صور| 93 عاما في الحرفة.. حكاية “شوقي” صانع كسوة الكعبة

صور| 93 عاما في الحرفة.. حكاية “شوقي” صانع كسوة الكعبة أحمد شوقي، أقدم صانعي كسوة الكعبة - تصوير: أميرة محمد
تصوير: أميرة محمد

“وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ۖ وَعَهِدْنَا إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ”، إحدى الآيات القرآنية التي سطرت على كسوة الكعبة المشرفة، لينادي بها الناس فيأتون من كل فج عميق، لأداء شعائر الحج.

كسوة الكعبة تعتبر من الشعائر الإسلامية، وهي إتباع لما قام به رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة الكرام من بعده، وهى عبارة عن قماش الكسوة على هيئة قطع كبيرة (طاقة) كل قطعة بعرض (10سم) وبطول 14م (15 تكرارًا )، ويفصل كل جنب من جوانب الكعبة على حدة حسب عرض الجنب، وذلك بتوصيل القطع بعضها مع بعض مع الحفاظ على التصميم الموجود عليها، ومن ثم تبطينها بقماش القلع  (القطن) بنفس العرض والطول.

هذه المكونات وطرق التصنيع، يشرحها لنا أحد أفراد الحرفة، والذي عاش عمرًا كاملًا يحترف المهنة ويمارسها من بعد أجداده، ويصبح هو أحد أهم صانعي كسوة الكعبة فى مصر.

جانب من أعمال أحمد القصبجي

كسوة الكعبة

لم تنته مسيرة حياته بانتهاء خروج المحمل من مصر، بل هو كأحد أفراد الجماعة قرر البقاء والحفاظ والاستمرار، فهي ليس مهنة يجلب منها قوت يومه فقط، بل هي تراث وهوية عائلته الذي توارثه من أجداده، فحمل على عاتقه اسم العائلة التي عُرفت بهذا النوع من التصميمات دون غيرها على مستوى الدول الخارجية ومصر أيضًا، ليكون أحمد شوقي عثمان، أخر أفراد عائلة القصبجي، صانع كسوة الكعبة، هو حامل اللقب والسمعة والمهنة أيضًا.

وراثة

في ورشته الموروثه من أجداده بخان الخليلي، يتخذ “شوقي” مكانه ومكان أجداده من قبله، فهنا تربى وتعلم ومارس مهنة تصميم كسوة الكعبة، والتي بدأها منذ الصغر وهو طفل لا يتعدى الـ10 سنوات، ولكن بداية التعلم هو الترقب.

ليحكي البداية ويقول: “ورثنا الورشة عن جدي توفاه الله من بعد عملية انتهاء خروج المحمل وصنع الكسوة في مصر، ولدي قرر تجهيز الورشة بالمكن ومن هنا نزلت معاهم فبعد المدرسة الابتدائية، أكمل باقي الورشة مع والدي بتفرج على الشغل واستمرت 6 سنوات طول فقط أترقب العمل وأفهم التصميمات”، مشيرُا إلى أن المهنة كبيرة تضم داخلها مهن كثيرة.

أما عن الجد وهو الحاج عثمان رئيس مصلحة الكسوة في الكعبة – أيام المحمل القديم- هو الذي صمم كسوة الكعبة 3 مرات وراء بعض، كان عام 1926 حتى 1929، وبعد ذلك نقلت إلينا، لما وقفت الكسوة يقال لخلاف سياسي، وقفت العمل بالمهنة فترة.

بداية الكسوة

ذكر المقريزي أن “العادة جرت ألا يكسو الكعبة إلا ملوك مصر وذلك يرقى إلى مستوى التشريع”، فانفردت مصر منذ العصر المملوكي حوالي منتصف القرن الـ13 الميلادي وعلى مدار سبعة قرون حتى نهاية الربع الأول من القرن العشرين بإرسال الكسوة السنوية إلى الكعبة والأماكن المقدسة الإسلامية الأخرى في الحجاز.

