عرض رواية “الحمامة” لباتريك زوسكيند

عرض رواية “الحمامة” لباتريك زوسكيند

كتب مارك أمجد

حبكة الرواية:

تدور رواية الحمامة حول جوناثان نويل، البطل الخمسيني الذي قضى أغلب سني عمره بمنأى عن أي احتكاك أو صراع مع الناس.

أعزب يعمل حارسًا لأحد البنوك، يسكن في غرفة بمفرده في بناية من تلك النوعية، التي تملكها سيدة وتؤجر غرفها للطلبة والمسنين المشردين.

وتبدأ أحداث الرواية فعليا في اليوم الذي يجد فيه نويل حمامة على شباك غرفته، فينتابه إحساس أنها نذير شؤم، ويتقزز من دخول الغرفة بسبب براز الحمامة التي تركته في كل مكان وزغبها الذي يتطاير منها كلما تحركت.

يغادر نويل غرفته هاربًا من الحمامة شاعرًا بذعر كبير من ذلك الكائن، الذي احتل غرفته وفرض سيطرته بحكم وساخته وفضلاته.

يقابل السيدة مالكة الغرفة ويحاول أن يشرح لها مشكلته مع الحمامة، دون أن يظهر نفسه في هيئة المرتجف، ولما تعجز السيدة عن فهم مشكلته الحقيقية في وجود حمامة داخل بيته، يزداد يقينه بأنه على المحك، فيترك السيدة ويمضي بعد أن فشل في إرسال إشارات ضمنية لها وسط حواره بأن مهمة التخلص من الحمامة تقع على كاهلها بوصفها صاحبة المكان.

يفكر نويل طبعًا في استخدام مسدسه الذي يحرس به المنشآت والبنوك، بحيث يطلق طلقة واحدة منه على تلك الحمامة الغبية، لكن حتى تلك الحركة السخيفة، يشعر أنه لا يملك القوة الكافية للإتيان بها.

تراءى الجحيم أمام عينيه بحلول هذه الحمامة اللعينة في غرفته أو قُلْ في حياته، وتأكد له أنها كانت فأل شر لما تبول أحد المتسولين أمام البنك المعني نويل بحراسته، فلطخ بول المتسول سرواله، وحينما هرب لأحد المتنزهات العامة وجلس لتناول الغداء جلس على أحد المقاعد وكان به مسمار فمزق سترته.

في ذلك اليوم شعر نويل أن حياته انقلبت رأسًا على عقب، وخيل له أنه على عكس المألوف، الحمامة ليست علامة سلام أبدًا.

 

أسلوب باتريك زوسكيند وفلسفته

تبدو أعمال زوسكيند عادة بسيطة من حيث الفكرة، مثل رواية الحمامة أو مسرحية الكونترباص، وهي مسرحية لبطل وحيد عازف، مكونة من مونولوج مطول، مع ذلك فأسفل قشرة تلك الأعمال البسيطة تكمن فلسفة وجودية عالية، فشخصية نويل في رواية الحمامة موجودة داخل كل فرد منا يستشعر الطمأنينة في البعد عن ذلك العالم الصاخب، ويتمنى من أعماقه لو أنه يختفي فجأة من حياة كل المقربين له: من زوجة وأولاد وأصدقاء، أو يعود بحياته للحظة التي كان فيها أعزبا وحيدا لا يعرف كل هؤلاء. والحمامة هنا ليست مجرد طائر بقدر ما هي رمز مضمر لكل الأمور البسيطة التي يكن لها المرء خوفا كبيرا محولا إياها لوحش يكاد يبتلعه.

باتريك زوسكيند في رواية الحمامة يجرد الإنسان من قوته وسيطرته ويكشف مخاوفه ويتهكم على ضعفه.

وليس من الغريب أن يخرج عمل أدبي كهذا من مؤلف عدمي لدرجة أنه لما حولت روايته الشهيرة (العطر) لفيلم سينمائي لم يذهب لمشاهدة العرض الأول.

 

عن المؤلف:

ولد باتريك زوسكيند في مدينة أمباخ الواقعة على بحيرة شتارنبرج في منطقة جبال الألب في الجنوب الألماني ودرس التاريخ في ميونخ.

كان والده فيلهلم إيمانويل زوسكيند كاتبا ومترجما ومعاونا في صحيفة زوددويتش تسايتونج Süddeutsche Zeitung، وكذلك كان أخوه الأكبر مارتين زوسكيند يعمل صحفيا.

بعد أن حصل باتريك على الشهادة الثانوية درس التاريخ في جامعة ميونخ, في الفترة من عام 1968 حتى 1974. عمل بعد ذلك في أعمال وأماكن مختلفة، وكتب عدة قصص قصيرة وسيناريوهات لأفلام سينمائية.

تعتبر روايته الشهيرة (العطر) من أهم روايتين ألمانيتين تمت طباعتهما بعد الحرب العالمية الثانية، حيث كان هناك تحدي أن تقدر ألمانيا على الاستفاقة من خراب النازية، وأن تمنح العالم قيمة فنية من جديد، وسقط التحدي بصدور رواية العطر لباتريك زوسكيند ورواية (الطبل الصفيح) لجونتر جراس.

 

عن الرواية:

صدرت باللغة العربية في ٨٥ صفحة من القطع المتوسط عن دار ورد طبعة أولى ١٩٩٩ من ترجمة عدنان عبد السلام.

الوسوم