عرض رواية قصة حب إيرانية تحت مقص الرقيب

عرض رواية قصة حب إيرانية تحت مقص الرقيب

كتب- مارك أمجد

فكرة الرواية:

تدور الرواية في طهران بين حبيبين هما: سارا ودارا.. “دارا” شاب فقير يعمل دهّانا لحوائط المنازل، أبوه شيوعي قضى فترات طويلة في سجون الدولة وأمه متدينة تود أن تراه عريسا في أقرب وقت.

ودارا رغم فقره فهو شاب مثقف له اهتمامات سينمائية، يحفظ أسماء الأفلام وأسماء مخرجيها وسنوات إنتاجها، وكان معتقلًا سياسيًا، مثل أبيه في فترة من حياته، بسبب متاجرته في شرائط أفلام السينما الهوليوودية، التي تم تجريمها في إيران مثلها مثل شرائط أفلام البورنو.

أما سارا فهي من بيت لا يرتفع مستواه المادي والإجتماعي عن بيت دارا كثيرًا، لكن تكمن مشكلتها في أنها “بنت”، وحسب أعراف المجتمع الإيراني يجب تزوجيها سريعًا قبل أن تنزلق في فخ يقضي على بكارتها وشرف أسرتها بالكامل.

زد على ذلك قناعة أهلها التي تتمثل في أن مجيء العريس المقتدر ماديًا يمثل مجيء المخلص للعائلة برمتها، الأمر الذي يهدد قصة حب البطلين بالفناء في أي لحظة، خاصة حينما يتقدم لها للزواج “سندباد”، ذلك العريس الجاهز الذي يستورد الأقلام الرصاص لإيران، ويملك نفوذًا وعلاقات، وقدرته المالية تسمح له أن يصنع لها شهر عسل في إسبانيا وأن يعقد زواجهما أسفل برج إيفيل.

على الجانب الآخر، يود دارا حتى لو لن يُكتب لهما الزواج، أن يظفر من حبيبته ولو بقبلة أو لمسة من كاحلها.

ترصد الرواية كيف انقلب المجتمع الإيراني بعد ثورته الإسلامية وصار متشددًا جدًا، فيما يتعلق بالصلات بين الجنسين، لدرجة أنه في الأفراح والجامعات وبعض الوظائف يتم تخصيص قسم للرجال وآخر للنساء. ناهيك عن احتكاك الشباب والفتيات ببعضهم الذي يتطلب أن يخططوا ويتآمروا كي يحظوا بلقاء أو مجرد حوار قصير.

ويتم ذلك عادة في الحدائق العامة ومقاهي الإنترنت، وحتى هذه الأماكن العامة تكون مراقبة من قبل عناصر شرطة نسائية للحفاظ على الآداب العامة، حيث يمكن القبض على أي فتاة إذا ثبت أن الرجل الذي هي برفقته ليس من محارمها.

فلسفة الرواية:

هي ليست مجرد رواية أو مجرد عمل أدبي، إذ تتناول رغم محدودية إطارها الدرامي تاريخ إيران منذ أيام الحضارة والأشعار والحروب، حتى أيام الشاه والثورات الحديثة وخاصة الثورة الإسلامية، وكيف انقلب المجتمع الإيراني للجهة المتطرفة في موقفه من الفنون والسينما وطريقة الملبس وموقفه المضاد للإمبريالية الأمريكية؛ نلحظ ذلك مثلا بخصوص إتجاه التعليم في المدارس والجامعات ناحية الأشعار الإيرانية القديمة بدلا من أشعار لوركا وشكسبير ودانتي، وحظر الأفلام الأجنبية بكافة جنسياتها لأنها تصدّر قيمًا وأفكارًا معادية لأفكار الثورة الإسلامية، كل ذلك تتم ممارسته من قبل وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي. كذلك الملبس النسائي تحول من التنانير والبنطلونات إلى الشادور والنقاب، وصارت أي امرأة تمشي أو تخرج في موعد مع رجل من خارج دائرة محارمها معرضة هي ومن معها للمساءلة القانونية.

كذلك على الصعيد السياسي لم تعد هناك أي حرية في التعبير عن الآراء، وصار المواطنون أنفسهم هم الذين يقومون بدور الوشاية، تملقا منهم للجهات والرئاسات لينالوا مركزًا أو منصبًا أعلى في مؤسساتهم الحكومية، وبات كل من يدلي برأيه المخالف لما هو سائد يعتبر جاسوسًا وعدوا للثورة الإسلامية ويجب تصفيته أو اعتقاله في أسرع وقت لمنع تفشي أفكاره ومنع تأثيرها على بقية الشعب.

أسلوب الكاتب:

اعتمد المؤلف “شهريار مندني بور” على أسلوب حكائي يمزج أصوات أبطاله بصوته الشخصي ككاتب، مثلما قرأنا مثلا في روايات ميلان كونديرا وأبرزها “كائن لا تحتمل خفته”، حيث بإمكاننا سماع صوت المؤلف كأنه يسرد علينا قصته ويعلق بآراءه الشخصية على أحداثها، وأحيانًا يحب أو يشجب ذلك السلوك من شخصياته كأنه ليس متحكما فيها.

وللكاتب خلفية ثقافية عالية في مجال الصحافة والسينما الأمر الذي حوّل روايته لموسوعة مطعمة باللغة الأدبية من حيث بنائها كرواية وليست بحثًا علميًا.

كما أنه لا يتورع طوال حكيه عن السخرية من كل ما لا يروقه في مجتمعه الإيراني، وأحيانا يظلل هو بخط عرضي على بعض الجمل اعتقادًا منه أن رقيب ما سيراجع مخطوطة هذه الرواية وربما يحذفها أو يمنع نشر الرواية من الأساس، وهو تكنيك أدبي لم نعهده من قبل؛ أن يشطب المؤلف على بعض الجُمل.

عن الكتاب:

الرواية من تأليف “شهريار مندني بور” صدرت باللغة العربية عن منشورات الجمل من ترجمة خالد الجبيلي طبعة أولى 2011 في 420 صفحة من القطع المتوسط.

عن المؤلف:

حصل شهريار مندني بور على جوائز عديدة عن الروايات والقصص القصيرة والأعمال غير الروائية التي نشرها في إيران، مع أنه لم يتمكن من نشر أعماله الروائية منذ 1992 وحتى 1997 بسبب الرقابة في إيران، وهو ناقد سينمائي معروف، ومنذ عام 1999 وحتى أوائل 2008 شغل منصب رئيس تحرير مجلة “مساء الخميس” وهي مجلة أدبية شهرية تصدر في شيراز.

وجاء إلى الولايات المتحدة في عام 2006، للمشاركة في مشروع الكتّاب الدوليين الثالث الذي تقيمه جامعة براون.

ويعمل حاليا باحثا زائرا في جامعة هارفارد، ويعيش في كامبردج، ماساشوستس، وقد نُشرت أعماله في مجلة PEN America وThe Literary Review ومجلة Kenyon Review.

الوسوم