عرض لرواية “ذات” صنع الله إبراهيم

عرض لرواية “ذات” صنع الله إبراهيم غلاف رواية ذات
كتب – مارك أمجد

في روايته الأشهر “ذات” يحاول الكاتب المصري الكبير صنع الله إبراهيم تتبع تاريخ مصر منذ لحظة ثورة 1952 وحتى فترة الانفتاح الاقتصادي في عصر الرئيس محمد أنور السادات، فيخلق شخصيته التي باتت رمزا في عالم الرواية المصرية ويسمّيها ذات، وهي امرأة مصرية يأتي تاريخ ميلادها يوم 23 يوليو بشكل غير اعتباطي مِن قِبل المؤلف.

وتخوض “ذات” كامرأة في مجتمعنا معارك مؤلمة منذ كانت مجرد طفلة حينما يجري لها أهلها عملية الختان حفاظا على شرفهم، ثم تُحرَم من الارتباط بزميلها المُثقف المُستنير الذي أحبته في الجامعة، لتسقط في “عبدالجليل” الذكوري الجاهل التقليدي الذي يريدها مجرد زوجة تخدمه في بيته، فيمنعها من التردد على الجامعة ويأمرها بارتداء الحجاب.

ذات

يوثّق “صنع الله” عبر مسيرة ذات، حياة المجتمع المصري بأكمله والتخبطات والأزمات التي مرّ بها، فيعرض على سبيل المثال لانتشار عادة الحجاب وكيف اندلعت، وما هي أسبابها سواء الدينية أو الخاصة بظروف المنطقة العربية، كما يتطرق لبعض الحوادث الهامة في تاريخ البلد كشركات توظيف الأموال التي نهبت أموال الشعب واتضح قيامها بعمليات نصب فيما بعد، ومن خلال عمل “ذات” في مبنى ماسبيرو يستطيع المؤلف استخدام تلك الحيلة الروائية في تسليط الضوء على أهم الأحداث التي وقعت في سبعينيات القرن المنصرم.

كذلك لجأ الروائي لحيلة ابتدعها بنفسه، وهي تقسيم الرواية لقسمين: قسم روائي بحت يسرد فيه حياة ذات وأسرتها الصغيرة وعالمها البائس، وقسم آخر أرشيفي عبارة عن مانشيتات مجردة حقيقية تضع توصيفا للحالة العامة للمجتمع وقتها، نقرأ من خلالها عن طبيعة الأسعار وتصريحات المسؤولين والمشايخ والمثقفين، وجميعها شهادات ترصد وتؤرخ لحالة أطياف المجتمع حينذاك.

من أجواء الرواية نقرأ

لم يكن الليمون هو السبب وإنما الروج، فبعد أن استحمت واستبدلت ملابسها، وقفت أمام المرآة، في مجال رؤيته، وأخذت تمر بإصبع الروج على شفتيها، وهكذا ذكرته، لا بنفيسة أبو حسين، وإنما بمنير زاهر، ففي مناسبة سابقة، علم “عبدالمجيد” عندما أبدى إعجابه بلون الروج الذي تستخدمه زوجته، أن زميلها المصور يشاركه نفس الرأي، وتكررت هذه المناسبة كما تعددت أشكال المشاركة، إلى أن بدأ يشعر بالقلق وأعلن فجأة من مرقده: “لازم تتحجبي”.

تطلعت إليه في المرآة مدهوشة من قوة التليباثي، فقد كانت تقلّب الفكرة ذاتها في رأسها كوسيلة لنفي التهمة التي جلبها جهل مدام سهير بالمذهب الشيعي، لكنها كالعادة كانت مترددة في الجهر بها خوفا من رد الفعل غير المتوقع دائما والسلبي في معظم الأحوال من جانب زوجها.

تكرّم “عبدالمجيد” بشيء من التحديد: “على الأقل تغطي راسك” وكان هذا أيضاً هو ما يدور برأسها.

عن صنع الله إبراهيم

كاتب مصري مواليد 1937 انضم للحركة الديمقراطية للتحرر الوطني فاُعتقِل عام 1959 في عهد الرئيس جمال عبدالناصر، وبعد خروجه من السجن عمل لدى وكالة الأنباء المصرية، ثم سافر إلى برلين الشرقية وعمل هناك لدى وكالة الأنباء الألمانية، ثم سافر إلى موسكو ودرس هناك السينما.

تعددت أعمال “صنع الله” بين الروائية: مثل برلين 69 وشرف واللجنة ونجمة أغسطس، والسينمائية مثل: النيل مآسي وهو فيلم كتب السيناريو خاصته ولم يُنتج في النهاية.

ويتسم أسلوب صنع الله بشكل عام بالجمع بين السرد الروائي والجانب التوثيقي، ولمّا سُئل في أحد الحوارات عن الوظيفة التي تمنى أن يشغلها لو لم يكن روائياً، قال أن يصير صحافياً، وهو ما نلحظه بالفعل في مُجمل أعماله.

عن ذات

الرواية صادرة عن دار الثقافة الجديدة طبعة سادسة 2014 في 370 صفحة من القطع المتوسط بغلاف يحمل صورة الفنانة نيللي كريم، لكنها نُشِرت لأول مرة عام 1992، وجدير بالذكر أنه في عام 2013 تم تحويلها إلى مسلسل تليفزيوني من بطولة نيللي كريم وباسم سمرة، ومن إنتاج شركة مصر العالمية للسينما، وللمؤلف أعمال أخرى لا تقل أهمية مثل: العمامة والقبعة، ويوميات الواحات والجليد، كما أصدر سلسلة من الكتب العلمية مثل: الدلفين يأتي عند الغروب، يوم عادت الملكة القديمة، عندما جلست العنكبوت تنتظر، والحياة والموت في بحر ملون، والأخيرة بالذات يعتبرونها الرواية الأولى من نوعها في المكتبة العربية.

اقرأ أيضا

عرض لرواية “طعم النوم” طارق إمام

الوسوم