صور| “هور” منطقة شاهدة على التاريخ والمعارك منذ ألف عام

صور| “هور” منطقة شاهدة على التاريخ والمعارك منذ ألف عام منطقة هور الأثرية بنجع حمادي- تصوير: مريم الرميحي

تصوير: مريم الرميحي

في منطقة جبلية بقرية “هو” جنوب مدينة نجع حمادي، تقع مساحات شاسعة ليس لها بداية ولا نهاية مجاورة للمقابر وأضرحة تسمى “هور”، وتتبع هيئة الآثار منذ عشرات السنين، هذه المنطقة شاهدة على عدة حروب ومعارك تاريخية، لا يتوافر عنها الكثير في الكتب والمراجع التاريخية.

ولكن بعد الاستقصاء حول تحديد تاريخ المعركة الحقيقية لهذه المنطقة، تبين العديد من الحقائق التي لا يعرفها أغلب الناس، عن سلسلة معارك في عصور متلاحقة، في التحقيق التالي رحلتنا في البحث عن أصل وفصل حكايات منطقة “هور” الأثرية.

منطقة هور
منطقة هور

ماذا يردد عنها الناس

على بُعد 16 كيلو مترًا من مدينة نجع حمادي، بالإضافة لبضعة كيلو مترات أخري من قرية “هو” وحتى جبل هو، تصل لمنطقة هور وبجوارها مقام هو الأشهر من بين المقامات المنتشرة هناك يدعى مقام “الأمير ضرار”، فضلا عن مقام الشيخ السادات، والشيخ محمد، وفي الطريق إليها تجد بعض الآبار القديمة، مترامية الأطراف.

وفي أحد المساجد المنتشرة هناك قابلنا الحاج جاد الكريم سليم، 80 عامًا، وهو شيخ الترابية، وفق هويته التي أبرزها لنا وأحد أبناء قرية هو، ليروي لنا أن قرية “هو” ومنطقة “هور” تحديدًا ترجع لعصر الرومان كما سمعنا من أجدادنا، وأن “هور” وقعت بها معركة قبل مئات السنين بين الرومان والمسلمين، وقد حوت المنطقة جثث القتلى، على حد تعبيره.

وتابع: جزء من هذه المقابر مقابر للصحابة والمحاربين القدامى، مثل الأمير رار بن الأوزر، والسادات، الجمال، عبدالباقي، وغيرهم، وآخرين من قتلى الرومان بمنطقة هور.

الحاج جاد الكريم- شيخ الترابية بقرية هو- نجع حمادي- تصوير: مريم الرميحي
الحاج جاد الكريم- شيخ الترابية بقرية هو

يذكر عم جاد الكريم، أن حكايات عدة تدور عن الشيخ الخطّاف، وعن بسالة الأميرة خولة شقيقة الأمير ضرار، التي سعت لتحرير أخيها من أسر الرومان، والتي أطلق عليها “الفارس الملثم”، بعد أن أخفت خبر أسره، وخرجت لمحاربة الرومان بسيفها وعلى جوادها مختبئه في زي الفرسان.

كما نسمع من أجدادنا أن اسم قرية “هو” محرفًا من اسم المنطقة “هور”، لافتًا أن منطقة هور تابعة لهيئة الآثار الإسلامية والقبطية.

ووسط توارث الأجيال من أهالي قرية “هو” تتعدد الروايات عن حروب المسلمين مع الرومان بالقرية ووجود الأضرحة التي لم يأكد لنا أحد حقيقة وجود جثامين لهم بها.

وجاء حديث أحد المختصين من مكتب الآثار بقنا – فضل عدم ذكر اسمه – أن هناك بعض علماء الآثار مثل آرثر (Arthur) ودوريس (Doresse)، قالوا إنه كانت توجد حصون رومانية فى جانب المدينة الذى يطل على الصحراء، وأن قرية “هو” في العصر اليونانى والرومانى أقيمت بها قلعة حربية ومعبد على نهر النيل، بعد أن عثروا ببقايا المعبد على مقصورة صغيرة مشيدة لعبادة “حتحور” إلهة الحب والجمال والموسيقى وعليها نقوش تمثل أباطرة الرومان وهم يقدمون القرابين للإلهة حتحور ، كما تحمل المقصورة أسماء أباطرة الرومان مثل بطليموس السابع، وبطليموس العاشر، والإمبراطور أدرين.

أحد الآبار بقرية هو بنجع حمادي- تصوير: مريم الرميحي
أحد الآبار بقرية هو بنجع حمادي

وبالتالي، فمن من المحتمل إقامة معركة في هذا المكان أثناء مهاجمة الجيش الإسلامي وعدد من القادة على الحصون الرومانية، التي كانت متبقية في الصعيد.

وتابع: وصفها أرثر بأنها “مدينة كبيرة فى مكان مرتفع فوق بقايا المدينة القديمة، وتتكون البقايا من تلال من مبانى مبنية بالطوب اللبن المتهدمة والأوعية الفخارية المحطمة وبقايا المدن، وبها ترى بقايا المعابد المشيدة من الحجارة الرملية بين هذه البقايا بالقرب من السوق وعلى ضفة النهر ترى أطلال سور الميناء”.

أحد الأضرحة بقرية هو بنجع حمادي- تصوير: مريم الرميحي
أحد الأضرحة بقرية هو بنجع حمادي

الآثار

من جانبه يوضح محمود عبدالوهاب، باحث ومدير هيئة الآثار الإسلامية والقبطية بنجع حمادي، أن الجزء المجاور لمقابر قرية “هو” يسمى “هور”، يقع ضمن المنطقة الأثرية بنجع حمادي، وضمت هذه المساحة إلى الآثار منذ 1960، ثم اكتشفت بعض الأواني والأحجار المنقوشة باللغة الفرعونية في أول بعثة علمية منظمة للمنطقة عام 1987.