كما جاء في كتاب “كسوة الكعبة المشرفة وفنون الحج” للمؤلف إبراهيم حلمي، أن مكونات كسوة الكعبة هي ثمانية أحزمة، وأربعات كردشيات مزركيشة، جمعيها بالمخيش الفضة الأبيض والخميش والملبس بالذهب البندقي على حرير أطلس أسود وأخضر، وهذه الأحزمة وما يتبعها من رنوكة عددها أربعة وكذلك الكردشيات مركبة جمعيها على ثمانية أحمال من الحرير الأسود، وهذه الأحمال مبطنة بالبفتة البيضاء وعروضها متماسكة بواسطة أشرطة من البوار القطن الأبيض

قطعة فنية من أعمال القصبجي

أما ستارة باب بيت الله الحرام المعبر عنها بـ”البرقع”، فهي مزركشة أيضًا بالمخيش على حرير أطلس أسود وأخضر وأحمر ومبطنة بالبفتة البيضاء ومبطنة كذلك بالأطلس الحرير الأصفر وبها ثلاث شرابات كبيرة من الحرير الأسود والقصب والمخيش العقادي الأصفر واثنتا عشرة شمسية مزركيشة على الحرير

وستارة باب سطح بيت الله الحرام، وهو المعروف بباب التوبة داخل البيت الحرام، فهي من الحرير الأطلس الأسود والأخضر والأحمر ومزركشة بالمخيش بنوعية، وكيس مفتاح الكعبة المشرفة وهو من الأطلس الأخضر الحرير ومزركيش بالمخيش الفضة.

ونلاحظ على وثيقة الكسوة المصرية الأخيرة عام 1380 هجريا و1961 ميلاديًا، أن مكونات هذه الكسوة قدخلت من كسوة مقام سيدنا إبراهيم وستارة باب مقصورتة حيث كان قد انتهى عمل الكسوة لهذا المقام الجيلي منذ عام 1359 الموافق 1940، لأن حكومة المملكة السعودية غيرت شكل ما يحيط به من المقام من غطاء فأحاطته بسياج معدنى ذهبي.

الفتلة والإبرة

هما بداية الطريق والأساس أيضًا، لذا فهما سلاح ذو حدين بهما تخرج القطعة فريدة من نوعها أو بهم ينحرف التصميم عن مساره، لذا قرر والده أن يمنحه 3 سنوات أخرى فوق الـ6 ليخلق بينهم وبينه ألفه تستمر لبقية العمر، وهو ما حدث معه بالفعل.

فيوضح شوقي، أنه أخذ يتمرن على الإبرة داخلها الخيط غير المعقود لتخرج على الفارغ ولا تصنع غرزة في القماش، بطريقة تسمي لديهم “يطير عصافير” بهدف ضبط المسافات وسكة الإبرة على القماش كنوع من الدقة العالية في التصنيع.

خروج المحمل وقف كثيرا العمل بكسوة الكعبة في تلك الفترة، لذلك كان لوالد “شوقي” سكة أخرى في هذا الأمر، وهي تصميم إشارات الملك وقتها والبدلة “أم قصب” لذا كان أول عمل يبدأ فيه الحرفي الصاعد هو تفريغ الأركيت للنسر الخاص بالكاب والكتافة للبدل العسكرية وبدل الملك، مشيرًا أن المهنة في الأساس كبيرة وتضم عدد من الحرف وهى الخطاط ومفرغ الأركيت.

ولكن حفاظًا على التراث والذي يصنف بأنه تراث غير مادي يعود الوالد ومن بعده “شوقي” إلي صنع كسوة الكعبة والتي تشمل الستائر ذات الأحجام المختلفة، وأيضًا براويز ذات آيات قرآنية، بأنواع وخامات يشرحها قائلًا: “أردنا أن نمشي على خطي نهج القديم، أبتدينا بمقاطع السور القرآنية حتى تم صناعه كسوة الكعبة الـ3 أمتار والـ6 أمتار وغيرها، بالإضافة إلى الطلبات الخاصة حرصنا على تنفيذ خطي التعليم القديم لذا اسم “القصبجي” كلمة وعلم.

أما الخامات، فهي عبارة عن قماش من قماش الكعبة نوع ثقيل خامة ياباني وفرنساي وألماني ذات ألوان ثابتة، تمر به الإبرة بصعوبة، موضحًا أنه مع الأزمات الاقتصادية التي تمر بها البلد أصبح من الصعب استيراد هذه الخامات، ولكنه في نفس الوقت يحرص على العمل به دون غيره حفاظًا على سمعته والتي تتردد بين زبائن من دول الخليج ومصر أيضا “قطعتي تأخذيها وعليها ضمان خدمة ما بعد البيع، ممكن أفك القطعة من البرواز وأصلحها حتى لو مر 10 سنين، ففي ورشتي هنا تنفيذ عملي على قطعة القماش، بداية من الخطاط والصنايع والخامة كلهم من الدرجة الأولي”.

