عرب الفيوم| حوار مع “نصر الرمحي” عازف المقرونة الأول

عرب الفيوم| حوار مع “نصر الرمحي” عازف المقرونة الأول الفنان نصر الرمحي عازف المقرونة - تصوير: منال محمود
تصوير: منال محمود

ارتبطت آلة “المقرونة” بالبادية والبدو، فهي آلتهم الموسيقية الأولى دون منازع، إذ لا يمكن الاستغناء عنها في البادية سواء في حفلات السمر أو الأعراس وغيرها من المناسبات.

ويعد الفنان نصر الرمحي ابن قرية قصر الباسل التابعة لمركز إطسا، أحد أهم وأشهر عازفي المقرونة المصريين، والذي ذاع صيته بين القبائل العربية البدوية في مختلف المحافظات المصرية، وأصبح له آلاف من المعجبين، كما أصبح عنصرا أساسيا في حفلات الزفاف والسمر ليس في الفيوم فقط، بل في كافة المحافظات، وكشف لنا الرمحي في حوارنا معه أسرار البادية ومقرونته، وإلى نص الحوار.

نصر الرمحي عازف المقرونة - تصوير منال محمود
نصر الرمحي عازف المقرونة

متى كانت بداية عزفك على آلة المقرونة؟

أنا من البادية وانتمي لقبيلة الرماح العربية ونشأت على صوت المقرونة في حفلاتنا وأفراحنا، حيث كان إحياء الأفراح مقتصر على فناني النجع فقط، وقد زاد إعجابي كثيرًا بالمقرونة، وتعلمت كثيرًا مما سبقوني، وبالرغم من أن آلة المقرونة ليست آلة مشهورة لدى العامة لكنها لها سحر خاص وقد يعشقها غير البدو.

هل المقرونة لعزف الأغاني البدوية فقط؟، أم تشارك في الموسيقى الأخرى؟

بالرغم من أن المقرونة آلة موسيقية بدوية ابتكرها البدو ويستخدمونها في الغناء البدوي، إلا أنها يمكنها المشاركة مع باقي الفنون الأخرى مثل الموسيقى العربية أو الشعبية، وقد ارتبطت بالبادية كونها لا تحتاج إلى تقنية حديثة أو كهرباء تحول أن يعزف عليها البدوي أثناء وجوده في الصحراء والأماكن المعزولة عن المدن منذ القدم.

ماذا عن تصنيع آلة المقرونة؟

آلة المقرونة آلة بسيطة للغاية والعديد من البدو يمكنهم تصنيعها من البوص أو الغاب، وهناك من يملك الخبرة في صناعة تلك الآلة، ويصنع نوع للمبتدئين من العازفين، وآخر للمحترفين يصنع بدقة حتى يخرج الصوت سليمًا.

مما تتكون آلة المقرونة؟، وهل يؤثر اختلاف طول المقرونة على صوت نغماتها؟

المقرونة آلة بسيطة كما ذكرت وليست معقدة وليست كباقي الآلات الموسيقية تحتوي على مجموعة من النغمات والطبقات الموسيقية السبعة المعروفة، لذلك يحتاج عازف المقرونة لنغمات متعددة، ومن هنا يلجأ عازف المقرونة المحترف إلى استخدام أطوال مختلفة حيث لكل نغمة موسيقية طول مقرونة معين، كما يختار عازف المقرونة ما يتناسب مع صوت المغني البدوي ويتماشى معه من آلات المقرونة، فهناك أصوات عالية الطبقات لمغنين وأخرين لهم طبقات صوت هادئة، وما يميز آلة المقرونة عن غيرها من آلات العزف أنه لا يمكن تضمين صوتها أو معالجته في الأجهزة الصوتية الحديثة وأجهزة الماكسر، فهي آلة متفردة وخاصة للغاية.

