صور| وداعًا “راقودة”.. بعد عام من محاولات وقف الهدم

صور| وداعًا “راقودة”.. بعد عام من محاولات وقف الهدم

وسط طقس بارد تتساقط فيه الأمطار بالإسكندرية، كأنه يرسم صورة لمشهد النهاية من فيلم تراجيدي حزين، تختتم مشاهده بعد أيام، لتتحول فيه العمارة التي سكنها المخرج الراحل يوسف شاهين مع شقيقته في الشاطبي على الكورنيش، والشهيرة بعمارة “راقودة” لوجود “مطعم راقودة” الشهير أسفله، إلى كومة من التراب، دكتها بلدوزرات الهدم، لتتطمس وتطوي داخلها تراثًا يمثل جزء تاريخيًا من هذه المدينة العريقة.

متابعة وتوثيق “ولاد البلد” لهذا العقار التراثي الذي سقط من سجل التراث سهوًا، واستصدر مالكه قرارًا بهدمة العام الماضي، ووسط غضب المثقفين ومستخدمو مواقع التواصل الاجتماعي في الإسكندرية، والمدافعين عن تراث الإسكندرية، وغضب المواطنين، أعلنت محافظة الإسكندرية في 16 ديسمبر 2017، بوقف أعمال هدم العقار وتشكيل لجنة لإعادة النظر في أمره.

وداعًا “راقودة”

ورغم كل هذه المحاولات، لكن عملية إنقاذ هذا العقار التراثي فشلت، وحسب تصريحاته في وسائل الإعلام الأيام الماضية، يذكر الدكتور مجدي موسى، رئيس الأمانة الفنية للجنة الدائمة للحفاظ على التراث المعماري بالإسكندرية، أن مبنى “راقودة” يتم هدمه وفقًا للحكم القضائي ضد قرار المحافظ السابق، وبالتالي لا يمكن التدخل.

وهذا ما أكدته بهية عبد الفتاح، رئيس حي وسط بالإسكندرية، مشيرة إلى أنه بناءً على الحكم القضائي، وخروج العقار من مجلد التراث، من حق المالك قانونًا التصرف فيه، سواء بالهدم أو البيع أو البناء.

وقد حصل العقار على ترخيص بالهدم من المركز الذكي يحمل رقم م ذ / 18 /42/ 207، فيما شددت رئيس حي وسط على أن الحي ليس له الأحقية بالتدخل في حصول المالك على حكم قضائي وترخيص رسمي بالهدم.

وعلى صفحته الشخصية عبر موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك”، عبّر الدكتور إسلام عاصم، مدرس التاريخ الحديث والمعاصر بالمعهد العالي للسياحة بالإسكندرية، ونائب رئيس جمعية التراث للفنون التقليدية بالإسكندرية ونقيب المرشدين السياحين سابقًا، عن حزنه من هدم هذا العقار التراثي.

ويقول: “رغم أن عقار راقودة غير مدرج في سجل تراث الإسكندرية، لكن ذلك لا ينفي أهميته، فقد مرّ أكثر من 90 عامًا على بنائه، حيث أن المنطقة التي يوجد بها العقار كلها تراثية ولا يجوز الهدم فيها، إلا بشروط، لكن للأسف رغم كل المناشدات العام الماضي، لم يستطع المحافظ السابق رغم جهوده أو لجنة حصر التراث من أن توقف المحاولات المستميتة لهدمه”.

ويتابع عاصم: “كما لم نسمع عن أي محاولة من المحافظ الحالي للحفاظ عليها أو على غيرها حتى الآن، والحال حاليًا أنها تهدم وتبنى على نفس الطراز، وهذا أقصى ما وصلت إليه لجنة حصر المباني التراثية بالمحافظة”.

ويختم حديثه بالقول: “الأمل أن يقوم الأثريون الشرفاء بأداء دورهم، لأن المكسب الوحيد من هدمها هو اكتشاف منطقة أثرية جديدة، لأنه من المؤكد أن يكون أسفلها آثار لقربها الشديد من منطقة آثار الشاطبي”.

أما سيد خليل، آخر من حرس العقار حيث مكث شهرين فقط قبل إخلائه، فيعبر عن حزنه على هذا العقار التراثي الموجود قبل خمسينيات القرن الماضي، فهو يتحسر على هدم عقار بهذا الجمال، حتى يتم تشييد بدلًا منه برجًا سكنيًا، ويتساءل: “هل هذا يعقل؟”.

على الجانب الآخر، يرى أحد ساكني العقار – مفضلًا عدم ذكر اسمه – أن هذا العقار يعتبر ملكية خاصة، ولم يمر عليه 100 عام، معتبرًا أن من حق المالك التصرف فيه.

ويضيف: “اتفقنا مع مالك العقار برضائنا على إخلائه مقابل مبلغ مالي، ولا أرى شيء سيء في ذلك، فهي عمارة قديمة، ويريد المالك هدمها لتجديدها، فهي ليست عمارة تراثية”، وذلك على حد تعبيره.

 

تاريخ العقار وأهميته

وفي تصريح سابق لـ”ولاد البلد” يوضح الدكتور محمد عوض، رئيس لجنة الأمانة الفنية للحفاظ على تراث الإسكندرية، أن عمارة راقودة أخذت هذا الاسم نسبة إلى مطعم الأسماك الشهير والتاريخي، الذي كان يستحوذ على الطابق الأول منها، لافتًا إلى أن العقار غير مسجل في قائمة المباني التراثية ولا الأثرية بالمحافظة، وهذا ما يجعل التصدي لعملية هدمه من جانب المعماريين ولجنة الحفاظ على التراث غير قانوني.

ويشير إلى أن العقار له طابع معماري فريد، وهو ما يجعل هدمه طمس جديد لمعالم التراث السكندري المميز، والذي شهد خلال الفترة الماضية انتهاك بالغ لمعظم الفيلات والمباني الأثرية والتراثية، دون اكتراث للأهمية التاريخية والحضارية لتلك المباني، وذلك استغلالًا لثغرات القانون.

الزهراء عوض، مرشدة سياحية وباحثة في تراث الإسكندرية، تقول إن هناك عدة معلومات هامة عن هذا العقار التراثي اسمه ليس “راقوده”، فهذا الاسم اكتسبه مؤخرًا من المواطنين، لوجود مطعم راقودة أسفله، لكن كان يطلق عليه فترة الحرب العالمية الثانية اسم “مونت كارلو”، أو “تيك تاك بوم”، والعقار أنشأ في ثلاثينيات القرن الماضي على طراز “آرت ديكو”.

الوسوم