صور| “مولد عبدالرحيم القنائي”.. هنا ملتقى الحب وصدق القلب

صور| “مولد عبدالرحيم القنائي”.. هنا ملتقى الحب وصدق القلب توافد الناس داخل مسجد القنائي

تصوير: سمر شومان 

بعض الأماكن نور، وبعض الروحانيات عالم آخر، تظل هذه الفكرة موضع تأويل وجدل، حتى تزور مولد سيدي عبدالرحيم القنائي، خاصة في أيام الاحتفالات التي تمتد على مدار 15 يوما بداية من شهر شعبان.

في يوم كامل قضته “محررة ولاد البلد” بالمولد، جابت خلاله ثنايا وأطراف الضريح، ومقامه، ومسجده وساحته، لتأخذك في رحلة بين ذكريات الماضي والحاضر، في التقرير التالي.

مظاهر الاحتفال بمولد القنائي

 مدينة قنا

تتغير ملامح مدينة قنا، في أيام احتفالات مولد سيدي عبدالرحيم القنائي، ستلاحظ ذلك بمجرد وصولك للمدينة، الزحام، والوجوه الغريبة، والألسنة المتعددة الدالة على تنوع الوافدين من محافظات وقرى مختلفة، وجميعها متجهة نحو مسجد “الأسد” سيدي عبدالرحيم القنائي، كما يلقبه كل أحبائه خاصة من أبناء محافظة قنا.

“منذ قديم الأزل ومولد الأسد هو عرس كل منزل”، بلمعة عينان كأنها تراقب تلك المشاهد الآن، يقول عم على محمد، 65 عامًا، هذه الكلمات، مستطردًا، كنت طفلاً لا يتعدى عمري 7 سنوات، تحديدًا في الستينيات، كانت والدتي وكل سيدات شارع عمر أفندي حيث انتمي، في حالة استعداد وطوارئ من أجل “الخدمات” وهي إعداد الطعام، والخبيز والذبائح للضيوف والمحبين الزائرين لسيدي عبدالرحيم القنائي طوال أيام المولد وحتى الليلة الكبيرة “طلوع التوب”.

توافد المحبين داخل مسجد القنائي 
توافد المحبين داخل مسجد القنائي

ليس فقط أبناء منطقتنا، إنما أغلب منازل المدينة الجميع يعتبر زوار “الأسد” زواره وجب ضيافتهم واستقبالهم، في أيام مولد سيدي عبدالرحيم القنائي يصبح لشوارع المدينة صوت، حيث المنشدين والمداحين في حب الله وآل البيت، وسيدي عبدالرحيم القنائي، فضلا عن الأطفال الذين يبحثون عن الحلوى والملبس التي توزع طوال الوقت في بهجة مغايرة.

بشغف ملحوظ حكى لنا العم ماجد ماهر، أحد المتواجدين هناك، كيف كانت تتغير قنا أيام مولد سيدي عبدالرحيم القنائي، ليس فقط في سلوكيات الناس إنما أيضًا في الاستعدادات الرسمية، والاحتفالات من قبل الجهات التنفيذية والشعبية، راويًا أن رصف شارع الجميل كان سببه الرئيسي استعداد لاستقبال زائرين سيدي عبدالرحيم فى المولد، والملك فاروق خاصة في عام 1948، بعد بنائه للضريح على شكله الحالي.

شارع مولد سيدي عبدالرحيم القنائي - تصوير: سمر شومان
شارع مولد سيدي عبدالرحيم القنائي

يذكر أيضًا العم ماهر، بعدها أطلق اسم جميل هو المحافظ المسؤول عن المدينة حينها على الشارع، إلا أن الاحتفال كان لا يقتصر فقط على أبناء قنا من المسؤولين، والاحتفال بمولد السيد كان عرسًا لكل قنائي، فكان هناك موكب كبير من مسؤولي الجهات التنفيذية والشعبية ممتطين خيولهم ومتصدرين مقدمة نقل كسوة الضريح من مديرية الأمن حتى الضريح بحضور نقيب المقام حينها.

ذكريات

ترى حنان، إحدى زوار سيدي عبدالرحيم القنائي، أن الاحتفالات مازالت ضخمة وعلى أشدها، رغم تقليص بعض مظاهرها مثل ساحة المرماح التي لم تعد بحجمها القديم، والتحطيب، لكن الإنشاد والذكر يعمر المكان على حد تعبيرها.

توافد السيدات علي مسجد القنائي - تصوير: سمر شومان
توافد السيدات علي مسجد القنائي

أما العم خميس حسن، 62 عامًا، لا يستطيع نسيان ذكرياته مع أبناء دفعته من كلية المعلمين بجامعة جنوب الوادي في السبعينيات، الاستذكار والصلاة والدعاء، متطرقًا لوصف ما يشعر به من راحة ربانية عند دخول المسجد، مؤمنًا بأن السر دائمًا في بيوت الله خاص الملحقة بالأضرحة حيث إنهم أولياء محبين لله ورسوله في المقام الأول.

فيما يستنكر العم خميس، بعض السلوكيات الخاطئة والتى يفعلها الباعة عن جهل، مؤكدًا أن زوار سيدي عبدالرحيم القنائي من المثقفين والعلماء والمحبين بالفطرة، لافتًا أن لكل حبيب رؤيتها في التعبير عن حبه.

مسجد سيدي عبد الرحيم القناوي- تصوير: سمر شومان
مسجد سيدي عبد الرحيم القناوي

الحب واحد

مرت ساعات نجوب بين الذاكرين والمنشدين بأصوات شجية عند المقام، وفي زوايا أخرى حيث الساحة، وافدين وزوار يتناوبون بين زيارة سيدي عبدالرحيم القنائي ومولانا الشيخ القرشي، مؤكدين حب كل من حب الله ورسوله وآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، ومناطق أخرى تحيط المسجد ببائعي الحلوى، وألعاب الأطفال، وزوايا الخدمة أي تقديم الطعام والشراب لكل مغترب محب زائر لسيدي عبدالرحيم القنائي.

وبعد استراحة في ساعات الذروة وقلة الوافدين في تلك الساعات يستعد الجميع للانضمام لحلقات الذكر، لم يمر دون أن ترمي إحدى المحبات بسيطة الهيئة، كبيرة العمر، جالسه في سكون، بجوار المقام لي جملة هامسة في أذني “كل حبيب يتفنن في التعبير عن حبه وتبقى المحبة واحدة في جوهرة”.

وما إن تنتهي صلاة المغرب، إلا وتسمع “يا كعبة القصاد يا عالي النصب” تردد الجملة اسم الله في كل زاوية، يذكر بصوتا عالي دون ضجيج متناغما، هنا حلقة ذكر مجموعة محبين جالسين بآدابا معينة متفقين في انتصاب الظهر، هنا رجلا مسن يبتسم غير عابئ بالعمر الذي ينقص، يردد حبا “أوليس للمحبة قدرا ياربي أمام عجزي عن حسن عبادتك وابتغاء مرضاتك، جئت لأحد أحبابك حبا فيك”، وهناك سيدة مسنة من خلف جدار خشبي مصنوع بفن الأربيسك، تدعو لنفسها وكل من رأت دمعته، أصواتا متناثرة متباينة الحلاوة متناغمة في وقعها على القلوب.

الوسوم