وتتكون آلة المقرونة من بوصتين مرتبطتين ببعض وبنفس الطول، وتحتوي كل واحدة على خمسة ثقوب، وتتكون من علبة الثقوب وهي الجزء الأكبر من الآلة – مركز النغم أو مركز الصوت ويكون ثلث مساحة علبة الثقوب – والجزء الأخير وهو أهم جزء في الآلة ويسمى البالوص وهو الذي يصدر الصوت ويمثل سدس مساحة علبة الثقوب وهو الجزء الوحيد الذي يمكن فصله عن الآلة وتغييره عندما يتلف.

آلة المقرونة بأطوال مختلفة - تصوير منال محمود
آلة المقرونة بأطوال مختلفة

كيف يتم العزف على آلة المقرونة وماذا تحتاج من مهارات؟

تعتمد آلة المقرونة في الأساس على النَفَس، حيث يجب أن يتمتع العازف بنفس طويل حتى يستمر خروج الصوت من الآلة، ولكي يكون النفس مستمر لابد من “سحب النفس من الأنف” وقد ينقطع النفس أثناء العزف لذا يتم تخزين كمية من الهواء في الفم مع تكرار جذب مزيد من الهواء، وهذا يلزمه التعود والممارسة والخبرة، وتعطي حركة أصابع يد العازف على الآلة النغمات المطلوبة بجانب النفس المستمر، وتقاس مهارة العازف بحسب اجتهاده وممارسته للعزف بانتظام.

من هم أشهر عازفي المقرونة ومثلك الأعلى؟

من أشهر عازفي المقرونة الذين اعتبرهم مثلى الأعلى العازفين”مصطفى الحمري، عبداللطيف النجعاوي، ومحروس حمادة الذي طور في آلة المقرونة وأدخل عليها القرار في الصوت بعد أن كانت تعزف الجواب فقط”، وهؤلاء الفنانين لهم الفضل في نشر الفن البدوي في الفيوم وكافة المحافظات.

بعد انتشار التكنولوجيا.. هل طرأ على البادية والغناء البدوي تغييرا في الفترة الأخيرة؟

المجتمع البدوي مثل غيره من المجتمعات الأخرى له عاداته وتقاليده التي يتمسك بها، لكن حدث لهذا المجتمع تغيير، كان من مظاهره في الفن دخول أجهزة الصوت الحديثة وبعض الآلات الأخرى على الفرق البدوية، وقد كانت الفرق البدوية تستخدم المقرونة وآلات الإيقاع فقط، الآن تم دخول الآلات الوترية والأوكارديون والأورج، لكنها أضافت وأثرت بشكل إيجابي على الفن البدوي، ويسعى العديد من فناني البادية إلى توصيل الفن البدوي لأبعد من مجتمع البادية حتى يتثنى للكثيرين معرفته وتذوقه، وتعتبر أشهر المحافظات في عزف المقرونة الفيوم والإسكندرية والبحيرة.

كما أن التطور ساعدنا كثيرًا على الانتشار وخاصة في مجال الإعلام، وأنا ساعدني كثيرًا الإعلام منذ أن أتيحت لي الفرصة للظهور على شاشة التليفزيون، والآن لدي قناة على اليوتيوب أضع عليها مقطوعات من العزف على المقرونة، وأعمل دائما على إيصال ما تعلمته من فنون البادية.

تعزف أحيانًا بالزي البدوي وأحيانًا أخرى بالملابس العادية لماذا؟

أرتدي الملابس حسب المكان الذي أتواجد فيه فلا أرغب في فرض عاداتي على غيري، فلكل مكان ما يناسبه وأنا احترم عادات غيري مثل ما أريد أن يحترم غيري عاداتي، وأنا أرى أن هذه المسألة ليست قضية محورية لأن عاداتي وتقاليدي وأصولي تظهر من خلال تصرفاتي وتنبع من داخلي وليس لها علاقة بمظهري الخارجي مطلقًا.

