عرض كتاب “خطابات محمد خان إلى سعيد شيمي”

عرض كتاب “خطابات محمد خان إلى سعيد شيمي”

كتب – مارك امجد

عرض لكتاب الجزء الأول

مشوار حياة

بناءً على وصية من صديق عمره يجمع مدير التصوير السينمائي سعيد شيمي خطابات محمد خان إليه، تلك الخطابات التي كُتبت في فترة المراهقة، ما قبل فترة الإنجازات وقبل حتى تصوير أول فيلم لكل منهما، وهما رفيقان من الطفولة بحكم تقارب الأسرتين وعلاقات المحبة التي كانت تربطهما، فشب الولدان على علاقة صداقة جمعتهما وعرفا عن بعض كل صغيرة وكبيرة، ولم يخالجهما أي حرج بخصوص البوح بأي مأزق إجباري فرضته عليهما الحياة بحكم قسوتها وبحكم قلة إمكانيتهما المادية أو الأسرية.

فنجد خان بمنتهى البساطة يحكي لرفيق العمر عن مشاكل والديه الصحية وعن اضطراره للقبول ببعض الوظائف في لندن التي لا تناسب ذكاؤه وموهبته، فقط ليتمكن من توفير العلاج والطعام لأبويه، كذلك يحكي خان لشيمي عن تجاربه الجنسية مع فتيات من أعمار وجنسيات وثقافات متفاوتة.

وأحيانا يحدث أن يتعثر في الحب وهو يبحث عن مجرد المتعة، وأحيانا ينشد الحب فلا يحصل إلا على اللذة الوقتية. وهذه الجزئية بالذات تعكس لنا أن الفنانين الذين نتوهمهم دوما كاملين لديهم ثغراتهم، فخان الشاب الذي وُلد بمجتمعات محافظة، رغم توقه لمرافقة كل فتاة يقابلها في حانات وشوارع لندن، كان بينه وبين نفسه يأخذ على المجتمعات الغربية انحلالها وتسيبها، لكنه هو بنفسه أشار إلى أن الازدواجية الأخلاقية سمة أي إنسان شرق أوسطي.

ترسم تلك الخطابات المرسلة بالكامل من جانب محمد خان إلى سعيد شيمي، صورة تقربنا من ذلك المخرج المصري الذي من أصول باكستانية، وقد عانى بسبب أجنبيته طوال حياته إذ لازمه شعور بأنه شريد في أصقاع الأرض، خاصة حينما كان يتقدم بأوراقه لمؤسسة سينمائية بأوروبا ويُرفض، ثم يكتشف أنه لم يرفض لسبب سوى أصل جنسيته. ومع ذلك تكشف لنا خطابات خان أنه لم تعارضه تلك المشكلة مطلقا طوال مكوثه في مصر، إذ اعتبر نفسه مصريا بالفطرة بلا أي ضمانات أو شهادة ميلاد أو جواز سفر.

هو مصري بمعرفته لأفضل محلات الفول والطعمية والآيس كريم وأسماء دور السينما والمسارح وفي أي ميادين تقع، وبينما نجده يقضي شهورا في لندن بصحبة أسرته يعمل ويكد ولو مجرد شيّال في مخزن أو عامل في مصنع، نجده على استعداد للتضحية بالحياة في المجتمع الإنجليزي وحرياته وفرصه الكبرى كي يعود مجددا لمصر، البلد الوحيد الذي شعر فيه خان بالأمان فاعتبره بدوره بلده الحقيقي.

على الجانب الآخر لا نجد الكتاب يتضمن أي رسائل من قبل سعيد شيمي ويرجع هو سبب ذلك لفقدان معظم الخطابات التي أرسلها لخان. مع ذلك نجده في مستهل كل فصل يضع مقدمة يشرح فيها ظروف وملابسات تلك الفترة من حياة خان، كي يعين القارئ على فهم النبرة التي يكتب بها صديقه إن كانت بائسة أو مرحة.

وبالفعل نجد خان أحيانا يتمنى الانتحار، وفي أحيان أخرى يتحدث عن نفسه وهو يراسل مراكز السينما في الخارج أو في مصر ويقدم لهم نفسه بصيغة المخرج المتحقق بالفعل، وليس مجرد شاب مثابر يطمح لأن يكون مخرجا مصريا. أيضا نلحظ تدخل طفيف لمؤلف الكتاب سعيد شيمي من خلال الهوامش التي يضعها أسفل الصفحات للإشارة لبعض الحوادث الغامضة التي يشير لها خان في سياق خطاباته دون إسهاب في شرحها فتصبح ملتبسة على القارئ الغريب عن الصديقين.

