طيب أم شرس؟.. “التمساح” في تراث الحكي الشعبي المصري

طيب أم شرس؟.. “التمساح” في تراث الحكي الشعبي المصري لتمساح النيلي -المصدر ويكيبيديا
كتب -

التمساح هو أكبر الزواحف وأشرسها، واسمه العلمي (التمساح النيلي) ويصل طوله إلى ما يزيد عن 5 أمتار ، كما يمتاز برشاقته في الماء وسرعته على اليابسة فهو حيوان بر مائي.
يعرف التمساح بدموعه التي يذرفها عند التهام فرائسه، ومن هنا جاءت المقولة العربية الشهيرة (دموع التماسيح)، ليجمع التمساح بين الشر والخير في سلوك واحد .

الاله سوبك -رع
الاله سوبك -رع

مسح
أدرك القدماء المصريين ذلك التناقض في طبيعة التمساح والذي  سمي بالمصرية القديمة بمسح، وقدسه المصريون وعرفوه بالإله “سوبك -رع بحسب رندل كلارك في كتابه (الرمز والأسطورة في مصر القديمة) وبالرغم من أن طقوس عبادة سوبك كانت تقتضي اختيار تمساح معين في ذلك الوقت ويتم اصطياده ووضعه في قفص حديدي وإطعامه ألذ الطعام وإقامة بعض الطقوس له وأخيرا ذبحه وتحنيطه ومن ثم وضعه في تابوت حجري، وخير دليل على ذلك مومياوات التماسيح المعروضة حاليا في معبد ادفو بأسوان.
وعلى مر العصور التالية، احتل التمساح وضعا مميزا في التراث الشعبيخ، خصوصا ذلك المرتبط بالحكي، الذي يوظف في سياق الحكايات بحسب طبيعته المتناقضة، فهو مرة يد القدر العادلة ومرة أخرى هو أداة الانتقام وأحيانا هو رسول الحب والسلام .

التماسيح المحنطة بمعبد كوم امبو
التماسيح المحنطة بمعبد كوم امبو

اله الشر
يشير المرشد السياحي حسن عوض إلى أن سوبك عومل في بادئ الأمر في عصر الدولة القديمة (3200 ق .م) كواحد من آلهة الخلق ، وقد ترجم المصريون تلك العقيدة من خلال شروح طقوس كتابي الموتى ورحلة العالم الأخر ، حيث تشاهد روح المتوفى في إحدى تحولاتها وهي تتحد مع تمساح ، في أشارة إلى تجدد الروح وكانت عبادته مزدهرة إلى حد كبير لكونه أحد آلهة منح الحياة ، كما ربط القدماء بينه وبين الإله أوزوريس اله الخصب، ولكن تراجعت عبادته في عصر الدولة الحديثة (1550 ق .م) ، حين امتزج مع الإله ست اله الشر وأصبح أداة القتل الشريرة ، ملمحا إلى أن طبيعة التماسيح وكونها كانت غالبا ما تهدد المصريين إذا ما أبحروا في زوارقهم عبر النيل ،جعلتهم يعتقدون أن قوى الشر أو بعضا منها تسكن في ذلك الحيوان ولذلك كانت الطقوس تقتضي ذبح التمساح وتحنيطه ليكون بمثابة شاهد على قهر الشر الساكن في ذلك الحيوان.

