صور| في غرفة أمي.. يتباطأ الزمن ليسمح لي بالمشاهدة

صور| في غرفة أمي.. يتباطأ الزمن ليسمح لي بالمشاهدة خاص لـ"ثقافة وتراث"
كتب -

كنت قد قررت أن أوثق لمقتنيات أمي في سياق تقرير تراثي، يسجل ما تحتفظ به الأمهات والجدات من أشياء، ربما قد تبدو لنا نحن الشباب مجرد “كراكيب”، ولكنها تمثل لهن الدنيا وما فيها، ولكن منعني مرضها الأخير في أن أثقل عليها، واكتفيت بأن اقتنصت منها أربع حكايات شعبية ترويها بصوتها، تحت اسم حكاوي أم أشرف، والتي نشرت ضمن سلسلة موسم الحكاوي.

تموت أمي ويوارى جسدها التراب، وأدخل غرفتها وأدور بعيني في أرجائها، يتوقف الزمن للحظات حين تطل الأشياء برأسها تحادثني.
على هذا السرير حملتني رضيعًا وعليه توجعت في كبرياء حتى فاضت روحها، ها هنا الكرسي المدولب، شاهد رحلات العذاب إلى المستشفى، وهناك ختمها ونظارتها وأدويتها، أنفاسها في كل شيء.

ست الحبابيب

علبة بلاستيكية مغلفة بالقماش والأشرطة، في شكل عمل فني منزلي، إحدى الهوايات التي كانت تتقنها لولا المرض، وبداخل العلبة تحتفظ ببعض قصاقيص ورقية أغلبها كروت السبوع لأحفادها وأبناء أقاربها، وفي قاع العلبة وداخل كيس بلاستكي، كانت المفاجأة فقد وجدت بطاقة تهنئة لها بمناسبة عيد الأم، أعرفها جيدًا فقد صنعتها لها بنفسي وأنا في الصف الرابع الابتدائي، أي من ما يقرب من 37 عامًا، زينتها من الخارج بالورود والزهور، وفي الداخل كتبت عليها “مني لك في عيد الأم، أطيب تمنياتي لك بالعيد السعيد ..أبنكي خالد”، وكتبت أيضًا “أمي.. أمي أنت حياتي وروحي وقلبي أنت ربيتني صغيرا، وإذا مرضت سهرت على راحتي وتدعي الله أن يشفيني من مرضي، شكرا”.

إذاعة القرآن الكريم

لا يزال المذياع يعمل على موجة إذاعة القرآن الكريم، ذلك المذياع الذي كان تسليتك الوحيدة، وأذكر الآن حين كنا نلتقي في الصباح قبل أن أغادر إلى عملي الصحفي، وكنت أنت أول من يخبرني عن أخر الأخبار، وكنا أحيانًا نتناقش في أوضاع البلاد والعباد، وأذكر أنك في شهورك الأخيرة توقفت عن سماع الأخبار وأغاني الست وعبد الحليم، وثبتي مؤشر المذياع على موجة إذاعة القرآن الكريم.

جوابات وصور

وفي حقيبة جلدية قديمة، تحتفظين بخطابات أبنائك وأحبابك، وكأني أراكِ الآن حين كنت أدخل عليك، لأجدك وقد التقطتي نظارتك ورحتِ تتنقلين بين سطور إحدى الخطابات القديمة، ثم تلتقطين ألبوم الصور وتتوقفين عند صورة معينة، لأعرف أن الرسالة التي تقرأينها هي من ذلك الشخص، أجوب بين كل الصور لأجدك مع الجميع وفي كل المناسبات، وأجد صورنا أنا وأخوتي وقد وضعتها تحت رأسك، لتنظري إليها كلما اشتقت إلينا حتى ونحن معك.

صباك يا أمي

ألمح التسريحة، وأذكر أيام صباكِ يا أمي، حين كانت تحتوي على أدوات زينتك، أذكر أنني في طفولتي كنت استمتع بمشاهدتك وأنت تتزينين، انظر إلى المرآة فأجدها وقد بهتت كأنها شاخت معك، لا أجد فوقها سوى المنبه وبعض أقراص الناموس وزجاجة ماء، وفي داخلها لا يوجد سوى بعض الأدوية، لم يبق من صباك يا أمي سوى تلك الصورة المعلقة أمام سريرك، والتي يعود تاريخها لأكثر من خمسين سنة.

انظر إليها وانظر إلى غرفتك، وأسمع همساتك الأخيرة، فأدرك أن الزمن لم يتوقف، بل تباطئي قليلا ليسمح لي بالمشاهدة.

اسمع حكاية شعبية بصوت أم أشرف رحمها الله:

موسم الحكاوي 9| تاج الجزيرة «السلطانية»

الوسوم