صور| فن الألباستر.. عندما يبوح المصري القديم بأسراره إلى الأحفاد

صور| فن الألباستر.. عندما يبوح المصري القديم بأسراره إلى الأحفاد

تصوير: أحمد دريم

على دقات اليد المنغمة وأصوات النحاتين بالجرنة، تتجدد صناعة الألباستر الفرعونية يوميًا، وتمتد من المعابد المحيطة للأحفاد بمنتهى التلقائية.

“الإزميل والحجر الرملي ومبرد والفأس والجاكوش” هي ذات الأدوات التي كان يستخدمها مهندسو قدماء المصريين في صناعة تماثيل الآلهة والملوك، ليمتد استخدامها وياصله الأحفاد في البر الغربي بالقرنة.

ويقول الحاج حسني محمد، كبير الصنايعية هناك؛ إن نفس الأدوات اليدوية التي يستخدمونها في نحت الألباستر اليوم، كان يستخدمها الأجداد القدماء، بخلاف الإزميل الذي كان أكثر صلابة وأكبر حجمًا.

عندما تتجول بين معابد الأقصر، تستشعر تلقائيًا قوة عزم المصري القديم ودقته التي فاقت الحدود، في تشكيل التصماميم التي أبدعوا في تشييدها كتمثالي ممنون وأبو الهول وتماثيل الملوك التي تزين معابد مصر، وحين تشاهد التماثيل المصنعة متراصة على الأرفف بالبازارات السياحية المختلفة في أنحاء الجمهورية، تدرك أن تلك الدقة ورثها الأحفاد بالبر الغربي في محافظة الأقصر، ليُخرجوا من الكتل الحجرية الصماء، تماثيل تنطق بعظمة المصريين، ومشاهد تجسد الحياة المصرية القديمة، محافظين بماورثوه على تراث أجدادهم.

“الألباستر في الأقصر” .. عندما يبوح المصري القديم بأسراره إلى الأحفاد

في مدينة القرنة الكائنة غرب محافظة الأقصر، وعلى امتداد قرية القرنة تحديدًا تتراص ورش النحت، أصوات الدق والتكسير تسيطر على المكان، حيث كتل ضخمة من أحجار “المرمر” أو الألباستر أمام تلك الورش، يقوم أصحابها بجلب المرمر من قلب الجبل المجاور هناك، فهم ورثوا أيضًا فن استخراج المرمر كما ورثوا فن تشكيله إلى إنتيكات وتماثيل مزخرفة يبيعونها لزائري المدينة.

من القرنة تخرج التماثيل إلى العالم من مرتادي مدينة الأقصر، فصناعة الألباستر لا يعرف أسرارها سوى أبناء الأقصر.

“الألباستر في الأقصر” .. عندما يبوح المصري القديم بأسراره إلى الأحفاد

مراحل التصنيع

بعد وادي الملوك بحوالي 150 كيلو مترًا، مسيرة تجولها أقدام الحمير والجمال لجلب كتل أحجار المرمر، هذه أول الرحلة في صناعة الألباستر بغربي الأقصر، كما يوضح محمد أحمد، مسؤول أحد الورش لـ”ولاد البلد”.

يبدأ الصنايعية في تقطيع تلك الكتل الحجرية وتشكيلها إلى أشكال مختلفة، ثم يتم لفها بالقماش والغراء، وتترك في الشمس حتى تجف لتصبح أكثر صلابة، حتى لا تتكسر حين يقوم الصنايعي بحفر باطنها، ثم يقوم بتشكيلها حسب الشكل المطلوب بالمبرد الخشن، فالناعم وكذا الحجر الرملي، ليتم بعدها تجميع ما يقرب من 15 قطعة، ويتم وضعهم بالفرن تحت درجة حرارة معينة ثم تغطي القطعة منهم بطبقة من الشمع، لتصل إلى الشكل النهائي ويتم وضعها بالعرض.