 هل يمكن لأي شخص من خارج البادية أن يعزف على آلة المقرونة؟

لا يمكن لأي شخص أن يعزف على المقرونة، حيث يجب على العازف أن يكون من البادية حتى يكون ملمًا باللهجة وأنواع الأغاني البدوية التي تختلف في طريقتها عن الغناء العادي، فلدينا غناوة العلم والتي تتكون من 7 كلمات فقط ولكنها تحتاج إلى تكنيك مخصوص عند الغناء، فعلى سبيل المثال تقول إحدى الغناوى “الشمس يا عزيزي تغيب أن جاء نباك شاقي بغيرنا”، فهو هنا يصف أن الشمس تغيب إذا ما جاء خبر للمحبوب أن حبيبه مشغول بغيره، في الغناوي العادية تغنى بهذا الترتيب.

ولكن في الغناوي البدوية تختلف فتغنى تلك الكلمات بهذا الشكل “في الأول يقول المغنى شاقي بغيرنا ويكررها عدة مرات – ثم يقول نباك شاقي بغيرنا – بعدها يقول يا عزيز اتغيب – ثم يقول الشمس يا عزيزي تغيب – وأخيرًا شاقي بغيرنا أن جا نباك”، حيث إن غناوة العلم تحكي قصة في 7 كلمات وتحمل لغز لا يجاب عنه سوى في نهاية الغناوة وتعتمد على عنصر التشويق، التي لا يعرف طريقتها غير البدو فقط، والغنيوة مثل الشتيوة والمجرودة.

الفنان نصر الرمحي يعزف على آلة المقرونة - تصوير منال محمود
الرمحي يعزف على آلة المقرونة

هل تتنوع أغاني البدو ومناسباتها أم أنها تقتصر فقط على أغاني السمر والأفراح؟

الغناء البدوي مثله مثل غيره من أنواع الغناء الأخرى، ونحن لدينا أغاني لكافة المناسبات، مثل أغاني الحصاد، وأغاني الزراعة، وأغاني الحج، وأغاني العرس والأفراح، والعمل، والأغاني الحزينة والعاطفية، وأغاني رحلات السفر في الصحراء.

ما عمر آلة المقرونة؟، وهل يتم صيانتها مثل باقي الآلات؟

آلة المقرونة كما ذكرت هي آلة بسيطة للغاية ومع المحافظة عليها لا يحتاج العازف إلى تغييرها كثيرًا، يجب المحافظة عليها من الماء فهو عدوها الأول، والمحافظة عليها من الكسر حيث إن خامتها ضعيفة، كما يجب مسحها من وقت لآخر بزيت الزيتون حيث يحافظ علي صلابتها، ويمكن صيانتها بسهولة.

بماذا تنصح فناني البدو المبتدئين؟، وما هي أمنياتك للفن البدوي؟

الشهرة والنجاح لا يأتي من فراغ فهو ناتج عن العمل المستمر والاجتهاد المتواصل، وأنا أنصح أي شخص بالاجتهاد والمثابرة، واتمنى أن أصل بالفن البدوي إلى العالمية، واتمنى أن يعرف الجميع أن البادية ليست منفصلة عن المجتمع المصري فهي أحد مكوناته الذي يتمتع بخصوصية، وأن الفن البدوي لون من الغناء لا يقتصر على البدو فقط ويمكن للجميع تذوقه.

وعُرفت المقرونة وظهرت في العديد من الحضارات والشعوب والأجناس المختلفة، مثل الدولة المصرية القديمة وتحديدًا في العصر الفرعوني وفي الحضارة اليونانية وأطلق عليه اسم (مون اولوس)، وسميت في الحضارة اليابانية باسم (تاكي)، وأطلق عليها السومريين (تيكي)، وأطلق عليها الصينين اسم (تيك)، وارتبطت في مصر بالبادية كونها آلة بسيطة تُثري عنهم وتعبر عن عواطفهم وتمنحهم الشعور بالأمان عند وجودهم في الصحراء.

اقرأ ايضا

 

الوسوم