صور| عمرها 448 عامًا.. قلعة القصير حارسة شواطئ الجنوب وقوافل الحجاج

صور| عمرها 448 عامًا.. قلعة القصير حارسة شواطئ الجنوب وقوافل الحجاج جانب من القلعة مطل على البحر الأحمر - تصوير: إسراء محارب

 كتبت وتصوير – إسراء محارب

غبار يعكر سماء مدينة القصير، وأصوات تلوذ بالفرار خوفًا من هجوم قاطعي الطرق، حتى سيطر الخراب على المشهد وفرار أهالي المدينة منها وتعطل العمل في ميناء القصير وتوقف قوافل الحجاج والتجار، بسبب اعتداء اللصوص وقاطعي الطرق على البلدة النائية.

من هذه الأجواء المضطربة ولدت فكرة إنشاء قلعة القصير منذ حوالي 448 عامًا، والتي مازالت تقف بمدافعها الحديدية القديمة وجدرانها العتيقة على شواطئ البحر الأحمر حارسة للمدينة شاهدة على التاريخ.

 نشأة القلعة

يقول وصفى تمير حسين، مؤرخ مدينة القصير، عن تاريخ إنشاء قلعة القصير أنها بنيت في العصر العثماني فيما بين حكم السلطان أحمد الثالث 1710م، وعهد السلطان سليم الثالث 1797م.

ويضيف، أن البعض أرجع إنشاء القلعة إلى السلطان الغوري لتعرض مصر لأخطار جسيمة، فكان لابد من حماية الثغور ضد الخطر البرتغالي ومحاولتهم غزو الموانئ المملوكية على ساحل البحر الأحمر، لكن الحقيقة الناجزة والتي توصلت إليها الدراسات أن بناء قلعة القصير يرجع إلى عهد والى مصر “سنان باشا ” في عهد السلطان سليم الثاني فى ختام 979هـ/1571م، وهو ما أكده تشارلز لى كيوسنى” قائلاً إن ملامح بناء القلعة العثمانية بمدينة القصير تتفق مع هذا التاريخ سالف الذكر.

فناء القلعة وساحة المدافع
فناء القلعة وساحة المدافع

أسباب بناء القلعة

 يؤكد حسين، سبب بناء القلعة هو اعتداء العربان على قوافل الحجاج والتجار وأهل القصير، ما اضطر أهل القصير إلى هجرتها وتركها خراب وأدى إلى تعطيل العمل في الميناء، وسبب ذلك تعطيل إرسال المؤن إلى الحجاز لأهالي مكة والمدينة، مما دفع بالوالي العثماني على مصر “سنان باشا” أن يرسل خطاباً إلى السلطان سليم الثاني” يقترح عليه بناء قلعة بالقصير لحماية قوافل الحجاج والتجارة والميناء وسكان المدينة، و أصدر السلطان سليم الثاني أمرا بإنشاء قلعة القصير لتفي بتلك الأغراض.

فيما يذكر الدكتور محمود عبدالعال، مؤرخ مصري، في حديثة عن قلعة القصير أن “سنان باشا” كان رجل دولة وقائد عسكري عثماني من أصل ألباني، سمي حاكما على مصر سنة 1569، وقاد سنة 1574 الحملة العثمانية على تونس التي شكلت نهاية الاحتلال الإسباني للبلاد وبداية الحقبة العثمانية بها، كما كان قائد حملة عسكرية كبيرة إلى اليمن لإخماد تمرد الإمام الزيدي المطهر بن يحيى شرف الدين عام 1571، وهو “سنان باشا”، (قوجة وقوجة)، وتعنى العطية وحضر إلى مصر في 24 شعبان 975هـ وعزل بعد تسعة أشهر، وحينما سافر لحملة اليمن وعاد منصورا ردت إليه ولاية مصر كما ذكر “يوسف الملوانى”، في العاشر من صفر 979هـ.

رئيس مدينة القصير يتفقد القلعة
رئيس مدينة القصير يتفقد القلعة

ويوضح أن الوالي كان في وقتها السلطان سليم الثاني الذي حكم وهو يبلغ من العمر أربعة وأربعون عاما وهو ابن سليمان القانوني، وسموه بسليم السكير والبعض يرجع إليه الفضل في الاهتمام بشؤون البلاد والإصلاحات الداخلية وتوفى بعد حمى شديدة أودت بحياته 982هـ.

وتابع عبدالعال: أن إنشاء القلعة مؤرخ في خطاب رسمي ما بين سنان باشا و السلطان سليم، وجاء في نص خطاب من السلطان إلى سنان باشا قائلا:  أرسلت إلى مقامى السعيد خطابا مضمونه أن هناك ميناء يدعى القصير تابعا لمصر بالقرب من الصعيد، وجرت العادة بإرسال الجراية السنوية لموظفي الحرمين الشريفين إلى جدة وينبع من هذا الميناء المذكور “القصير” وبالجملة، وعموما فإن الميناء عظيم الأهمية وبينما كان هذا الميناء معمورا ومنضبطا منذ فتح مصر، وبسبب عدم الاهتمام به بدفع فساد العربان المفسدين وأعمالهم الشنيعة، ونظرا لقيامهم مرات عديدة بقتل الحجاج وأصحاب القوافل التجارية والإغارة على جميع ممتلكاتهم ونهبها لم يعد هناك مجالاً لاستقرار الضعفاء الذين بقوا هناك حيث اضطروا جميعا للفرار .