مراحل الصناعة

ذكر المؤرخون أن كسوة الكعبة كانت تصنع قديما من نسيج القباطي، ثم مع تطور فنون النساجة المصرية أصبحت تنسج بالتطريز، ونسجت من نسيج الديباج المخوص بالذهب.

وتشير الدكتورة سعاد ماهر، في كتابها “الفن القبطي”، إلى أن القباطي هو الاسم الذي يطبق على النسيج الذي يعرف بالإنجليزية “التبستري” وليس له في العربية اسم مصطلح، إلا أنها لم تكن مبتدعة لهذا الاسم فقد أطلقه العرب من قبل على النسيج المصري ذي الشهرة الواسعة نسبة إلي أهلها “القبط” فقد ورد ذكر هذا اللفظ في كثير من المراجع العربية القديمة.

وذكر المقريزي “أن المقوقس أهدى إلى رسول الله صلي الله عليه وسلم قباء وعشرون ثوبا من قباطي مصر، كما كسا الخلفاء الكعبة بالقباطي المصرية”، وقد ظل هذا اللفظ مستعملا في المراجع العربية طوال الفترة التي سادت فيها هذه الطريقة الفنية في زخرفة المنسوجات إلى العصر الفاطمي، فقد ذكر أبو المحاسن أنه في السنة الحادية عشرة من حكم الحاكم (397 هجريا- 1106م) كسا الكعبة بالقباطي وعندما ظهرت طرق فنية أخري غير هذه الطريقة اختفى لفظ قباطي.

جدران محل القصبجي تتزين بأعماله

ويقول المقريزي، إن الفاكهي، مؤرخ مكة، رأي كسوة الكعبة من القباطي المصري، وقد كتب عليها أنها صنعت بأمر الخليفة المهدي في ورش تنيس علي يد والي مصر سنة 159هـ/ 775م.

كما رأي الفاكهي نفسه كسوة أخرى بأمر المهدي أيضا في تنيس سنة 162هـ/ 778م، ورأي نفس الرجل كسوة من القباطي صنعت في مصر بأمر الخليفة العباسي، هارون الرشيد، في ورش مدينة تونة بمصر سنة 190هـ/805م.

أما عن مراحل التصنيع، فيقول الحرفي أنها تبدأ من الخطاط ذي مستوى متميز، فهو يضم إليه سعيد الخطاط يعمل بمدرسة الخط بحلوان، والحاج رفاعي بمصلحة السكة الحديد، ومحمد فضل خطاط جريدة الأهرام، وغيرهم من القامات والعلامات البارزة التي تقوم بكتابة الجمل على الورق، لتأتى بعدها  عملية  التخريم أو التبخيش وهى المرور على الكلام بالإبرة لثقب الحروف التي كتبها الخطاط على الورقة، ثم توضع على قطعة القماش، والتي توضع على النول، ونضع الورقة على قطعة القماش ونطبع الكلمة بكل دقة.

وتبدأ بعد ذلك عملية الحشو من خلال الورقة التي طبعت على القماش، لتطبع على كرتون تقيل اسمه دوبلكس، وبعدها تكون عملية فصل كل حرف لوحده وتثبيته بالخيط على القماش، ثم نستخدم خيوط غزل الحرير لوضع التخانات لعمل البروز، مؤكدًا أن هناك حروف تأخذ 10 فتلات وحروف قد تأخذ الشلتة كلها، أي ما يعادل 150 فتلة من الغزل الحرير الثقيل، والمستورد أيضا من ألمانيا وفرنسا.

ويوضح أحمد، أن زبائنه من مصلحة الكسوة في الكعبة دار الكسوة، بالإضافة إلى عدد من عائلات دول الخليج، بالإضافة إلى القاهرة بالطبع.

صعوبات

صعوبات عديدة يمر بها صانع الكسوة حاليًا، تشمل رفع سعر الخامات وصعوبة الحصول عليها، بالإضافة إلى اختلاف الكم والكيف، وأسعار العمالة، والتي تزيد من مستوي المتطلبات لديه، وفي وسط ذلك الدولة لم تساعد بأي دخل مادي سوى تنظيم معارض ذات دخل أو من تسويق للمنتجات خارجيًا.

ويوضح صانع كسوة الكعبة، أن والده صمم “ديل” الطرحة للأميرة، وهو من صمم “النموسية والسرير” لابنتة ملك الأردن، بالإضافة إلى تنفيذ ستارة أو اثنين للرئيس السابق محمد حسنى مبارك.

اقرأ أيضا

 

الوسوم