حينما قرر ترك كتاباته التاريخية التي تخص تاريخ مصر القديمة والانتقال لمشكلات الواقع الاجتماعية في رواية “القاهرة الجديدة”، التي تم تحويلها إلى فيلم بعنوان “القاهرة الجديدة”، وكان محفوظ يعرّي فيها زنخ الحياة أيام الملكية.

على أية حال، لم يتوقف محفوظ عن مواربة نظراته الفلسفية حتى بعد امتهان الأدب، فنجده في “أولاد حارتنا” لا يكفّ عن توصيف الأشياء بمنظور جديد يسمح له بحُرية الترميز المُطلقة، التي أزعجت كثيرين سواء من الأصوليين أو من مُريديه هو شخصيا الذين اعتبروا تلك الرواية أضعف أعماله، نظرا لاضطراره لإحلال الرموز في كلموضع، عوضا عما يريد حقا قوله.

وكثيرون من قُرّاء محفوظ رأوا في شخصية الابن “كمال عبد الجواد” تناصا مع شخصية محفوظ في الحقيقة، نظرا لتأثر الاثنين بالمذاهب الداروينية ونظريات التطور البشرية، وغيرها من نظريات نجدها بالحرف في مقالات محفوظ الفلسفية التي كتبها دون الحاجة للتستّر بقوالب أدبية هذه المرة، الأمر الذي يجعل من الكِتاب غنيمة لأي مُطلِع يريد أن يفصل بين أفكار محفوظ الشخصية وأفكار شخصياته المُتخيّلة شبه الواقعية.

مع ذلك، فالسمة الغالبة على معظم مقالاته، أنه مهما كانت حدّة موضوعاتها وعدم تلائمها مع أعراف مجتمعاتنا، إلا أنه يكتبها بهدوء وتسحّب، وهي طريقة تتقارب كثيرا مع طريقته الشخصية في الحديث مع الآخرين، كما أقرّ منْ تقربوا منه وعاشروه في سني حياته جيدا.

كما يجيب الكِتاب عن أسئلة كثيرة تحوم حول كيف بدأت علاقة محفوظ وهو شاب صغير بأستاذه سلامة موسى، المُفكِر الذي عُرِف بأفكاره العلمانية الصادمة في القرن العشرين، وما المصير الذي آلت إليه تلك العلاقة الحميمية بين التلميذ وأستاذه. وهي في الوقت ذاته علاقة متوازنة لأن كلا الكاتبين انطلق من بيئة مُتحفظة، ليختار فيما بعد أفكاره الخاصة، بعد أن تأثر كلاهما بكثيرين من كُتاب ومُفكري الغرب مثل نيتشه وإبسن وبرناردشو.

قدّم للكتاب الدكتور رءوف سلامة موسى فيقول في مقدمته:

بدأت معرفة نجيب محفوظ بسلامة موسى، والأول لا يزال طالبا بالمدرسة الثانوية وعمره لا يتجاوز عشرين عاما، والثاني يكبره بحوالي عشرين عاما وقد أصدر مجلته “الجديدة” في 1929.

واستمرت علاقتهما عشر سنوات كاملة، ولم تكن متكافئة وإنما أشبه بعلاقة التلميذ بالأستاذ، وأخذ سلامة موسى طوالها يرعى محفوظ ويوجهه ويسدد خطاه، وطبعت فيها توجهات التلميذ وأفكاره وأسلوبه ولغته، انطباعا كاملا  بتوجهات وأفكار سلامة موسى.

ونشر الأستاذ لمحفوظ منذ 1930 أولى مقالاته الفلسفية، وفي 1932 أول أعماله المترجمة “مصر القديمة” وفي 1934 أولى قصصه القصيرة “ثمن الضعف” وفي 1939 أولى رواياته “عبث الأقدار” التي أطلق عليها هذا الاسم سلامة موسى نفسه بدلا من “خوفو” الذي أطلقه عليها نجيب محفوظ.

من أجواء الكتاب نقرأ:

ليست الأفلاك في دورانها، ولا النفس في خطراتها، ولا الحياة في مظاهرها العديدة، بأعجب من تلك العلامات الشائعة، التي قضى شيوعها بأن يزول روع إعجازها… وهي الكلمات أو اللغة، فالكلمة هي السحر الحق الذي لا يرقى إليه الفكر أو الجحود، هي مكان النفس… ترقد فيها عواطفها وأفكارها رقود الحياة في القلب.

فما هي اللغة؟، وما أصل الكلمات؟، وما علاقة ذلك بالنفس؟، من مقالة لنجيب محفوظ بعنوان “اللغة” نُشرت بتاريخ أغسطس 1935.

والكتاب صدرت منه الطبعة الأولى عام 2003 عن دار ومطابع المستقبل بالفجالة والإسكندرية ومكتبة المعارف ببيروت في 168 صفحة من القطع الكبير.

اقرأ أيضا

الوسوم