في الأدب الفرعوني
وبحسب الدكتور سليم حسن  في كتابه (الأدب المصري القديم) فقد استخدم التمساح في الأدب المصري القديم ، كمؤثر درامي في عدد من القصص والقطع الأدبية ،
لافتا إلى تواجد التمساح مرتين في قصة سحرة خوفو ، المرة الأولى في حكاية الزوجة والعشيق حين صنع زوج المرأة تمساحا من الشمع وتلى عليه بعض التعاويذ وألقاه في الماء فاستحال إلى تمساح طوله 7 اذرع ،ليلتهم عشيق الزوجة لحظة نزوله إلى النهر ، والمرة الثانية حين استخدم التمساح كأداة عقاب للخادمة التي أفشت سر سيدتها في حكاية مقاصير الإله تحوت ، وفي قصة الأخوين، أوجدت الآلهة بحيرة من التماسيح لتحول دون وصول أحد الأخوين ألي الآخر ليقتله ظلما بسبب خيانة  الزوجة ، مضيفا أن قصة الأمير الموعود اعتبرت التمساح  يد القدر التي ستنهي حياته، ليموت الأمير في نهاية القصة  بين أنياب التمساح ، كما اعتبرت قصة الصدق والكذب التمساح رمزا للقصاص ، حين دعا ابن الصدق على أمه أن يلتهمها تمساح لأنها عاملت والده المريض مثل المتسول .

معبد كوم امبو
معبد كوم امبو

رمز فلسفي
ويلفت المرشد السياحي محمد سليمان إلى أن أحد أهم الصور الأدبية التي تعاملت  مع التمساح بكونه فكرة معبرة عن الشر، تلك الصورة الفلسفية التي رسمها الإغريق في معبد كوم امبو وهو المعبد المزدوج والذي جمع سوبك التمساح الشرير بأخيه حورس الصقر الطيب ، موضحا أن الطراز الفريد للمعبد يقوم على الجمع بين معبدين للإلهين معا في إشارة إلى أن تحقيق التوازن لا يتحقق إلا بوجود الخير والشر ومعا ، موضحا أن العقيدة المصرية القديمة بالرغم من أنها اعتبرت الإله ست إلها للشر ألا أن بفضل شره تشرق الشمس كل صباح ، حين يشتبك في صراع محموم مع ثعبان الشر أبو فيس محاولا ابتلاع قرص الشمس ، فيقتله ست  ليشرق رع في سماء الكون ، لتصبح قوى الشر الكامنة في ست او سوبك يد تحقيق الخير المطلق في تجدد حياة الكون .
ويضيف سليمان أن العصر القبطي خلف عددا من الرسومات والتي ظهر فيها التمساح كرمز للشر من منطلق أن الكتاب المقدس تعامل معه كرمز للإنسان الظالم والشرير.

معبد فيلة (أنس الوجود )
معبد فيلة (أنس الوجود )

أنس الوجود
وطبقا لحكايات ألف ليلة ،  وتحديدا في قصة (أنس الوجود ) تقع  الاميرة ورد الاكمام ابنة الوزير  في غرام الجندي أنس الوجود ، ليفرق بينهما الأب بأن يرسل ابنته كسجينة في جزيرة معبد فيلة بأسوان ، وحين هام أنس الوجود باحثا عن حبيبته  تعاطفت معه الكائنات ودلته على مكانها ، فذهب إلى هناك ولكنه عجز عن عبور النهر لأنه كان مكتظا بالتماسيح، فجلس عند حافة النهر يبكي ، فاثأر ذلك عاطفة أحد التماسيح فجعله يركب ظهره ليحرر حبيبته من الأسر ، فيعبر به المعبد ويحرر حبيبته ويركبا سويا على ظهر التمساح ، ويتصادف أن الوزير قد جاء لزيارة ابنته فيبكي تؤثرا من تعاطف الحيوان المفترس مع حق الأحبة ،  ويوافق على الزواج.