أحد أبواب القلعة
أحد أبواب القلعة

ومن ثم خربت المنطقة القضائية تماما وتعطل الميناء أيضا، فصدر الأمر ببناء قلعة من أجل دفع هذا الفساد، ولما كان من المتعذر أو المحال عودة أى فرد من أهالي القصير إليها مالم يوضع مقدار كافي من الجنود والذخائر في هذه القلعة، فقد تم مباشرة توفير لوازم بناء القلعة ولذلك أمرت بأنه وفقا لما عرضت أنت فلتأمر ببناء قلعة حصينة في المكان المذكور ولتحذر من الإتلاف والإسراف ولتضع مقدار كافي من جند القلاع وذخائرها “الذخائر والمون” ولتحضر الفارين من أهالي القصير مرة ثانية إلى بلادهم ولتعد إسكانهم فيها ولتحرر ولترفع إلينا وتعلمنا بالأمور اللازمة العرض، وبعد أن تصل إلى تمام بناء القلعة فلتحرر بشكل مفصل كل الأموال التي صرفت مهما كانت ولتعرضها على مقامى العالى (وسلمت الوثيقة إلى الكتخدا أرطوغدى فى 28 ربيع آخر 979 هـ).

 ووصل الأمر من اسطنبول إلى القاهرة فى غضون شهور، حيث وصل فى رمضان 979هـ، وأوكل إلى “محب الدين الحموى” الإشراف على بناء القلعة وتوجه إلى قنا ومنها إلى القصير بعد رحلة استغرقت ثلاثة أيام فى الطريق بينهما، وبدأ على الفور الشروع في الإنشاء أول شوال 979هـ واستغرق العمل فى بناء القلعة كما ذكر الدكتور محمود عبدالعال حتى نهاية عام 979هـ الموافق 1571م، بعد البناء عين لها قائد ومعه فرقة من الجنود لحماية الميناء ولاستقرار الأمن بالمنطقة وكانت تصرف لهم المرتبات.

أحد أبواب القلعة الداخلية
أحد أبواب القلعة الداخلية

القلعة شاهدة على التاريخ

 يسرد حسن عايش، رئيس جمعية حماية التراث بالقصير، أن القلعة شهدت عدة أحداث تاريخية ذكرها كمال الدين حسين “همام”، ومنها محاولة الغزو البحري من جانب الحملة الفرنسية في فبراير 1799م وفشل، والغزو البرى أيضا للفرنسيين والاستيلاء عليها بقيادة “بليار ومساعده دنزيلو”، في 29 مايو 1799م والهجوم البحري الإنجليزى على القصير أغسطس 1799م، وإحداث ثغرة في الجدار الجنوبي وهدم الباب الرئيسي ونزول الجيش الإنجليزي الهندي بالقصير مايو 1801م لطرد الفرنسيين والحملة المصرية بقيادة “إبراهيم باشا”، في حروب محمد على للوهابيين في جزيرة العرب سبتمبر 1816م وحفر خندق حول القلعة ومرابطة حامية مصرية بها عقب قيام الثورة المهدية في السودان 1881م.

وبعدها تم عمل ترميمات للقلعة في عهد محمد سعيد باشا 1859م في 29 رجب 1275هـ، وكانت ترميمات بالطوب اللبن للجزء الأعلى من السور وتم ترميم آخر في عهد سعيد عام 1277هـ -1861م- من الطوب والحجارة، كما ذكر عبدالعال، ووفقا لما ورد في تقرير على رضا محافظ عموم سواحل البحر الأحمر في بداية عهد توفيق واصفا زيارته للقصير وقد وصف القلعة في التقرير وما بها من مبان وأبراج ومدافع وجنود.

لوحة لوصف القلعة من هيئة الآثار
لوحة لوصف القلعة من هيئة الآثار

الوصف المعماري للقلعة

يوصف على سيد، منسق مبادرة “من فات قديمه تاه” – مبادرة لإحياء تراث القصير – القلعة بأنه يوجد بها أربعة أبراج، ويبلغ سمك جدرانه من 26 إلى 30 وهى مبنية بالحجر الجيري ولا يحتوى القصر إلا على عدد صغير من الغرف، كما يضم بئرا محفورة بأكملها من الجص، مياهها بالغة الثقل ومائل للملوحة، وتستخدم في سقاية الماشية.

ويكمل: على بعد مائه خطوة من الواجهة الجنوبية الغربية خارج القصر يوجد خزان مياه قديم مكسور بالطوب يمكنه أن يتسع لـ45 مترا مكعبا من المياه، 
وتنتهي إلى قاع الخزان مسارب عديدة، تهبط من التلال المحيطة والمجاورة بحيث يمتلئ بشكل طبيعي بالمياه في فصل الأمطار (لم يعد هذا الخزان موجودا في الوقت الحاضر)، وفى الجهة الأخرى من الحصن (القصر) كان يوجد مسجد، وعديد من الأضرحة أو المقابر وقد هدمها الفرنسيون، موضحا أن القلعة شكلها رباعي، طول ضلعها ثمانين مترا، ويتوسط ضلعها القبلي باب القلعة، وهي محاطة بسور من البناء ارتفاعه ستة أمتار وجزئه الأسفل الذى على ارتفاع ثلاثة أمتار ونصف مبنى من الحجر والمونة وباقي الارتفاع مختلط ما بين الدبش والرمل وبعضه بالطوب اللبن.

مدافع القلعة القديمة
مدافع القلعة القديمة
أحد أبراج القلعة الداخلية
أحد أبراج القلعة الداخلية
القلعة من الداخل
القلعة من الداخل
الوسوم