عرض كتاب “إذا ما استمرت الحرب” لهيرمان هيسة

عرض كتاب “إذا ما استمرت الحرب” لهيرمان هيسة

كتب: مارك أمجد

من مقدمة الكتاب لطبعة 1946

“لم يكن تجميع مادة هذا الكتاب مهمة سارة بالنسبة للمؤلف. فهي لم توقظ ذكريات سعيدة أو تعيد إلى الذاكرة صورة محببة. على العكس، فكل مقالة فيه تذكرني بشكل مؤلم بأوقات المعاناة والصراع والوحشة، وأوقات كانت تحدق بي خلالها العداوة وغياب الفهم، وكنت معزولا بصورة مريرة عن المثل العليا والعادات السارة. ولكي أخفف من وطأة هذه الأشباح القبيحة، والتي ازدادت وضوحا خلال السنوات الأخيرة بإضافة مسحة من الجمال والنور، رحت أتذكر الشيء الوحيد الجميل وهو إهداء هذا الكتاب إلى صديق راق وحبيب”.

صحيح أن هيرمان هيسة رفض الوعاء الديني البروتستانتي الذي حاول والداه أن يضعاه فيه أبان تربيته، لكنه مع هويته العلمانية لم يتنكر لأي مبدأ من المبادئ الإنسانية التي لا تفضي بالبشرية إلا إلى مناخ أكثر إنتاجا واستقرارا، وهنا في هذا الكتاب “إذا ما استمرت الحرب” يشجب “هيسة” عادة لازمت الإنسان طوال حياته واستفحلت في مطلع القرن العشرين، ألا وهي الحرب. المعارك عند هيسة، على عكس منظّرين ومفكرين كُثر، لا تنبع بشكل تلقائي من الأديان، بل الناس هم المُسبب الأول لها، ويستدل على ذلك من أول معركة شهدها التاريخ البشرية، وفقا لرواية التوراة وكانت بين هابيل وأخيه قايين، حينما قتل الأخ أخيه دون حاجة لذريعة دينية أو سياسية.

يسجل هيسة بالتزامن مع الحرب العالمية الأولى هذه الأوراق، التي تحولت فيما بعد لكتاب. يعنون كل فصل بالعام الذي كُتب فيه من أعوام الحرب العالمية، بداية من العام 1914: آه يا أصدقائي، ليس هذه النغمات، إلى وزير مسؤول، عيد الميلاد، هل سيحل السلام؟

يتنكر هيسة لفكرة الحروب بشكل عام، أيا كانت الشعوب المتحاربة والظروف التي دفعتها للزج بأبنائها كي يذهبوا ويموتوا في أراض أجنبية مخلّفين ورائهم أرامل وأيتام، كي يهنأ القادة والزعماء بانتصاراتهم وفتوحاتهم المستمرة في شتى أصقاع البلاد. ونلاحظ أن تاريخ كتابة تلك المذكرات أتى قبل وصول النازيين للحكم وتولي الفوهرر هتلر قيادة البلاد وقيام الحرب العالمية الثانية، مع ذلك، يوصف الأديب الألماني شخصية الديكتاتور وكأنها واحدة لا تتغير على مر العصور مهما تبدلت الأحزاب والأسماء والألقاب.

بالإضافة للذعر الذي تسببه الحرب للشعوب، فهيرمان هيسة يرى أنها تستلب منهم كل قدرة على إحراز أي نجاح ثقافي أو علمي، فيتساءل: كيف بمقدور الشعب الألماني أن يكون على وعي وثقافة طالما الهيئات الثقافية تحجب نشر كتب لمؤلفين إنجليز أو فرنسيين أو أمريكان. وكيف للمثقف الألماني أن يتنفس حريته وهو يعلم أن الدولة تراقب لائحة قراءاته، فإما جوته أو السجن!

من أجواء الكتاب نقرأ:

الآن، بات من الواجب وبصمت، إهمال قصة يابانية جميلة أو رواية فرنسية جيدة، ترجمها بحب وإخلاص مترجم ألماني قبل بدء الحرب، وستُرفض هدية رائعة قدمت بلفتة حب إلى شعبنا، لأن بضع سفن يابانية تشن هجوما على تسينغتاو. وإذا ما خطر لي اليوم أن أمدح عملا إيطاليا أو تركيا أو رومانيا فيجب أن أتوقع أن يعمد دبلوماسي أو صحافي إلى تحويل هذه الدول الصديقة إلى أعداء قبل أن تصل مقالتي إلى المطبعة.

وبالطبع جلبت على هيسة مثل تلك التصريحات المعادية للحرب والطالبة للسلام، عداء النخبة والمثقفين والساسة في ألمانيا، وحينما وصل النازيون للحكم لم يكن هيسة مرتاحا لهم، وبالفعل قامت الحرب العالمية الثانية، ولم يتوقف الأديب عن شن ضرباته في مقالاته، وكتب عمله الضخم، الأيقونة: “لعبة الكريات الزجاجية”، وفي الوقت الذي استهجن فيه الألمان دعوات هيسة لوقف الحرب، قدّر العالم صوته المنفرد ومنحه جائزة نوبل والحرب لا تزال مستعرة.

وُلد هيرمان هيسة في 2 يوليو من عام 1877 في “كالف” بالقرب من شتوتغارت، من أسرة متدينة بروتستانتية. في عام 1904 حقق انطلاقة أدبية جديدة مع كتابه “بيتر كامنتسيند” وتزوج من المصورة ماريا برنولي التي انتقل للعيش معها في بحيرة كونستانس. وفي عام 1924 حصل على الجنسية السويسرية وتزوج من روث فينجر. وأخيرا عام 1946 حصل على جائزة نوبل للآداب. توفي عام 1962 في منزله في مونتانيولا السويسرية، بعد أن فقد رصيدا كبيرا من شعبيته لأن معظم النقاد وصفوا إنتاجه بالفن الهابط، حتى ظهرت حركة الهيبيز في الولايات المتحدة الأمريكية وساعدت على عودة شعبيته مرة أخرى.

الكتاب صادر باللغة العربية عن دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع، طبعة أولى 2001 في 160 صفحة من القطع المتوسط، من ترجمة أسامة منزلجي.

الوسوم