ويضيف، أن مقابر ما قبل التاريخ تشير إلى أن مدينة “هو” كانت موجودة منذ العصر الحجري، فقد عثر فى الحفائر التي أجراها عالمي الآثار بتري وكيوبيل عام 1884م في صحراء هو على هياكل بشرية وتماثيل وأواني فخارية وأدوات زينه ترجع إلى العصر الحجري الحديث، وعثر أيضا على تماثيل تمثل العبيد الأسرى وترجع إلى أوائل عصر الأسرات.

كما تشير مقابر ما قبل التاريخ والعصر الفرعونى إلى أن مدينة “هو” كانت موجودة فى ذلك الوقت، وأنها كانت مزدهرة طوال العصر الفرعوني وحتى الدولة المتوسطة، وفي أثناء حكم الأسرة السادسة كانت “هو” قاعدة للإقليم، ثم يبدو أن قبائل النوبة استوطنتها بعدها في أثناء حكم الأسرة السابعة عشر، ويذكر بعض علماء الآثار مثل “آرثر”و “ودوريس” أنه كانت توجد حصون رومانية فى جانب المدينة الذى يطل على الصحراء.

مقابر قرية هو بنجع حمادي- تصوير: مريم الرميحي
مقابر قرية هو بنجع حمادي

كما أن قرية “هو” المطلة على الشاطئ الغربي لنهر النيل، هي بلدة قديمة اسمها الفرعوني “ديوسبوليس بارفا” ومعناها طيبة الصغرى، وفي العصرين البطلمي والروماني “كمنت” واسمها الديني “حوت سيحمو”، أو “أجات سخم”، أي مدينة أو بيوت الصاجات، واسمها القبطي “حات”، أو “حوت” ومنه اشتق اسمها العربي “هور” وهو الذي عرفت به رسميًا منذ 1231هـ.

و”هو” ذكرها عدد من المؤريخين مثل الكندي في كتابة ولادة مصر، وابن الأثير في كتابه الكامل في التاريخ، متحدثين عن قيام معارك بها قبل أكثر من ألف و150 عامًا، في العصر الطولوني بمصر تحديد في 256هـ – 869م، ووفق الدكتورة نورا عبدالمنعم في كتابها “تاريخ قنا في العصر الفاطمي”، فإن الصعيد الأعلى شهد نشاطًا بارزًا لثورات العلويين، الذين عانوا من اضطهاد الأمويين والعباسيين، مما اضطرهم للنزوح والتسلل إلى الصعيد.

منطقة هور- نجع حمادي- تصوير: مريم الرميحي
منطقة هور- نجع حمادي
تاريخ المعارك 256هـ – 869م

بدأ ابن الصوفي، وهو إبراهيم بن محمد بن يحيي بن عبدالله بن محمد بن علي بن أبي طالب -كما عرفه المقريزي أيضًا- ثورته عام 254هـ – 867م، فيما بين بلاد “الأشمونين”، وهي مدينة كبيرة تقع في الصعيد الأدنى غرب النيل، كما عرفها ياقوت الحموي يمعجم البلدان، وأحمد فؤاد السيد، و”إخميم”، وامتدت ثورته فعمت معظم أرجاء الصعيد الأعلى، وأنمت إليه معظم القبائل العربية القاطنة بتلك المنطقة والمؤيدة لدعوته العلوية.

كما دخل إسنا عام 255هـ- 868م واستولى عليها ونهبها وقتل أهلها وعاث فسادًا في نواحيها، واستفحل خطره، فأرسل أحمد بن طولون حاكم مصر حينها جيشًا لمحاربته في عام 256هـ- 869م، فالتقى ابن الصوفي في “هو”، فهزم جيش ابن طولون وأسر قائده، وقطع يديه ورجليه وقام بصلبه.

أحد الأضرحة بقرية هو بنجع حمادي- تصوير: مريم الرميحي
أحد الأضرحة بقرية هو بنجع حمادي

وبعدها أرسل ابن طولون جيشًا أخر ليهزم ابن الصوفي ودارت معركة في إخميم، ومضى الأخير منهزمًا إلى الواحات.

ويروي محمود مدني، باحث ومدير هيئة الآثار الإسلامية والقبطية بنجع حمادي، لـ”ولاد البلد“، أنه دبت المعارضة لأحمد ابن طولون أيضا معركة أخرى بقرية “هو” كانت بينه وبين أحمد بن المدبر الذي كان يتولى الخراج حينها.

وأكد مدني، أن قرية “هو” من أيام الفتح العربي لمصر، وحتى أيام الدولة الفاطمية أطلق عليها قاعدة “كورة” من 8 كور يتكون منها القطر المصري، وفي العصر المملوكي فك الناصر محمد بن قلاوون 715هـ زمام القطر المصري وهو ما عرف بالـ”روك” الناصر.

مقابر قرية هو بنجع حمادي- تصوير: مريم الرميحي
مقابر قرية هو

وأصبحت “هو” كورة تضم 20 قرية تتبع إقليم قوص وهي تعد أكبر كور الصعيد، وفي العصر العثماني تغير اسم كورة إلى مقاطعة واسم إقليم إلى ولاية، وأصبحت “هو” هي مقاطعة 12 باسم مقاطعة “هو” وبهجورة وتوابعها.

جدير بالذكر أن مقابر “هو” المجاورة لمنطقة هور أكبر مقابر وأقدمها في الصعيد بعد مقابر بني حسن بمحافظة المنيا، كما أجرى الباحث محمود السطوحي عباس، دراسة حول النقوش والرسوم التي توضع علي القبور وشكل القبور المختلفة وتركيبتها عن أي قبور في منطقة أخرى.

الوسوم