“الألباستر في الأقصر” .. عندما يبوح المصري القديم بأسراره إلى الأحفاد

نور الصباح.. التماثيل المضيئة في الظلام

ينقسم تصنيع الألباستر إلى نوعين، أحدهما صناعة يدوية وأخرى آلية، إذ يوضح مسؤول الورشة أن الشغل اليدوي للألباستر يتميز بخفة حجمه ووزنه ويستغرق تصنيعه لمدة شهر لإنجاز من 10: 15 قطعة أو تحفة فنية، بينما يستغرق إنتاج تحفة فنية ساعة أو ساعة ونصف من الزمن آليًا، لكنه يتسم بثقل وزنه.

هناك الهامر، ويستخرج منه بودرة التلك للأطفال، يصنع منه التحف والتوابيت والتماثيل، والحجر الجيري يصنع منه اللوحات التذكارية، والبازلت الحجر القوي، كل هذه أنواع تستخرج من الجبال ويُنتج منها الأشكال والتحف المختلفة.

بينما نحن متواجدون داخل أحد معارض ورش النحت، دخل مجموعة أجانب، وفي أثناء تقديم الشرح الذي يتناول توضيح أنواع التماثيل المعروضة على الأرفف للزائرين، انطفأ النور، فأضائت التماثيل المكان، كان هذا “نور الصباح” وهو اسم اختصت به أنواع من المصنوعات الفنية المكسوة باللون الأخضر، وهو أحد الأنواع التي يقبل على اقتنائها السياح عند زيارتهم لمصانع الألباستر.

“الألباستر في الأقصر” .. عندما يبوح المصري القديم بأسراره إلى الأحفاد

طرب العمال يقطع صليل الحديد.. أغنيات التراث رفيقة العمال

داخل الورش لم تكن أصوات الآلات الحديدية فقط هي المسموعة، إذ يقطع  صليل الحديد، طرب الصنايعية وهم يغردون: “دراويش دراويش دراويش.. يا جماله… والواد ده زيه مفيش ياجماله.. ومناج وفكر ثواني.. ومناج واكسب دقايق”.

عادٍة يتغنون بأغنيات التراث ليكسروا روتين العمل الشاق خلال يومهم، ويتغنون بها كذلك وقت تردد الأجانب على المنطقة ليستقطبوهم نحوهم، كنوع من الترحاب بالضيف، وبالفعل ينسجم الزائرون مع الأغنية ثم يتجهون نحو المعرض لمشاهدة ما أنتجه الصنايعية.

“الألباستر في الأقصر” .. عندما يبوح المصري القديم بأسراره إلى الأحفاد

اللوحات الفنية.. إبداع بألوان المعابد

الحرفية والدقة في التصنيع لم تظهر في صناعة التحف والأنتيكات والتماثيل فحسب، بل التهمت اللوحات المصنعة من الحجر الجيري النصيب الأكبر من الدقة والتركيز ليس في الشكل فقط بل في الألوان التي تعكس الطبيعة عند المصري القديم أيضا.

يقطع محمد محمود، فنان زخرفة اللوحات بالورشة، جزءً من الحجر الجيري فينشره بمنشار يدوي، ليبدأ في الحفر على اللوحة، ينظر إلى صورة أمامه ويقوم بنقش مثيلتها على الجير، حتى ينتهي من الحفرعليها، فيبدأ بتلوينها ليخرج تحفة فنية غاية في الجمال.

يقول محمود؛ لابد قبل بداية النقش على اللوح الجيري نبلله بالماء، وبعد انتهاء النقش للصورة المطلوبة، يتم إضافة الألوان “الأحمر والأبيض والأصفر والأخضر”، وتم اختيارها تحديدًا لأنها تقارب ألوان المقابر لدى المصريين القدماء.

“الألباستر في الأقصر” .. عندما يبوح المصري القديم بأسراره إلى الأحفاد

إزميل وحجر رملي.. أدوات الأجداد يستخدمها الأحفاد

“الإزميل الحجر الرملي ومبرد والفأس والجاكوش”، هي ذات الأدوات التي كان يستخدمها مهندسو قدماء المصريين في صناعة تماثيل الآلهة والملوك، ليمتد استخدامها وياصله الأحفاد في البر الغربي بالقرنة، فيقول الحاج حسني محمد، كبير الصنايعية إن هناك؛ نفس الأدوات اليدوية التي نستخدمها في نحت الألباستر اليوم، كان يستخدمها أجدادنا القدماء باختلاف الإزميل فكان أكثر صلابة وأكبر حجمًا.

الوسوم