ضريح السنجق بدشنا
ضريح السنجق بدشنا

حكايات صوفية
يلفت خالد السلال ، نائب الطريقة العزازية بدشنا ، إلى أن التمساح استخدم في عدد من الحكايات التي تروى حول كرامات الأولياء ، ملمحا إلى تشابه سياق القصص وان اختلف الشخص والمكان ، موضحا أنه يروى عن العارف بالله إبراهيم الدسوقي أن امرأة جاءته تشكو أن تمساحا ابتلع  طفلها ،ليأمر الدسوقي النقيب أن يذهب إلى النهر وينادي على التمساح ويأمره باسم الدسوقي بان يلفظ الفتى فيفعل ، مضيفا أن قصة الشيخ الفاوي صاحب المقام المعروف بقرية فاو قبلي مع التمساح أن التمساح التهم حمارته فذهب إلى النهر وأمر التمساح أن يسبح على ظهره ففعل التمساح وظل هكذا حتى نفق، ويلفت السلال أن نفس القصة السابقة يرويها أهالي  صعايدة دشنا حول السنجق والذي جاءه الأهالي يطلبون نجدته من التمساح والذي يقترب من الأهالي حتى حدود (موردة النيل ) ويهاجم النساء ويخيف الأطفال ففعل مثل ما فعل الفاوي ، ويوضح السلال أن رمزية القصص واحدة وهى تأكيد الكرامة للولي في الانتصار على أشرس وأخطر الكائنات المفترسة .

التمساح والعجل
وفي التراث الصعيدي طقس كان يصاحب نذر النذور في المواسم الدينية مثل رمضان والأعياد أو موالد الصالحين ، بحسب محمود عبد العزيز ، مزارع 66 سنة ، لافتا إلى أنه عندما كان ينذر شخص ما عجلا ، كان يتم تزيينه بالاشرطه الحمراء والخضراء وأحيانا يوضع جرس حول رقبته ويزف في أرجاء البلدة بهذه الكلمات :” التفاح سمن وساح  ،خطفه التمساح  ،تستاهل ” ، موضحا أن الكلمات تشير إلى أن هذا العجل قد نذر ولا مفر من ذبحه في يوم قدره المعلوم ، فالتفاح هو العجل والتمساح هو قدره المحتوم .

شاهد| التمساح والعجل 

ذكريات
ويروي معروف عبد الجليل ، 82 سنة موجه تاريخ وجغرافيا بالمعاش ، أنه قبل بناء السد العالي كان من المألوف رؤية التماسيح خصوصا في منطقة أسوان والنوبة القديمة ولكن بعد بناء السد العالي في عام 1970 توقف ذلك لان السد منع تقدم التماسيح عبر النهر ، لافتا إلى أنه في فترة الثمانينات سرت إشاعة بين الأهالي عن تسلل تمساح عبر فتحات السد وانه وصل إلى حدود محافظة قنا ، ملمحا إلى أنه وقتها كانت معظم البيوت تعتمد على جلب المياه العذبة من النيل وكان لتلك الإشاعة دورها في إشاعة الذعر بين الأهالي لفترة من الوقت .

سائحة تحمل تمساحا في القرية النوبية
سائحة تحمل تمساحا في القرية النوبية

تماسيح النوبة
ويلفت المرشد السياحي أحمد سكوري إلى أن أحد أهم المزارات الهامة التي يحرص السائحين على زيارتها في بحيرة ناصر حديقة التماسيح وهي تعتبر محمية طبيعية يتاح فيها للزائرين متعة مشاهدة التماسيح وطرق عيشها ، وتصنف على أنها من أنشطة السياحة البيئية ن مضيفا كما أنه من الشائع جدا في بيوت القرى النوبية في جزيرتي سهيل وغرب سهيل بأسوان ، أن يقتني الأهالي تماسيح يتراوح حجمها ما بين 40 سنتيمتر والمتر تقريبا ، وتوضع في أحواض محاطة بسياج حديدي ، ليتفرج عليها السواح ويلتقطون لها صورا تذكارية .
+++++++++++++++++++++
مراجع وأسانيد
1-الرمز والاسطورة في رمز القديمة – رندل كلارك – ترجمة احمد صليحة – الهيئة العامة للكتاب 1988 .
2- الادب المصري القديم (ب يدي اف ) –سليم حسن – الهيئة العامة للكتاب 2000

الوسوم