رغم أن تلك الخطابات نُشرت بتوصية من كاتبها محمد خان، مع ذلك حينما نتمعن في سطورها نجدها كُتبت بمنتهى الأريحية والصراحة لدرجة تعكس عدم وعي مؤلفها بأنها ستصير يوما ما كتابا ممسوكا بين يدي كل الأجيال التي كانت متيمة بأفلام مثل الحريف وموعد على العشاء وضربة شمس وزوجة رجل مهم وخرج ولم يعد وفي شقة مصر الجديدة وفتاة المصنع.

أسلوب كتابتها ودود وبلا كلفة يتضمن شتائم وممازحات لرفيق حياته واتهامات في بعض المواضع بالإهمال والانشغال عن واجبات الصداقة بدافع العشم. كما نجده تارة يبتذل بتوصيفاته علاقاته بالفتيات اللاتي أحبنه، وتارة يسخف من المثاليات التي لا تطعم الإنسان وأحيانا أخرى يعترف بضعفه وجبنه ويتمنى الموت من أعماقه، ويقر أن صناعة الأفلام هي وسيلته الوحيدة لتزجية تلك الحياة الصعبة وإلهائه عن شقائها.

أفرد خان مساحات واسعة من خطاباته لعرض مشاهداته السينمائية التي تُحصى بالآلاف، ولم يكن يكتفي بالذهاب لدور العرض في لندن وبيروت لمشاهدة الأفلام الأجنبية، بل كان يعرض بمنتهى الاعتداد توقعاته لقوائم جوائز الأوسكار، والتي كثيرا ما كانت تصيب بشأن نتائج الترشيحات.

وتعكس الخطابات أن مخرجا عظيما مثل خان لم يصل لمرحلة إخراج فيلم خاص به بقفزة واحدة، فهو يسجل محاولاته الدؤوبة مع مراكز السينما سواء الأوروبية أو المصرية، ويوضح تسلسل المهام السينمائية التي تولاها في شركات الإنتاج ببيروت وأكبر الأسماء العربية التي عمل معها والأفلام اللبنانية الرخيصة التي عمل بها واعتبرها سلّمه للانفرادية بفيلمه الخاص، ويتحدث عن مسودات أفلامه الأولى والتي بعضها حاول أن يؤلف بنفسه قصتها وبعضها الآخر اقتبسه من قصص أدبية لأصدقاء له غير معروفين توقع لهم الشهرة بمجرد أن تخرج أفلامه تلك للنور.

الكتاب صادر عن دار الكرمة عام ٢٠١٨ في ٣٨٠ صفحة من القطع الكبير بعنوان فرعي للجزء الأول هو “مشوار حياة”، مزود بملحقات صور فوتوغرافية لخان وشيمي بأحياء القاهرة أثناء خوض تجاربهما السينمائية الأولى وهما في سن الشباب، كما قدم للكتاب الناقد الفني المعروف محمود عبد الشكور.

وحسب صفحة سعيد شيمي على “فيسبوك”، يُنتظر الجزء الثاني من الكتاب ويدور حول تجارب السينما الجادة التي أنتجاها سويا، ومن المفترض أن تصدره الدار بالتزامن مع الدورة الخمسين هذا العام لمعرض القاهرة الدولي للكتاب في احتفاله باليوبيل الذهبي.

 

كأننا أمام دراما هائلة تمثل قصة حياة محمد خان في سنوات الشباب، مكتوبة بصراحة مطلقة، وكأن كل سنة هي فصل مثير، تتخلله لحظات صعود وهبوط، وأمل وإحباط. إننا تقريبًا أمام مذكرات عقل ووجدان وعين شاب مصري رأى وسمع وشاهد، ونحن أيضًا أمام وثيقة مدهشة عن جيل يكتشف معنى الفن والحياة، ويحاول في نفس الوقت أن يكتشف نفسه وقدراته، لكي يعبر بهذه القدرات من عالم الهواية إلى دنيا الاحتراف، من شغف الفرجة، وهي أساس كل شيء، إلى حلم صناعة الأفلام، وبهجة تحقيق السينما.

سعيد شيمي.. هذا الصديق الوفي الكبير، عاشق السينما، هو أفضل من يقدم للقارئ رسائل صديقه الراحل، وهو أيضًا من تضيف تعليقاته على الرسائل الكثير شرحًا وتوضيحًا، فكان هذا الكتاب البديع.

من مقدمة محمود عبد الشكور

 

 

 

 

 

 

 

الوسوم